راي رئيسي

ما بعد الفخفاخ..
من أزمة السياسة إلى ورطة التاريخ..

تعاقبت علي تونس الجديدة، منذ الثورة، الحكومات وتعاقبت معها الأزمات وفي كل نهاية تشكيل حكومي نقف على سؤال الأزمة من زاوية الخشية من تحَولها إلى مأزق.

نعود اليوم إلى جدل الأزمة/المأزق من نفس النقطة أو من نفس المدخل وهي قابلية المركب الحكومي الهشّ للانفجار بعد تفجّر ملف ما يمكن أن نسميه بـ “الفخفاخ غايت”.

معلوم للجميع أنّ اختيار الفخفاخ جاء في سياق أزمة الخارطة الجديدة التي فرضتها الانتخابات التشريعية، والتي عمّقت مفاصل الضعف البنيوي في المشهد السياسي، وأبرزها مفصل التذرّي والتشتّت وغياب الطرف الأغلبي القويّ القادر على تشكيل حكومته وتنفيذ برنامجه السياسي. فقد جاء الفخفاخ أو جيء به كحلّ لأزمة غياب طرف حزبي وازن بحجم نيابي دستوري، يمكنه من الحكم ضمن ضوابط ما سمّي بالنظام الرئاسي المعدّل. والذي جاء بدوره وفي الحقيقة برافعة التوازن السياسي وليس بدالة الاجماع الوطني، فدون العودة للفترة التأسيسية نؤكد على أن الدستور الجديد كتب بهاجس ترتيب البيت السياسي بمحاميله الثقافية والايديولوجية والسوسيولوجية، وليس بدالّة بناء معمودية الاجتماع الوطني، وهنا تحديدا يكمن العطب البنيوي العميق في المعمودية الدستورية التي اختارها المجلس التأسيسي بعد الثورة. فالدساتير لا تكتب بهاجس التسوية السياسية المتعلّقة بتوازنات مجتمع الحكم، بل تكتب بدالة صلابة القاعدة المرجعية التي يتأسّس عليها مجتمع الحكم بقطع النظر عن هويّة وحسابات أطرافه وفاعليه.

هذا العطب البنيوي العميق في دستور الجمهورية الثانية جعل من نهاية أيّة حكومة تفتح على ممكن نهاية التسوية الدستورية ذاتها بما يفتح الوضع على ممكنات الفوضى وسقوط السقف على الجميع في لحظة تاريخية بينية صاخبة ومتموّجة وهائجة أحيانا توشك أن تلحقنا بمحظور بقيّة بلدان الثورات العربيّة، حيث انتهت صعوبة التحوّل من زمن الاستبداد إلى زمن الحريّة إلى تعقيد الاحتراب الأهلي بكلفة الدم، فتحوّل هناك في المشرق وهنا في ليبيا أمل الثورة في كتابة زمن الحداثة السياسية إلى ورطة كتابة سرديّة المأساة.

تونس تجنّبت هذا التعقيد رغم أنّها وبالنظر إلى رخوية المرجعية الدستورية التي عالجت على أساسها أزمة السياسة وتوازنات مجتمع الحكم وضعتها في كلّ مرّة أمام مفزع مصير دول الربيع العربي.

سقوط حكومة وقيام أخرى في ديمقراطية عريقة وسويّة، فاصل يومي بسيط، تعالجه الديمقراطية بآلياتها المعروفة، ولكن في تونس الجديدة ولأن المعمودية الدستورية كتبت بهاجس التسوية السياسية، وليس بدالة الاجماع الوطني تعود السياسة مع كل أزمة حكومية إلى الدستور، وفي كل مرّة كانت إجابته ببساطة استئناف دورة الأزمة، وليس حلّها، فحدود إجابته لم تتجاوز في كل مرّة إنقاذنا من ممكن تحوّل الأزمة إلى مأزق تاريخي بعنوان الانقلاب على الموجود الدستوري نفسه.

“الفخفاخ غايت” رمتنا بسرعة وقسوة في أخدود العودة إلى نقطة التقاطع بين أزمة السياسة وورطة الدستور.

مصدر الخوف والصداع والقسوة، لا يتعلّق فقط بتعقيد إعادة تركيب تسويات وترتيبات المشهد الحكومي في ظلّ قاعدة حزبية برلمانية ضعيفة وأكثر تشتتا من لحظة تشكيل حكومة الفخفاخ (انقسام الكتلة الثانية)، فهندسة مشهد ما بعد الفخفاخ سيتحرّك على خطّ الاستحالة إذا سلّمنا بحقيقة غياب الثقة و”النوايا الحسنة” وراء حسابات التموقع لدى كل الأطراف المعنية بالعملية السياسية من جهة، وعلى حقيقة التشظّي والتفكك والتذرّي المشبوه الذي أفرزه المشهد النيابي في باردو من جهة ثانية.

ممكن الفشل في منع الأزمة من التحوّل إلى زاوية المأزق/الورطة، أصبح اليوم وبكل الحسابات ببعدها الدولي والإقليمي والوطني حالة ماثلة أمام الجميع، تتجاوز في كلفتها حساب السياسة، لتفتح على كلفة التاريخ، أي على ثمن التحوّل من زمن الاستبداد إلى زمن الحريّة، والذي نجحت الثورة التونسية إلى حدّ الساعة في دفع الثمن الأقل بجرد حساب كل الثورات في التاريخ السياسي الحديث، من ثورة فرنسا وصولا إلى ثورة اليمن.

الراجح الأكبر أننا في أفق الخروج من دائرة الاستثناء هذه المرّة، لندخل دائرة فوضى البحث عن دالة البحث من جديد في سؤال التأسيس الذي كانت إجابتنا عنه متسرّعة ذات يوم من عهدة الترويكا.

كل الخطر في أزمة “الفخفاخ غايت” يتكثف عند نقطة “العودة الدستورية” إلى حجر الرئيس.

فالرئاسة التي اختار دستور الثورة أن يجعلها شرعيتها مرجعيّة وليست وظيفية دخل رجل غامض بشرعية انتخابية استثنائية يحمل في جرابه وبشكل معلن وواضح مشروع نسف المعمودية الدستورية نفسها التي ستعالج على قاعدتها أزمة سقوط الحكومات.

قيس سعيد الرجل الأقوى اليوم بين الجميع والقادر على بعثرة الأوراق والعبث بالتوازنات الهشة تعود إليه المبادرة لهندسة المشهد بالصيغة التي ستسرع من إنجاز مشروعه الراديكالي المعلن في تغيير نمط النظام السياسي.

تتكثف وتتقاطع كل خطوط الأزمة السياسية لتستقر في أفق الورطة التاريخية في اللحظة التي سيتسلم فيها قيس سعيد الزعيم ملف معالجة سقوط حكومة الفخفاخ. فالفخفاخ اختيار قيس سعيد الرئيس، أمّا بديل الفخفاخ فسيختاره قيس سعيد الزعيم، وهنا مكمن ورطة التجربة التونسية ومسارها المتكسّر الذي تعاقبت عليه دورة الأزمات بعنوان تعاقب الحكومات، وفي كل مرّة تنجح حاسة المناورة في إنقاذ السياسة من الولوج دائرة المأزق.

كل المشكل والتعقيد أن هذه المرّة في أن الجهة الدستورية التي من المفترض أن تنقذنا “من جديد”، من ممكن تحوّل الأزمة إلى وارد السقوط في أخدود المأزق، تلك الجهة الدستورية برنامجها السياسي المعلن هو تحديدا وأساسا دفعنا إلى المأزق، لأن برنامج سعيد هو إجابة عن صداع المأزق وليس عن سؤال الأزمة.

“الفخفاخ غايت” في تفاصيلها، ومن وراءها، ولماذا الآن، هذا كله أو جلّه غير مهمّ بالمرّة، الهام والأهم أن سقوط حكومته، هو هديّة قدر لقيس سعيد الزعيم ليسرع نسق تنزيل برنامجه المعلن في الانقلاب الدستوري الناعم عن الديمقراطية التمثيلية، وفي هذا الأفق المستقبل مجهول بدالة التفاؤل، والمستقبل كارثي بدالة التشاؤم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق