راي رئيسي

متعاليا عن الشعبوية..
الغنوشي يشتغل على العنوان الوطني..

خلف ظهور الأستاذ راشد الغنوشي مساء الأحد الثامن من نوفمبر الجاري على القناة الوطنية مع الإعلامي شاكر بالشيخ، انطباعا إيجابيا لدى كثير من المتابعين ونُشرت بشأنه نصوص عديدة سواء في الصحف أو في صفحات التواصل الاجتماعي.

بدا الرجل كما لو أنه يتبنى استراتيجيا “صفر مشاكل” مع الجميع حيث ظل على امتداد حصة الحوار يتخيّر مفرداته ويُحاذر أن يقول ما يُدينه به منافسوه وخصومه.

في علاقة برئيس الجمهورية أكد كون العلاقة معه ممتازة نافيا أن يكون معنيا بتلميحات قيس سعيد إلى غرف مظلمة ومؤامرات رغم أن الجميع متأكد من كون قيس سعيد لا يكف عن الإشارة إلى الغنوشي سواء في تحرّكاته نحو الخارج سواء في إسقاطه لحكومة الفخفاخ أو استمالته لرئيس الحكومة الجديد السيد هشام المشيشي.

الغنوشي تكلم بكامل الثقة بالنفس وبلغة تبدو “مرحة” ولكنها في جوهرها متعالية عن الخصومات متعففة عن الردّ متحررة من العقد النفسية ومن غرائزية الثأر ورد الفعل ومقابلة التهمة بتهمة، “لا وجود لغرف مظلمة في بيت به إنارة وفي ظل ديمقراطية ليلها كنهارها”، ومن كان عمله تحت الشمس وأمام أعوان الدولة ليس له ما يُخفى ولا مما يخشى ولا يليق به أن يشعر بكونه معنيا بتلميحات وبغمز ولمز، وحده المريب يقول خذوني.

لا يُضير الرجل شيئا اعترافه لقيس سعيد بكونه رئيسا وحيدا لتونس، ولا يُضيره أيضا اعترافُه بكون الطرف الأبرز في المصالحة الوطنية هو آخر أمين عام لآخر حزب حكم البلاد وقامت عليه الثورة، ثورة انطلقت سلمية و”يجب” أن تستمر سلمية متحررة من “صحراء” الأحقاد والكراهية والثارات.

الغنوشي الذي أسس صحبة الباجي رحمه الله لسياسة “التوافق” منذ 2013 تعرض ومازال إلى ردات فعل غاضبة من جمهور غير قليل من أبناء حركته يؤلمهم أن المحرمين لم يُحاسبوا وأن المعذبين والمظلومين والشهداء لم تُنصفهم سياسة التوافق ولم تردّ إليهم لا حقوقا مادية ولا معنوية.

لا يفتقر الغنوشي إلى قاموس في “الضجيج الثوري” وفي التحريض على الانتقام والثأر، ولكنه لم يعد تجتذبه شعارات لا رصيد لها في واقع المجتمع وفي مفاصل دولة لم تغادر عمقها ولم تتحرر من تبعيتها الاقتصادية والعلمية وحتى الثقافية والإعلامية.

لم يتوقف عند غمزات قيس سعيد ولم يتكلم عن “مؤامرة” في البرلمان لسحب الثقة منه إنما اعتبر ما حدث ممارسة للديمقراطية وأداء لواجب النقد والنصح، مع أن جمهورا واسعا من محبيه كانوا يغضبون لأجله ويتمنون لو أن بإمكانهم الانتصار له ممن أغلظوا له القول في ليلة طويلة أدركت صباحها.

هل هو مجرد كلام سياسي لصناعة صورة محببة لدى الناس؟ هل هي محاولة للظهور بهيئة الشخصية الوطنية الجامعة استعدادا لانتخابات قادمة؟ هل هو اصطناع لصورة للتغطية على حقيقة؟ هذه أسئلة يطرحها متابعون عن حسن نية أو عن سوء نية، وهي أسئلة تبيحها الحرية ويتسع لها الشك، غير أنها تدخل في باب الرجم بالغيب ومحاكمة النوايا، فالسياسة هي ما يُمارسُ فعلا وليس ما يُتأوّل أو يُظنّ، وقد شهد المنصفون بأن الرجل ظل مترفعا في خطابه تجاه من يتخذونه خصما وتجاه من يسيئون مخاطبته.

الإشادة بمثل هذه المعاني ليست إشادة بشخصية سياسية لذاتها وإنما هي إشادة بتلك المعاني ذاتها من أجل سلامة نسيجنا المجتمعي ومن أجل إنقاذ السياسة مما تتردى فيه من عنف وبذاءة وسوء، ومن أجل خطاب في الثورة يؤسس فكرا ويُنتج وعيا ويُقيم علاقات سوية تتحرر أكثر ما يمكن من الظنون الفاسدة وتتوفر على أقدار كافية من الثقة وحسن الظن بما يُتيح حظوظ التعاون والتضامن لتحقيق “حُلم” مشترك وأشواق ثورية جميلة.

خطاب “الإغراء الثوري” يمكن أن يتحول إلى خطاب “تغرير” حين يشتغل على عواطف الجمهور يستثير غضبيته وحماسته واندفاعيته ويدفع به نحو مناطحة المجهول دون فهم لتعقيدات الواقع ودون رؤية واضحة للمستقبل ودون امتلاك قوة الفعل وضمانات الانتصار.

خطاب “الإغراء الثوري” خطاب لا يؤسس وعيا ولا يُنتج فكرا ولا يُعالج واقعا وإنما هو خطاب كما عاصفة خريف يحفر في نفس المكان لا يُغادره ولا يستشرف مستقبلا، إنما يُحدث دويا ويُنتج أعمدة من غبار.

الخطاب الثوري في جوهره هو خطاب هادئ عميق وهو خطاب بناء الإنسان وتهيئة المكان للابتداع والكدح والتعايش السلمي بين الناس ولتحقيق العدل الاجتماعي والعدالة أمام القضاء حين يحاسب المجرمون وترد الحقوق إلى أصحابها،الخطاب الثوري يبدأ تحريضا في الشوارع وينتهي تهدئة في الأنفس وفي النسيج المجتمعي وفي مؤسسات الدولة ضد الفوضى وضد الهمجية والبدائية وضد خطاب الكراهية والبذاءة.

ليس الثوري من يرتفع غبار شعاراته يغري بها جمهور المتحمسين الصادقين لنيل أصواتهم في الانتخابات حتى إذا ما نال مبتغاه تحول واقعيا “براغماتيا” وسخر ممن صدقوه وانتظروا منه تحويل شعاراته رفاهة وسعادة، إنما الثوري من يغالب عواطفه ويشتغل على الأفكار والقيم وعلى الأهداف المستقبلية الكبرى حتى وإن خسر من رصيده الشعبي، فالثورة إنتاج للأمل وليست استثمارا في المأساة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق