راي رئيسي

ما هكذا يدار الحوار !

د. ابراهيم العمري – أستاذ العلوم السياسية

ibrahim.omri@yahoo.fr

 

 

قد نختلف في الرأي والفكرة وفي المقاربة وهذا ليس عيبا ولكنّ العيب هو سوء إدارة الحوار، لأنّ الإدارة السيئة للحوار تضرّ بمصلحة الشعب العامة، فالحوار دائما قائما سواء في حالة الصلح أو الحرب بين الدول، بل الحرب ذاتها حوار فما بالك بحوار داخلي بين المؤسسات السياسية للدولة. كل حالة لها طرق معيّنة لإدارة الحوار فالطرف الأقوى يفرض شروطه ولكن لا يقطع الخيط الرابط مع الطرف الأضعف وإذا كانت هذه العلاقات منظمة بنص قانوني وجب الاحتكام إلى طرف ثالث ولا يستأثر أحد الأطراف بأحقية تأويل النص القانوني لأنه سيكون بالضرورة لصالحه في أغلب الأحيان وإعلان القطيعة بين رأسي السلطة لم نسمع به إلاّ في هذا الزمن الرديء.

إنّ التصرف غير الحكيم في إدارة الحوار ينمّ عن عجز ويغلق منافذ ومداخل العلاقة بين رأسي السلطة التي ينظمها الدستور والضرر سيكون كبيرا للبلاد لعلّ أضعفه التأخر في حل المشكلات العاجلة كتوفير كميات التلاقيح الكافية في أسرع وقت ممكن، وتوفير الأسمدة والأدوية الضرورية للفلاحين الذين تأخروا في تسميد أراضيهم، وحل مشكلة منع نقل الفسفاط في قفصة والبترول في تطاوين بطريقة تكفل سيادة الدولة على الثروات وتحييد المواطنين عن لاستخدامها كوسيلة ضغط لتحقيق مكاسب، فالنضال مشروع ما دام لا يعطل الإنتاج ويزيد من أزمة الدولة وتصبح أدواته محرمة إذا تجاوز تلك الحدود فكيف تطالب الدولة بالتشغيل ونغلق موارد الدخل وهذا منطق الدمار وكل من يلجأ إليه مدان بكل المقاييس وكل تصرف تمارسه الدولة مشروع سياسيا وقانونيا واجتماعيا.

 

السياسة ليس فيها عدو دائم ولا صديق دائم

تتغير مواقع اللاعبين السياسيين حسب المصالح التي تحدد قرب أو بعد المنافس/أو الخصم لذلك وجب علينا أن يكون حوارنا /صراعنا/تدافعنا متحضرا إلى الحدّ الذي يسمح بإمكانية العمل المشترك إذا تغيّرت المواقع والتحالفات أو حتى لتسيير دواليب الدولة والمجتمع كل من موقعه وحتى لا نجد الحرج الذي قد يتلف إمكانية رتق العلاقات، فالمسألة مرتبطة بـ:

– مستوى التحضّر الذي يبلغه الشعب، فإذا آمن بالاختلاف والتعدد والرأي الآخر لا يفجر إذا خاصم ولا يؤذي أحدا إذا حاور ممّا يسمح بالتعايش والاحترام ولا يتحول الصراع إلى ضغينة وثأر لا يمحوه الزمن وهذا ينطبق على الحوارات التي تنظم في الشاشات والإذاعات أو حتى داخل الاجتماعات ممّا أدى إلى عزوف المواطنين عن متابعة تلك الحصص والاستهزاء بأصحابها.

– أهمية المصلحة التي تقتضي تعديل الإطراف مواقفها بالقدر الذي يذلل العوائق أمام التعايش داخل المنظومة الواحدة أو حتى بين منظومات وأحزاب مختلفة’ حيث كلّما أخذنا بعين الاعتبار ضرورة التعايش بين مكونات المجتمع و مؤسساته تصبح نبرة الحوار معدّلة فتختلف الطرق والمقاربات للحلول والمصلحة هي مصلحة البلاد العليا وكلّ الدول التي تقدّمت أشواطا في التحضّر إلاّ وتكرست عقيدة العمل وخفتت الأصوات المرتفعة وقلّ الهرج داخل مؤسساتها وانصرف للبناء وعكس ذلك يؤدي إلى حمل معاول الهدم والفالح هو الذي يهدم المؤسسات ويحدث الفوضى وهو سلوك مرفوض أيضا وهو شبيه بغلق “فانة” البترول في تطاوين ومنع نقل الفسفاط من قفصة ومقاومة هذا السلوك المشين مشروعا بمقتضى القانون والمنطق وتمادي الصمت على ذلك سهل التجرّؤ على مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية وإحداث الشلل فيها بأي منطق لا تحل أحزاب تحرض علنا على الفوضى وتدعوا للاحتراب الاجتماعي ونيتها تحويل مجلس النواب إلى “سوق فريب” والديمقراطية لا تعني الفوضى إطلاقا.

إنّ الحوار المؤسس على الشتيمة يدل على انحطاط المستوى والمطلوب أن يربأ كل طرف بنفسه عن ذلك وأن تفرض قيم التعايش و الاحترام من أجل الارتقاء بالخطاب مهما كان نوعه إلى الحدّ الذي نرتضيه جميعا حتى لا نربي النشء – الذي يعاني من ضعف كبير في مستواه الدراسي والثقافي – على ألفاظ سوقية أصبح يتلقاها من بعض أعضاء مجلس النواب (من المفروض أن يكونوا قدوة) وبعض الدوائر السياسية الأخرى والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي والشارع.

 

الصمم مذموم فما بالك إذا كان سياسيا

الأصم لا يستطيع أن يدير حوارا إطلاقا ونعني بالصمم عدم القدرة على الاستماع للآخر أثناء الحوار أو رفض النصيحة والإصرار على المضي قدما في ما يعتقد أنّه صحيح دون تنسيب وهذا هو مرض جلّ الطبقة السياسية في البلاد وهذا الصمم يعيق إدارة الحوار في الدولة والمجتمع فتتفرّق السبل.

إنّ ربّ العزة حاور إبليس وسمح له بالحوار وأهل الجنة حاوروا أهل النار والعكس صحيح وكلاّ منهم أدلى بحججه، وفي تونس ضاق صدر ساستنا من ذلك لأنّ جلهم هواة تربوا (الأحزاب الإسلامية والقومية والشيوعية وحتى المستقلون) في المعارضة السريّة الطويلة التي فرضها النظام البائد الذي حرمهم من حقّ المشاركة في الحكم والتدرّب على تسيير شؤون الدولة ممّا جعل ممارستهم في الحكم أشبه بعمل حزبي في الجامعة في الثمانينات.

إنّ تسيير الدولة يتطلب الحكمة والانفتاح وقابلية الحوار مع كل مكوّنات المجتمع والاستجابة للانتظارات بقدر المستطاع واحتضان الجميع كما أنّ العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية مهما كانت درجة التنافر – هي غير مبررة في كل الأحوال – لا بدّ أن تذلل حتى لا تتوقف كليا مصالح الدولة وما على الأطراف المعنية قبول الوساطات الخيرة لحلحلة الأمر في غياب المحكمة الدستورية باعتبارها الوحيدة المختصة في تأويل الدستور (الذي يريد أن يخدم الشعب مطالب بتعيين الأعضاء الذين يرجعون إليه بالنظر في أسرع وقت لنحل مشكل انسداد قنوات الحوار والتفاهم بين المؤسسات السياسية في الدولة).

 

دور الجامعيين تاريخيا سلبي قد نتداركه

همش بورقيبة الجامعيين درجة لا مثيل لها حتى أنّ حزبه يكاد يكون خاليا منهم (قلّة قليلة جدّا) ووظفهم المخلوع لمّا هرول اليسار إلى نجدته والتحالف معه بعد تغيير اسم الحزب الحاكم ليتسع لهم فأثثوا لجان تفكيره وتولوا المناصب الوزارية وما دونها وبعد الثورة وجد الجامعيون أنفسهم في “قصورهم العاجية” إلا النزر القليل ولا يشاركون بالقدر المفروض (في السلطة وفي الحوارات التي تنظمها وسائل الإعلام…) لإنارة الطريق بحكم تخصصاتهم لعدة عوامل – ليس مجال سردها في هذا المقال -.

في الأزمة الأخيرة المتعلقة بأداء اليمين من عدمه لجأ السياسيون إلى الأساتذه المختصين في القانون الدستوري والعلوم السياسية لاستشارتهم في موضوع الاختلاف فانبرى كل منهم مؤوّلا طبقا لميولاته السياسية وموقع تمترسه الحزبي وقربه أو بعده من الإطراف المتصارعة أو طبقا للموضوعية و الإدلاء برأي فني (فقهي) بقطع النظر عن هذا أو ذاك ويهمني في هذا الصدد الإشارة إلى النقاط الآتية:

  1. في حالة غياب المحكمة الدستورية لا أحد يحتكر تأويل الدستور وكل احتكار يؤدي إلى تأويل القاعدة لفائدة الذات.
  2. لا اختصاص بدون نص والفصل 72 في الدستور لا يتعلق بحق التأويل وإنما يتعلق بحماية الدستور من الانتهاك.
  3. قبول الوساطة أو تعيين هيئة من الحكماء ليس له أساس قانوني ولكن قد يسوغ سياسيا لوضع حد للانسداد التام الذي بلغنا إليه.
  4. الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية القوانين قد تعلن عدم اختصاصها شأن المحكمة الإدارية.

هل نتوقف حتى نحدث المحكمة الدستورية؟ وهل من اليسير إحداثها في ظرف طغى عليه الصمم والتجاذب السياسي المقرف؟ هل سيتواصل التعطيل لمرافق الدولة إلى أجل مجهول؟

الإجابة إنّ إدارة الحوار واستئنافه ضروريان مهما كانت الأحوال وهذا يقتضي حلا سياسيا (وهو ما أشرت إليه في مقالي يوم 11/2/2021 المعنون أليس فينا حكماء؟ في صحيفة الرأي العام) في انتظار الحلول الفقهية عبر تشكيل هيئة حكماء يقبل بها الطرفان وتسهم في إدارة الحوار على النحو المرضي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق