أهم الأحداثاخر الأخبارتقاريرثقافةحصريدوليكورونامدوّنات حرّة

محمد منير .. صحفي مصري سخر من السيسي فاعتقله ومات بعيد خروجه من السجن بكورونا

قبل سويعات من اعتقاله في 15 جوتن  2020، كتب الصحفي المصري المعارض محمد منير، لنفسه مشهد النهاية قائلا: “الموت ربما يكون هو البديل الوحيد للحياة من دون كرامة. طالما أنتم مصرون على هذه النهاية، فالموت أفضل من الحياة بنفسية عبد عاجز، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.

وظهر الاثنين 13 جويلية  2020، أعلنت نقابة الصحفيين المصرية وفاة أحد أبرز أعضائها الناشطين والفاعلين محمد منير (65 عاما) عقب 10 أيام من إطلاق سراحه مصابا بكورونا داخل السجن. 

رحل منير تاركا وراءه إرثا عظيما وتاريخا طويلا من المواقف الوطنية والنضالية والثورية التي لا تنسى، في زمن تشهد فيه الصحافة المصرية أسوأ عهود القمع والتنكيل، لدرجة أن منظمة العفو الدولية، وصفت مصر في تقرير سابق بأنها “منطقة خطرة على الصحفيين”.

صوت حر

رغم أن منير كان يعرف نفسه بأنه صاحب الفكر اليساري، لكنه كان رجلا محافظا ومتدينا، كان في حياته خفيف الظل ومرحا ومبتسما، وفي مهنته كان معجونا بماء الصحافة، سخر حياته خادما في بلاط صاحبة الجلالة التي عشقها ووهب حياته لها عن حب وصدق.لا تتعجب عندما تعرف أن منير الذي يعرف نفسه من خلال صفحته الشخصية بفيسبوك بأنه حاصل على دبلوم “أنثروبولوجي” من جامعة عين شمس بالقاهرة، هو أيضا كاتب ومبدع وعضو مخضرم بنقابة الصحفيين.

منير من مواليد العجوزة 29 جويلية  1955، كان واحدا من رموز تيار الاستقلال بنقابة الصحفيين، وله مقالات في أكثر من وسيلة إعلامية بمصر وخارجها.. عرف منير بمواقفه المناهضة لكل الأنظمة الديكتاتورية بدءا بأنور السادات ومرورا بحسني مبارك وعبد الفتاح السيسي. وقف منير في وجه استبداد نظام السيسي، رافضا بيع جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، كما أعلن رفضه للاعتداء والتنكيل برئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة.

ظل منير طيلة حياته داعما ومساعدا لزملائه الصحفيين، وعبر عن ذلك عندما قال في أواخر أيامه، بعد إصابته بكورونا: “إنني غير قادر على تحديد خطة علاج أو الحجز في مستشفى وهو ما كنت أفعله والله منذ سنوات مع كثير من الزملاء عندما كنت محررا للصحة، ولكني الآن وأنا في شدة التعب غير قادر على مساعدة نفسي”.

اختطاف وتنكيل

بدأت خطة الأجهزة الأمنية للتنكيل بمنير، عندما شارك في لقاء تلفزيوني على قناة الجزيرة، منتصف جوان  2020، تحدث فيه عن أزمة الكنيسة المصرية ومجلة روز اليوسف، وحذر من تسببها في إشعال الفتنة الطائفية بالبلاد.

هاجم منير غلاف مجلة روز اليوسف ووصف محتواه بالمتعمد لتأجيج الفتنة الطائفية، وهو الغلاف الذي احتوى على صورة لأحد القساوسة إلى جوار مرشد جماعة الإخوان محمد بديع، مع عنوان “الجهل المقدس”.

بعدها تعرض منير لمضايقات أمنية، وتهديدات بالاعتقال، وهو ما كشف عنه منير في سلسلة تدوينات على فيسبوك ومقاطع مصورة متوقعا اعتقاله، ومؤكدا على ثبات موقفه المعارض للنظام بالطرق السلمية.

في 14 جوان  2020، نشر منير، مقطعا مصورا لاقتحام قوات الأمن لمنزله بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وسرقة محتوياته، مؤكدا أنه لم يكن وقتها بالمنزل. وظهر من الفيديو محاولة قوات أمن بزي مدني اقتحام شقته السكنية بالقوة ثم فتحها ودخولها والمكوث بها بعض الوقت. بعدها بيوم واحد، خطفت أجهزة الأمن منير، في الساعة الثالثة فجرا، من مسكنه الخاص بمدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة (غربي القاهرة)، ورفضت الشرطة حينها الكشف لأسرته عن المكان الذي سيتحركون إليه.  . أثناء اعتقال منير وفي معرض التنكيل به داخل السجن أصيب بفيروس كورونا، وساءت حالته الصحية، ليتم إطلاق سراحه من نيابة أمن الدولة العليا يوم 2 جويلية  2020، على ذمة القضية رقم 535 لسنة 2020.

تدهور حاد

في 7 جويلية  2020، بدأت أعراض التدهور الحاد تظهر على منير، وهو ما دعاه إلى الظهور في مقطع فيديو، مؤكدا أن حالته الصحية تدهورت بشدة عقب خروجه من محبسه، وأنه يعاني من أعراض الإصابة بفيروس كورونا مثل ارتفاع درجة الحرارة وضيق في التنفس. وأضاف: “أثناء حبسي كشف الفحص الطبي بمستشفى ليمان طرة عن إصابتي بجلطة وقصور في وظائف الكلى، وفي اليوم الثاني للفحص تم الإفراج عني، وبعد يومين تدهورت حالتي خاصة وأنني غير قادر على تحديد خطة علاج أو الحجز في مستشفى”.

وتابع: “لكني الآن وأنا في شدة التعب غير قادر على مساعدة نفسي، كما أن تكلفة حصتي من العلاج والفحوصات تفوق إمكانياتي المادية المحدودة”.

وقتها طالب نقابيون وصحفيون بسرعة علاج منير، مؤكدين أن حالته الصحية تتدهور سريعا، وأن هناك قلقا على حياته، لكن دون استجابة حقيقية من أجهزة الدولة المعنية.

نهاية حزينة

بعد 5 أيام فقط من دخول منير مستشفى العجوزة للحجر الصحي من كورونا، فاضت روحه إلى خالقها تشكو إلى الله ظلم نظام السيسي واستبداده وشاهدة على أن منير كان أحد ضحاياه، بعد مسيرة كفاح طويلة، ناضل خلالها ضد الانقلابي الديكتاتور، رافضا بيع تيران وصنافير، وداعما لحرية الرأي والصحافة وحقوق الإنسان.

شبه إجماع واتفاق وطني على نبل ونضال وشجاعة محمد منير، ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي عقب دقائق من إعلان وفاته، حيث نعاه الجميع حتى بعض من يدعمون السيسي نعوه أيضا لدماثة خلقه وطيب معدنه ونقاء سريرته.

دون الداعية عصام تليمة، عن الراحل قائلا: “رحم الله الصحفي الشجاع الشهم الأستاذ محمد منير، والذي سعدت بتعرفي عليه، واحتسبه عند الله شهيدا لسببين: الأول: أنه مات مظلوما مغدورا به من نظام فاسد ظالم، والثاني: لأنه مات بكورونا، وقد دلت النصوص الشرعية على أجر الشهادة لمن يموت به، أو بمرض مثله، النهار ده محمد منير خد براءة، إلى رحاب أوسع وأرحب عند رب الكون، إلى رحمة الله وجنته يا أستاذ منير”.

وكتب الصحفي المصري أحمد غانم، عبر حسابه بفيسبوك: “لما اعتقلوه آخر مرة قالوا له يا منير انته راجل كبير ومش وش بهدلة قال لهم ما هو أنا عشان راجل كبير يعني رجلي والقبر وقربت أقابل ربنا فمش عايز أقابله وأنا مطاطئ رأسي.. الله يرحمك يامنير علمتنا إزاي نموت وإحنا واقفين”.

وأعلن الصحفي المعارض وائل قنديل عبر حسابه: “لا تقل: موت محمد منير.. قل: جريمة العصر.. اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه.

وغرد الصحفي سليم عزوز: “وداعا يا أعز الأصدقاء.. وداعا يا أشجع الرجال.. وداعا يا أنبل من عرفت.. وداعا محمد منير”.

وقال الحقوقي المصري هيثم أبوخليل: “قتلوه الأوغاد .. أستر يا رب.. أنباء تتردد عن استشهاد الصحفي محمد منير .. شهيد القلم والكلمة”.

ودونت الإعلامية الفلسطينية فرح البرقاوي عبر حسابها بموقع “تويتر” قائلة: “رحم الله الصحفي المصري الشجاع محمد منير.. سجنوه حتى أوشك على الموت، وتوفي بعد أيام من إطلاق سراحه من سجون السيسي.. اللهم الطف بمصر وأحرار مصر”.

وتحل مصر ثانية في ترتيب الدول الأكثر حبسا للصحفيين، بأعداد تصل تقديراتها لدى منظمات حقوقية إلى 80 صحفيا. وطالب مجلس نقابة الصحفيين بإطلاق سراح المعتقلين خشية العدوى بكورونا وهو ما حدث بالفعل مع محمد منير.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق