راي رئيسي

متى تفك شفرة قرطاج وتفصح عن هويتها الجديدة؟

بقدر ما يجتهد المتابعون والصحفيون والمحللون في تفكيك رموز كل الملفات التي تتعلق بالشأن العام في البلاد باعتماد مقاربات وأدوات ووسائط مختلفة، بقدر ما يجدون أنفسهم في حالة من التيه والضياع والعجز حين يرومون ولوج العالم السحري للساكن الجديد لقصر قرطاج أو محاولة تفكيك لغز مفهوم الدولة وتركيبتها الهرمية المقلوبة لديه ولدى الدوائر المقربة منه، ومنهجية العمل في القصر في ظل تواتر إشاعات حول تدخل فاعلين لا ينتمون للهياكل الرسمية للرئاسة وتعيين مستشارين وعزل آخرين بها، وفي ظل صراع مكتوم داخل أسواره.

هل قدر لنا ونحن نعيش أوضاعا بائسة تعيسة لا شيء ينبئ فيها بالاستقرار، ولا مؤشر يبشرنا فيها بقرب الانفراج بأن نزيد نكدا على نكدا وهمّا على همّ بالعيش خمس سنوات بأيامها ولياليها في ظل رئيس يلف كل تصرفاته ومواقفه غموض كبير ولا نكاد نسمع منه سوى بعض الشعارات الشعبوية والتراكيب المنمقة بفصول القوانين وأبواب الدستور وبحلم الشعب الذي يريد، والذي دوّن فصول دستوره بأحرف من فحم على جدران ومداخل المدن التي انتفضت شتاء 2010؟

وإذا كنا نحن التونسيين قد جربنا مباشرة بعد الثورة رئيسا من ديناصورات العهود البائدة جثم على صدور أهالي البلاد سنة كاملة بموجب دستور 1959 دون أن يتخذ موقفا واحدا تخلده بها الأجيال ودون أو ينبس بمفردة واحدة يذكره بها التاريخ، تلاه بعد ذلك رئيس جاءت به إلى قرطاج انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، لم تشفع له نضاليته ضد الاستبداد، ولا مواقفه الثورجية بأن يقنع التونسيين بأدائه خاصة وأنه تعرض  لقصف إعلامي وسياسي ممنهجين أخرجاه من قرطاج مهزوما في انتخابات 2014، ليخلفه بعد ذلك الرئيس الباجي الذي ارتأى جزء كبير من التونسيين أن البلاد ستستفيد من خبرته بسراديب القصور ودوائر الحكم ومناورات السياسة والعلاقات الديبلوماسية، ولكنه مضى دون أن يحقق الوعود التي قطعها على نفسه بحكم تقدمه في السن وعبث عائلته والمحيطين به بدوائر القرار مما أدخله حالة الضعف والوهن وأولجه عنوة مربعات المناكفات والمناورات والمعارك الصغيرة التي طبعت فترة حكمه التي تميزت بتجربة التوافق بينه وبين الغنوشي وما قيل عنها من مديح وهجاء.

وحين جاءت انتخابات 2019 السابقة لأوانها بموجب وفاة الرئيس الباجي رحمه الله، عصفت بالقوى السياسية التقليدية التي طبعت فترة 2014 / 2019 حكما ومعارضة وأحدثت زلزالا سياسيا غير مسبوق. وصوّت التونسيّون لقيس سعيد ونبيل القروي، سعيد من أجل عذريته السياسية ونظافة يديه وأسلوبه الخطابي الجاذب ومن أجل إيمانه بالقوة الخلاقة لشباب تونس، والقروي لأنه جاب البلاد شرقا وغربا وشمالا وجنوبا يطعم أفواها جائعة ويكسو أجسادا عارية ويجهز بيوتا خاوية.

وتنادى الناس في الدور الثاني للتصويت المكثف للمرشح “الملائكي” قيس سعيد الذي يمثل الطهر والعفة، في مواجهة المرشح الذي تجمعت فيه كل أدران الدنيا وعهرها ومساوئها نبيل القروي، وكان النصر تاريخيا حضر للاحتفاء به الطبل والزكرة والزغاريد والأهازيج وامتدت حالة الوعي توشّح بألوانها الزاهية الجدران والأرضيات وتبتدع من الصور ما يحجب عورات الواجهات الشهباء، ثم سكتت عن الكلام المباح واستحالت وفودا تحج إلى قرطاج تحضن الرئيس وترتوي من معين بلاغته ووعوده بالتغيير القادم من عالم المثل والأحلام.

مضى عن أداء اليمين شهر أول فثان فثالث وولجنا الشهر الرابع، ونحن في انتظار انبعاث الروح، وتغيير النبرة، وتلمس حرارة الخطاب الذي يبشر بقرب الانفراج، والذي يعيد إلى مؤسسة الرئاسة نظارة فقدتها، ودورا متقدما لقيادة البلاد نحو الخلاص من حالة التجاذب والانقسام والاحتراب السياسي الذي أدى إلى عطالة تجمدت بمفعولها مفاصل المرفق العام وانتشرت على إثرها الجريمة المنظمة و”البراكاجات” والرئيس يكتفي بدعوة هذا الوزير أو ذاك، ولا يتردّد في معاودة تبادل الابتسامات الخجولة مع المكلف بالتصريف في الماضي والمضارع، الذي يعشق التصريف في المستقبل. مضت أكثر من مائة يوم والرئيس قيس سعيد بخجله الخلوق ما يزال يتحاشى ملامسة الشأن الحزبي، ولا يوظف ما أتاه الله من نعمة الإجماع الشعبي سلطة معنوية للضغط الإيجابي في اتجاه تشكيل حكومة أبطأت ولادتها حتى بتنا نخشى عليها الوفاة “على النفاس”.

أما ما لا يمكن استيعابه وقبوله حقا فهو ما يحدث من استقالات متواترة في الديوان الرئاسي، وتجاذب بين المدير المستقيل / المقال وبين المكلفة بالإعلام والاتصال التي لا تغادر زلة اتصالية إلا لتلج أخرى، والتي تضاربت تصريحاتها وتدويناتها على الصفحة الرسمية مع تصريحات مدير الديوان الرئاسي قبل أن تتمكن من إزاحته وإجباره على تهديدها بكشف حقائق مدوية حول أدائها إن تمادت في إيذائه بافتراءاتها (بحسب تعبيره).

القصر بصدد فقد أركان إدارته، التي لم يكتمل بناؤها بعد، ويفتقد إلى مستشارين في عدة اختصاصات يعود إليهم الرئيس في إدارته للشأن العام، واللغز الذي تعجز العقول عن حلّه في هذا المجال يتمثل في مبررات هذا الفراغ، وهل يعود لعدم ثقة الرئيس في الكفاءات التونسية في المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والديبلوماسية والاقتصادية والقانونية أم أنه يستجير من رمضاء عدم الثقة في الكوادر التونسية برمضاء الدوائر الموازية  المقربة منه من قبيل شقيقه نوفل سعيد الذي ينط من مؤسسة إعلامية إلى أخرى دون صفة رسمية أو بروتوكولية (سوى أنه عميد العائلة المالكة) عن أنه من الغريب أن يكون رئيس الحكومة مسؤولا أمام برلمان مأزوم وفاشل ولا أمام الرئيس الذي قام بتكليفه واصفا ذلك بفن إعادة انتاج الأزمات ومعتبرا أن تنقيح  الدستور بات مهمّة عاجلة شأنه في ذلك شأن المتطاوس رضا شهاب المكي الذي بات يظهر باستمرار في ندوات ووسائل إعلام بعد أن كان نسيا منسيّا ليعرض صورة نظرية لنظام طوباوي لا علاقة له بالمنظومة القانونية الحالية ولا بالدستور، بل أنه بدوره يعتبر النظام الحالي فاسدا وأن تعديل الدستور بات أمرا واجبا بالضرورة دون أن يفصح لنا عن الآلية ولا عن الحزام السياسي الذي سيكون رافعة لهذه التعديلات التي يدعو لها .

شخصية أخرى مثيرة للجدل برزت للعيان خلال الأسبوع المنقضي وهي شخصية عدل الإشهاد الطاهر الحمروني المقرب من الرئيس الذي ينط  في ردهات القصر بمناسبة ودون مناسبة و ينشر بفخر صوره التي توحي بحظوته لدى الرئيس، رغم  حسابه الذي يعج بالتدوينات المعادية لأحزاب سياسية، وولاءه للولي الفقيه، واعتناقه للمذهب الشيعي وعلاقاته المريبة مع دويلة آل زايد المتآمرة على الثورة  مما يعيد للأذهان كلاما قيل ويقال في كواليس السياسيين والأمنيين مفاده أن الرئيس قد حظي خلال الانتخابات بدعم إيراني خفي لا يمكن إلى حدود الساعة نفيه أو تأكيده .

إن الغموض الذي يلف أداء الرئيس لا يمكن إلا أن يتسبب في حالة من القلق والحيرة لدى التونسيين خاصة وأنهم ينظرون بعين الريبة إلى موضوع الحكومة وإمكانية المرور إلى انتخابات جديدة تفضي إلى مشهد جديد العامل الثابت فيه دوما رئيس الدولة المنتخب لعهدة تدوم خماسية كاملة .. فمتى تفك شفرة قرطاج وساكنها وتتضح معالم ممارسته للحكم وتركيبة ديوانه ومستشاريه وملامح سياسته الخارجية المتميزة إلى حدود اللحظة الحالية بالغياب التام عن المحافل الدولية والتولي عنها بداعي المرض او الانشغال بتشكيل الحكومة وحري بالرئيس ان يعلم أن منسوب الثقة فيه بصدد التآكل بسبب انعدام الوضوح.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق