راي رئيسي

ما بعد الفخفاخ غيت (4)
في حاجة الوطن  للتعقّل والهدوء

عادت المبادرة لرئيس الدولة ليكلف شخصية ثانية بمعيار الأقدر كما ينص على ذلك الدستور. حركة النهضة التي سبقت إعلان الرئيس طلبه من الفخفاخ الإستقالة فاجأت الرأي العام ومناصريها بعدم الوقوف على فاصل لمن تعود المبادرة لقرطاج أو باردو، مما جعل العديد من المراقبين يتساءل عن سرّ تسريع النهضة لتمشي ازاحة الفخفاخ وكان عنوان عودة المبادرة لها بسحب الثقة أكثر العناوين مشروعية  ومنطقا بالنظر للكلفة السياسية لاستباقها للجميع في تنزيل موقفها من ملف الفخفاخ ولم تكن اقالة وزرائها بالصفاقة التي اقترفها الفخفاخ سوى مؤشرا عن حجم الثمن السياسي الذي دفعته النهضة بالحاضر بمبادرتها السريعة والمفاجأة بإيداع عريضة سحب الثقة في البرلمان.

ارتبك القصر وسرعان ما صرّح بعد سويعات أن استقالة الفخفاخ موقّعه عنده في الدرج، وذهبت العديد من “الألسن البريئة” للقول أن الاستقالة وقّعها الفخفاخ يوم تسلّم التكليف وكانت من شروطه.

ليس ثابتا وليس مهما كل هذا وغيره المهم أن العديد من الأطراف التي كانت تعمل على استغلال التسابق الطريف بين قرطاج وباردو أو بالتحديد بين قرطاج ومونبليزير لتعميق ما بدا من بوادر أزمة جديدة بين الغنوشي وسعيد وجدت نفسها تلعب خارج الملعب، فقد رحبت النهضة رسميا بتمشي الرئيس ولم تتوقف كثيرا على تأويل فصول الدستور المعنية بهذه الحالة.

كثيرون استعملوا حجة قبول النهضة بعودة المبادرة للرئيس بأن الغنوشي كان محقا عندما أعلم مجلس الشورى بتوافق واتفاق مع سعيد لتنحية الفخفاخ رغم أنه وفي لقائه الخاطف مع الطبوبي والفخفاخ كذّب بحدة الغنوشي.

المهم ورغم حروب الكلام المباح وغير المباح في منصات التواصل ووسائل الاعلام بين أنصار النهضة والرئيس فإن النهضة الرسمية تعاملت بهدوء مع “هولدوب” الرئاسة التي اختطفت المبادرة من الغنوشي وحزبه.

ويبقى السؤال الذي تتداوله كواليس النخبة ماذا حدث في لقاء الرئيسين وهل هو اتفاق باريس2 الذي جعل النهضة تغير رأيها وتسلّم مرة ثانية مصير العَملية السياسية للرئيس وهي التي عملت بتكتيك مكشوف لاستعادة المبادرة وتحملت عاصفة ردود أفعال حلفائها في القصبة.

لا أحد يعرف ماذا جرى ولا على ما اتفق سعيد والغنوشي ليلة انعقاد مجلس الشورى الذي كلّف رئيس الحركة بإطلاق المشاورات لإزاحة الفخفاخ، ولكن الأكيد أن ذلك اللقاء أو بالتحديد الصفقة يفسّر سلوك النهضة على الأقل وقبولها المفاجئ بافتكاك القصر “عنوة”  وبصفاقة غير مسبوقة لمبادرتها بتقديم  اللائحة.

يبقى السؤال الذي يؤرّق بعض قيادات النهضة المتوجسين من أسلوب الغنوشي في إدارة هذا الملف الذي يتمحور حول مدى ثقة الغنوشي في رئيس جديد وطارئ على عالم الدولة والسياسة، ويزداد قلق تلك الدوائر عندما تلاحظ أن الغنوشي قد يستحضر بالقياس والملموس، تجربته مع الباجي قايد السبسي بعد لقاء باريس واسقاطها على الرئيس الجديد دون الانتباه إلى الفارق بين الرجلين سواء من حيث الثقافة السياسية أو الخبرة بإدارة “أشياء الدولة”  فالباجي منتوج مهذب للبراغمتية البورقيبية في حين أن سعيد منتوج عجيب للصدفة التاريخية و مزيج مركب بين شكلانية العقل القانوني و عالم يوطوبيا السياسة على ما أفصحت عليه شخصيته السياسية الغامضة منذ توليه قرطاج.

المهم وبقطع النظر عن مدى وجاهة موقف المتوجسين من منطق الصفقات والتفاهمات وراء الستار، الثابت والعيني أن الغنوشي بتسليمه للمبادرة لقرطاج قد نزع فتيل أزمة حادة وخطيرة بين باردو وقرطاج وسهل على الجميع التحاقهم بالنهاية بمبادرة النهضة بسحب الثقة من الفخفاخ.

سياق التهارج بين مكونات المشهد الحزبي والمركب الحكومي، جعل من خطوة النهضة عامل تعميق للانقسام بين الفرقاء وبالنتيحة والمحصول وبحساب الربح والخسارة يبدو أن النهضة قد سجلت نقطة فارقة في مرمى حزب التيار الديمقراطي، الذي أبانت ردود أفعاله على حجم التخارج بين موقعه وحجمه من العملية السياسية ككل ومن مركب الحكم في القصبة تحديدا حيث سرعان  ما تبوأ براحة  مقعد الحزب الحاكم رغم أنه جاء رابعا أو خامسا في ترتيب التشريعيات بعيدا عن الحزب الأول والثاني.

سقوط الفخفاخ كان كارثة سياسية على حزب وزير الدولة محمد عبو الذي مزق نهائيا عقد شرعيته الاخلاقية مع جمهوره وقواعده بتردده الغريب في أخذ موقف مبدئي وواضح بعد ما تبين للجميع أن ملف الفخفاخ لا يمكن الدفاع عنه لا أخلاقا ولا قانونا ولا سياسيا.

الثابت من السابق أن المبادرة اليوم عادت لرئيس الدولة وأن النهضة وإن لم تكسب فإنها لن تخسر من سرعة تحركها وتغيير نسق آدائها فقد وضعت الجميع في مربع ردود الافعال ، وخارج حسابات الأطراف المعنية بالعملية السياسية. تنتظر تونس تعيين رئيس حكومة جديد ليتولى مسؤولية دولة مهددة بموجه وبائية ثانية وهي على أبواب الافلاس.

الجميع يعي حقيقة الوضع وخطورته سواء بدالة المؤشرات الداخلية وحدة الأزمة العامة والمعممة، أو بمؤشر الوضع الاقليمي الخطير خاصة عند حدودنا الشرقية، ولجميع مطالب بالخروج من مربع المناكفات والتهارج بالمباح وغير المباح فتونس في حاجة إلى لحظة هدوء وتفكير هادئ وعميق في أفق تشكيل حكومة انقاذ وطني جامع على برنامج حكومي واضح بحزام سياسي َبرلماني وقوي وبانسجام كامل مع البرلمان والرئاسة، وقرطاج هذه الأيام أمام امتحان المسؤولية والجدية  وليس لها الحق في الخطأ في اختيار الشخصية القادرة على تجميع الفرقاء أولا والمؤهلة للمسك بمقود قيادة الوطن في اتجاه المخرج الممكن من النفق المظلم والافق المجهول الذي دخلته البلاد بعد تفجر فضيحة الفخفاخ غيت..

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق