راي رئيسي

مرة أخرى: جبر الضرر..
أي ثقافة هي التي لا تؤمن بالإنسان؟

حين تتَسَمّم الثقافةُ بالحقد لن تكون أداة لصناعة الحياة وإنتاج المعنى وتهذيب الذائقة وأنْسَنَة البشر…وحين يتكلّم “فنّانون” بلغة متعالية حاقدة تصفوية لا يمكن تصديقهم في ما يدّعونه لأنفسهم من إبداع وفن وثقافة وقد علمنا أن جوهر الثقافة هو في الارتقاء بالكائن البشري من حالة التوحش والعنف والبداوة إلى التمدن والتعايش وحسن التواصل وقد علمنا أيضا بأن الثقافي هو ما بعد الطبيعي وما بعد الغرائزي وما بعد الحيواني.

الثقافة كساء الحضارة وغيث الحياة والمبدع هو كسحابة مُثقلة لا تميز بين جهة وأخرى ولا بين قوم وآخرين حين ترسل ماءها تسقي التراب والمَدَرَ وتغسل الصخور وأوراق الشجر لا تفرق بين شجر الزيتون وحتى شجر الزقوم.

ماذا لو امتنع الأطباء المؤدلجون عن معالجة مخالفيهم تشفيا ونكاية وحبْسا لعلمهم إلا على رفاقهم وأنصارهم؟ أو ماذا لو امتنع صُناع الأدوية عن إعطاء أدويتهم لمرضى يخالفونهم العقيدة السياسية والدينية وجعلوها مخصصة أيضا لرفاقهم ممن يحسبونهم شركاءهم في الكفاح؟ هكذا ـ للأسف ـ يتصرف حاقدو اليسار اليميني الإستئصالي ـ وما هم بيسار ـ أدعياء الثورية والتقدمية ونعرف أنهم كانوا الأظافر الوسخة للاستبداد وكانوا خزانات الحقد التي يستمد منها النظام السابق وقود حربه على خصم سياسي… هم يعرفون أنهم كانوا ينعمون بالفضاءات العامة ومؤسسات الدولة ويغرفون من خزائنها ويٌقيمون في مؤسساتها حين كان الإسلاميون محاصَرين مشردين وممنوعين لا من حرية التعبير فقط بل ومن الجلوس في المقاهي ومخالطة الناس بل وكانت بناتهم وأبناؤهم النجباء محرومين من جوائز يوم العلم ومحرومين من إقامة صداقات آمنة مع زملائهم في المؤسسات التربوية لأن كثيرا من الأولياء كانوا يُوصون أولادهم وبناتهم بتجنب ربط صداقات ببنات وأبناء من صنفهم الاستبدادُ  خصوما.

لستُ بصدد استحضار عذابات الإسلاميين أو استثمارها في محطة انتخابية ولا بصدد الوقوف على آثار ماض قريب حزين وكئيب وإنما أنا مضطر لتقديم إجابة بوجه ادعاءات من يهاجمون الإسلاميين باستمرار يشككون في علاقتهم بالوطن وبالشعب وبالإبداع والجماليات وثقافة الحياة بل ويتساءلون عن مدى انتمائهم للتونسيين ـ وهذا قمة الحقد والجهالة والوباء الإيديولوجي ـ

مرة أخرى يثار موضوع “جبر الضرر ورد الاعتبار” تحت عنوان مشوه وهو “التعويضات”، “التعويض” مفردة تفيد المبادلة والمقايضة وهي مستدعاة من عالم التجارة، وهي مسيئة لمفهوم النضال والتضحية والعطاء والإيثار، وهي مفردة مهينة للكرامة الإنسانية حين يظن مستعملوها أن من تعرضوا وتعرضن للترهيب والإهانة والاغتصاب وهدر العمر ونزع الروح، يمكن أن تُعَوّض لهم أموال الدنيا ما استنزف منهم من أقدس ما في الانسان، أما مفردة “جبر ضرر” فهي تعبير عن فعل ذي روح إنسانية يهدف إلى ترميم الذوات الموجوعة بفعل المظالم والاعتداءات، “جبر الضرر” هو منهج حقوقي مدني يُراد منه تجاوز مخلفات “الحروب” والمعارك حيث تحصل جرائم ومظالم.

“جبر الضرر” هي وصفة إنسانية معمول بها في أكثر من تجربة انتقال ديمقراطي في العالم تهدف إلى نزع صاعق الأحقاد والثارات ونوازع الثأر والانتقام.

ولمن يجهل حقيقة ما يعرف بـ “صندوق الكرامة” فهو صندوق تم بعثه بمقتضى أمر حكومي عدد 211 مؤرخ في 28 فيفري 2018 أي زمن حكومة الشاهد ورئاسة الباجي قائد السبسي رحمه الله وهو صندوق لرد الاعتبار لضحايا الاستبداد وهم من مختلف التيارات السياسية زمني بورقيبة وبن علي، فالصندوق ليس من ابتداع النهضة ولا يختص به أبناء النهضة، وقد حدد الفصل 2  من الأمر الحكومي موارد هذا الصندوق وهي:

ـ نسبة من الأموال الراجعة إلى ميزانية الدولة والمتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة المحدثة بمقتضى الفصل 45 من القانون الأساسي عدد 53 لسنة 2013 المؤرخ في 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها، وتضبط هذه النسبة بقرار من رئيس الحكومة.

ـ الهبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة التي يمكن رصدها لفائدة الصندوق طبقا للتشاريع الجاري بها العمل.

وجاء في الفصل 3:

“ترصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 ملايين دينار”

أيها الأدعياء لستم ثوريين ولا إنسانيين ولا وطنيين كما يجب ولا مبدعين ولا فنانين أنتم بحاجة إلى علاج ذهني ونفسي أنتم مصابون بداء “الضغينة” تؤزكم أفعالكم السيئة أزًّا تعرفون مدى إجرامكم ووشاياتكم ـ كما نعلمها ـ ضد شركاء الوطن والانتماء تعلمون تحالفاتكم القذرة مع الجلادين وتخشون أن يكون ضحاياكم يُضمرون لكم انتقاما حين يستقر لهم الأمر ولا تصدقونهم حين يحدثونكم عن “التوافق” وعن “دفن وصايا الثأر” لأنكم بضيق صدوركم لا تصدقون أن يقدر من تعرض لمثل جرائمكم على أن يكون متسامحا ولا تتوقعون أن يتجاوز ضحاياكم عن مؤامراتكم .

أنتم مسكونون بالأحقاد المُعتّقة ولن يكون شفاؤكم إلا بصدمة قريبة تُذلكم وستَعْوُون بعدها كما قطط الأزقة … ولكننا نظل نشفق عليكم ونناديكم إننا شركاء الوطن تعالوا نتعاون لنجعل الحياة ممكنة … وسنجعلها ممكنة بحول الله وبوعي شعبنا الذي لم يعد يصدق الزائفين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق