الافتتاحية

مبادرة الغنوشي..
بين الرغبة في حلحلة الأوضاع والدفع نحو التأزيم..
جوهر الصراع..

ردود الفعل المتسرعة والرافضة لمبادرة الأستاذ راشد الغنوشي رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة، تعكس بوضوح رغبة وأجندة بعض الأطراف السياسية في مزيد تعفين الأوضاع في البلاد وتعميق الأزمة القائمة بسبب رفض رئيس الجمهورية قبول الوزراء المزكّين من قبل مجلس النواب لأداء اليمين الدستورية، ظنا منهم أن الدفع بالأزمة إلى أقصاها، والبلاد إلى حافة الهاوية قد ينتج حلولا أو مخارج تتوافق مع ما يريدون وما يخطّطون له…

هذه الردود صادمة ومستغربة إلى حدّ كبير، وغير منطقية ولا عقلانية، وهي تعكس حالة العبث السياسي التي انخرطت فيها بعض القوى في بلادنا، لأنّه لا يعقل أن يقع رفض يبلغ حدّ التجريم لقيام شخص هو أحد الرموز الكبرى للدولة بمبادرة لحلحلة الأزمة التي تعيشها البلاد.. هذا أوّلا، ولأنه لا يمكن لأي عاقل أن يرفض دعوة للحوار والبحث عن مخارج لما نعيشه اليوم من انسداد سياسي..

ولذلك يطرح اليوم أكثر من تساؤل عن دوافع وأسباب هذا الرفض المتشنج والمتسرّع، هل لأنّ المبادرة أخرجت رئيس البرلمان بمظهر الرجل الذي يبحث عن التوافق ويحاول حلحلة الأوضاع في البلاد والحريص على أمنها واستقرارها؟ أم لأنّ المبادرة كما قد يتصوّر البعض حشرت رئيس الدولة في الزاوية، ورمت الكرة في ملعبه كما يقال، فهبّ حزامه السياسي يذبّ عنه..

الأصل في الأشياء أن دعوات الحوار والالتقاء على كلمة سواء من أجل تونس لا يرفضها عاقل، خاصة وقد سُدّت كل السبل، ولم يعد البحث عن مخارج دستورية وقانونية مجد، وتأكيد الجميع أن الأزمة في جوهرها سياسي، يتعلق بصراع صلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية.. لذلك وأمام هذه الحالة هل من حلّ للأزمة بغير الحوار.. وما هو البديل عن الحوار؟ هل هو المغالبة، وقد ثبت أن هذا النهج غير مجدي..

أعتقد جازما، أن الأسباب التي وقفت وراء رفض مبادرة الغنوشي شخصية بالأساس، فهناك من رفض المبادرة لأن الغنوشي صاحبها، ولكن هناك أيضا أسباب سياسيّة، تتعلّق برغبة البعض في تعميق الأزمة والدفع بها إلى أقصى مدى ممكن، حتى يؤكد للتونسيّين صحّة “نظريته” التي تقول بانتهاء صلاحية المنظومة السياسية التي جاءت بها الثورة، بما في ذلك الأحزاب والبرلمان.

وللأسف أن الحزام السياسي لرئيس الجمهورية يدرك هذا جيّدا ويدرك أن الأحزاب والمنظمات والتجربة الديمقراطية ككل هي هدف الرئيس وهي الهدف الرئيسي من وراء تعفين الأوضاع ودفعها إلى حالة قصوى من الانسداد، ورغم ذلك هم يدفعون بالبلاد إلى “الجنون والعبث” انتقاما من خصم سياسي لم يستطيعون أن ينافسوه في الصندوق..

تجربة التسعينات تعيد نفسها بشكل أو بآخر، والذين وقفوا مع بن علي ودفعوا إلى حالة من الاستقطاب الثنائي، دفعوا كلهم الثمن في الأخير، ودفعت البلاد 23 سنة ذهبت هباء بسبب بعض الحاقدين والاستئصاليين.. واليوم هناك من يريد أن يعبد التجربة، ويدفع بالبلاد إلى المحرقة.. وهم على يقين أن دورهم آت لا محالة..

لأن الشعبوية التي تبشر بها التنسيقيات، لن تستثني أحدا، لا رجال الأعمال ولا الأحزاب ولا النقابات وعلى رأسها اتحاد الشغل، الذي سيكون هدفا تاليا إذا ما تمكّن البعض من إزاحة النهضة من الساحة.. لأن الشعار الذي سيرفع لاحقا، من تحزّب خان والبيت لساكنه.. وحينها لن ينفع أحد الندم.

في الأخير قامت ثورة، وهرب المخلوع، ولم يرافقه أحد في منفاه ودفع هو وأهله لوحدهم ثمن قرار اتخذ ذات تسعينات من القرن الماضي بإقصاء طرف يمثل غالبية التونسيين وروحهم وثقافهم.. وهكذا سولت لهم نفسهم.

اليوم هناك من يريد أن يعيد نفس اللعبة، ويتصوّر أنه سيجني نتائج مختلفة، والحقيقة، وأحكام التاريخ، تؤكد أن الأشخاص ماضون والذي يبقى هو الفكرة، ولا توجد فكرة هزمت أو اندثرت أبدا..

هذه هي الأبعاد الحقيقية للأزمة في البلاد، ونخلصها في التالي: رغبات محمومة في الاستئصال تختلط فيها الحسابات السياسية بالأحقاد الإيديولوجية بالحسابات الجيو-استراتيجية الاقليمية والدولية.. ولكن تحقيق هذه الرغبات لا يمكن أن يتم إلا بتعفين الأوضاع وشيطنة بعض الأطراف وتحميلها المسؤولية لوحدها عن كل الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعية، وتقديم الشعبويّة على أنّها المنقذ من الظلال، الذي سيخلصنا من منظومة لم تأت إلّا بالخراب.

لذلك حرص الغنوشي – ويحرص – على محاولة حلحلة الأوضاع عبر المبادرة التي قام بها فيما “جن جنون” خصومه من مبادرة جوهرها دعوة للحوار.

يبقى أن ما يتناساه البعض أو ربما لا يفهمه أن تونس ليست جزيرة معزولة عن بقية العالم، ومن الغباء الاعتقاد أن موازين القوى العالمية تسمح اليوم بالدفع ببلادنا والمنطقة نحو المجهول.. ومن يتجاهل هذه الموازنة فهو يقينا فاقد للقدرة على التحليل والتقدير والاستشراف وقراءة التوازنات الداخلية والخارجية..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق