أهم الأحداثرأي رئيسيراي رئيسيوطني

مرة أخرى.. أبعدوا ولاءاتكم وحساباتكم الايديولوجية عن مصلحة الشعب ولقمة عيشه

إنّ بعض النخب السياسية تصرّ على أن لا تبرح مرحلة المراهقة السياسية، وتعجز عن استيعاب أن “السياسة الخارجية لتونس لا تحددها الشعارات ولا الايديولوجيا، بل تحددها مصالح تونس.

مرة أخرى تغالب الايديولوجيا السياسة، مرة أخرى يتدخل الهوس الايديولوجي ليهدد مصالحنا الاقتصادية بل مصالحنا القومية، مرة أخر يتدخل العامل الايديولوجي والحسابات السياسية ليحدد سياساتنا الخارجية ويرسم علاقاتنا الدولية..

أربع اتفاقيات في إطار تطوير علاقاتنا الاقتصادية مع العمق الافريقي (الأولى متعلقة بنقل البضائع بين تونس وغينيا والتسهيلات الجمركية لإيجاد سبل أكثر مع سلاسة في التبادل التجاري والاقتصادي، الثانية والثالثة متعلقة بالنقل البحري مع جيبوتي والسودان، الرابعة متعلقة بالنقل الجوي بين تونس وقطر وهي شبيهة كليا مع عديد الاتفاقيات مع الإمارات وكل دول العالم، وقع مناقشتها في لجنة الفلاحة والأمن الغذائي والتجارة والخدمات ذات الصلة وتم القبول بها والتصويت على تمريرها للجلسة العامة من طرف كل أعضاء اللجنة، ثم في النقاش العام رفض تمرير هذه الاتفاقيات..

اتفاقية أخرى ذات أهمية قصوى متعلقة بإحداث السوق الافريقية الحرة، كذلك بعد النقاش العام لم يقع التصويت عليها رغم ما تكتسيه من فتح أفاق كبيرة جدا للاقتصاد التونسي الذي يشكو انكماشا وصعوبات في الترويج للسوق التقليدية.. واليوم أيضا تواجه اتفاقية فتح مكتب لصندوق قطر للتنمية بتونس صدا من طرف كتل في مجلس نواب الشعب ولم تمرر للجلسة العامة التي كان من المقرر أن تعرض فيها للنقاش..

وكالمعتاد الأطراف السياسية التي ظلت حبيسة حساباتها السياسية وولاءاتها الخارجية ولوثاتها الإيديولوجية حركت ماكينتها الإعلامية لشن حملات ممنهجة ممولة من بعض الأطراف الخارجية التي لديها أجندات خاصة وتدفع بتونس إلى أن تكون سجينة الاتفاقيات التقليدية القديمة وأساسا رهينة بعض الدول الأوروبية ورهينة بعض اللوبيات التي تخدم أجندات واضحة إقليميا ودوليا لتشويه الاتفاقية القطرية التونسية بل لتشويه دولة قطر، ولم تمهل نفسها حتى دراسة الاتفاقية قانونيا واقتصاديا وعلميا ووضع مصلحة تونس فوق كل الاعتبارات والولاءات والحسابات.
وفي وقت بلادنا فيه في أمس الحاجة إلى تواجد كل الصناديق السيادية الخليجية في تونس لدفع الاستثمار وتمويل الاقتصاد وتطوير التعاون العربي في هذا المجال، وفي وقت تونس محتاجة فيه للإكثار من جلب الصناديق الاستثمارية لأجل شبابنا العاطل والذي شارف على المليون، وبنيتنا التحتية المهترئة والجهات الداخلية التي تتطلع لمستشفيات متكاملة الاختصاصات ومشاريع تنتشل ابناءها من الفقر والخصاصة، بعد اختلال الموازنات وعجز الميزانية على تمويل أي مشروع تنموي خاصة بعد هذه الأزمة، في هذا الظرف ترفض الطبقة السياسية أن تتنازل عن كبرها لتقتنص كل الفرص المتاحة لتطوير التعاون الدولي والمساهمة في خلق النمو الاقتصادي الدامج بعيدا عن صراعاتها الوهمية..

دولة قطر التي سوقوا في إعلامهم أنها ستشتري تونس وتستعمرها بهذه الاتفاقية، ليست أمريكا وليست فرنسا وليست ألمانيا ولا تمتلك ترسانة عسكرية وليست قوة ديموغرافية، هي دولة صغيرة ككل الدول في العالم تبحث عن مصالحها بدرجة أولى ولكن هذه الدولة ومثلها تركيا والدول الافريقية ودول جنوب شرق آسيا والصين والهند تجمعنا بها مصالح كبيرة جدا من عديد النواحي (اليد العاملة التي انتقلت من حدود 4000 عامل سنة 2011 إلى حدود 30 ألف موظف وأصحاب مهن متميزة في قطر والآفاق مازالت مفتوحة، ودولة قطر كانت الدولة رقم واحد التي قدمت لتونس مساعدات حقيقية في شكل قروض ميسرة واستثمارات وتمويلات وهبات).

وتونس بحاجة اليوم إلى الانفتاح على دول وايجاد شراكات جديدة خارج الشراكات التقليدية مع الاتحاد الأوروبي، وتونس مطالبة بالذهاب نحو أمريكا اللاتينية ونحو آسيا ونحو الصين واليابان ونحو العمق الإفريقي والمغرب العربي أخذا بعين الاعتبار مصلحة تونس ومستقبل تونس وثروات تونس التي هي ملك للشعب التونسي وليست ملك للحكومات.

ما هو صندوق قطر للتنمية
صندوق قطر للتنمية هو تابع لهيئة تابعة لرئاسة مجلس وزراء دولة قطر بدأ سنة 2012 وفي تونس بدأ منذ 2013 عن طريق صندوق الصداقة القطري التونسي وكانت أهدافه تمكين الشباب التونسي من مشاريع رائدة، وقام الصندوق بتوقيع شراكة مع 7 مؤسسات في تونس (الصندوق لا يتعامل مباشرة مع المستفيدين) منها بنك تمويل المؤسسات الصغرى والبنك التونسي للتضامن ومنظمة كونكت وغيرها وقد قدم تمويلات بحوالي 100 مليون دولار مكنت من إحداث 50 ألف موطن شغل، كما مكن الصندوق من بناء 5 مدارس و 10 مراكز صحية وبناء قرية حرفية في توزر ومركز نموذجي لتحويل وتكييف المنتجات الفلاحية وقام عام 2018 بفتح خط تمويل جديد بقيمة 15 مليون دولار مع بنك الزيتونة ومؤسسات تمويلية أخرى لتقديم تمويلات لمشاريع المستثمرين، وقدم الصندوق تمويلاته لمؤسسات التمويل بنسب فائدة منخفضة في حدود 2.5 % وهي أرباحه الحقيقية.
وفي سنة 2018 خلال زيارة أمير قطر إلى تونس خلال مؤتمر الاستثمار أعلنت قطر عن استثمار 1250 مليون دولار، من بين هذا المبلغ 250 مليون دولار في صندوق الصداقة التونسي القطري، يعني الصندوق الذي فيه 250 مليون دولار سيكون فيه توجهان، توجه لدعم المشاريع الحكومية والتي لاحظناها من خلال مدينة عمر المختار في السيجومي حاليا حيث مول الصندوق بناء 810 مسكنا اجتماعيا على مساحة 10 عمارات وقدم قرضا لوزارة التجهيز لاستكمال بناء وتهيئة المدينة بقيمة 29 مليون دولار منها 17.4 مليون دولار قرض دون فائدة و11.6 مليون دولار هبة، ومن خلال بناء مستشفى الأطفال الذي يحوي أكثر من 400 سرير، هذا هو التوجه الحكومي المتمثل في إعطاء قروض وهبات لتونس في هذا الاتجاه وكل القروض التي قدمت للمشاريع الحكومية بدون فائدة.

التوجه الثاني للصندوق يتمثل في فتح خط تمويل إلى بنك الزيتونة، وبنك التضامن وبنك المؤسسات الصغرى والمتوسطة مجموعة من مؤسسات التمويل بأكثر من 15 مليون دولار لتقديم قروض لفائدة الشباب بين سن 18 و40 سنة حتى يتم التوصل إلى تمويل أكثر من 100 ألف شاب سنة 2021.

بالنسبة لتونس والمشاريع الحكومية فإنها ستكون بدون فوائد وعلى العكس ستكون هناك بعض الهبات..
وبالرغم من أنّ جل مؤسسات التمويل والتعاون الدولي المنتصبة في تونس أمضت اتفاقيات مماثلة شكلا ومضمونا وتحصلت على نفس الامتيازات المتعلقة بطرق التسيير والانتداب وتحويل المرابيح ومن هذه المؤسسات الفاعلة، منها وكالة التعاون الامريكية USAID كذلك الوكالة الألمانية GIZ ، كما تحصلت جل الشركات الخليجية كسماء دبي وكذلك مشروع بو خاطر على نفس الامتيازات المذكورة في نص الاتفاقية، فما بالك بقطر المستثمر الأول في تونس بعد الثورة والدولة الوحيدة في الخليج التي لن تطالها تداعيات أزمة النفط اليوم لكونها تنتج الغاز بالأساس.. وهي التي قد تنفرد بصدارة الاستثمار لا في الشرق الأوسط بل وفي العالم.

بالرغم من كل ذلك، فإنّ بعض النخب السياسية تصرّ على أن لا تبرح مرحلة المراهقة السياسية، وتعجز عن استيعاب أن “السياسة الخارجية لتونس لا تحددها الشعارات ولا الايديولوجيا، بل تحددها مصالح تونس ضمن أهداف أساسية هي تلبية انتظارات الشباب التونسي والباحثين عن فرص العمل من حاملي الشهائد العليا، وتنمية المناطق الداخلية وتأمين الحصانة لتونس.. إن هذه الفئة بعبثها بالعلاقات الخارجية وبالأعراف الديبلوماسية، تشوه هذا الشريك الدولي وتدين ذاك وتسعى لفبركة أزمة مع آخر، إنما هي تعبث بمصير بلد وبأمنه القومي وبمصالحه العليا، بل هي تتلاعب بمصير شعب ولقمة عيشه المهددة في ظل الظرف الاقتصادي الصعب الذي نعيشه..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق