الافتتاحية

مساحات الالتقاء ونقاط الاختلاف..
هل يلتقي الغنوشي وسعيّد لمصلحة الوطن؟

لا شك أن ما نشاهده اليوم في بلادنا من تطوّرات بدأت يوم 25 جويلية ولم تنته إلى حدّ الآن، ناتج عن صراع مشاريع سياسية مختلفة حتى وأن ادّعى بعضها كفرا بالسياسة..

مشروع جاءت به الثورة يقوم على الحرية والديمقراطية ومع هذا المشروع اتت أحزاب وشخصيات سياسية ومشهد سياسي لا يزال ماثلا أمامنا رغم كل محاولات التجريف. ومشروع يمثل الثورة المضادة وهذا المشروع تجسيد لمشهد آفل، عمل ولا يزال على العودة إلى الساحة السياسية بأحزاب وشخصيات هي من أسوأ ما أنتجت المنظومة القديمة.. ومشروع آخر أفرزته نتائج انتخابات 2019 وكان وجوده نتاجا للأزمة التي تخبط فيها المشروعان الأولان..

وهذا المشروع يطرح رؤية جديدة تقوم على ما يشبه (اليوتوبيا) التي حكمت بعض دول الجوار لمدة 30 سنة وانتهت بها إلى الخراب الذي نراه حاليا.. ويطرح هذا المشروع نسف الموجود السياسي برمته أحزابا ومؤسسات ودستورا وقوانين واستبدالها بنظام مجالسي قاعدته الرئيسية التنسيقيات أو ما كان يسمى في الشقيقة ليبيا باللجان الشعبية .. ولحظة 25 جويلية كانت اللحظة التي قفز فيها هذا المشروع إلى الواجهة وأعلن بشكل واضح لا لبس فيه عن نواياه الحقيقية وخطوطه العريضة..

استراتيجيا وفي استقراء للمشهد على مستوى الاقليمي والدولي ورغم ما قد يبدو من تراجع لوهج الربيع العربي ووهج الديمقراطية، إلا أني مطمئن إلى أن هذه العشرية ستكون عشرية التتويج للتحوّلات الكبرى التي بدأت مساراتها منذ 2011 في بلادنا.. ومتأكد من أن الديمقراطية ستكون قدر هذه المنطقة..

وتونس لن تكون استثناء، وهي التي كانت المبدأ والمنطلق، والسؤال هو عن الكلفة.. صحيح أننا ومنذ 2011 جنبنا بلادنا ويلات الحريق الذي ضرب أغلب بلدان الربيع العربي، وصحيح أن الاستثناء التونسي تمثل في تلك العبقرية السياسية التي جعلت الخطان المتوازيان يلتقيان، ونجحنا في تجنب حرب أهليّة كانت شبه مؤكدة.. ولكن وللأسف فإن المأزق الذي دخلته بلادنا منذ 25 جويلية يثير غيوما كثيفة من الخوف والشك في استمرار هذا الاستثناء التونسي ..

خطورة النفق الذي دخلته بلادنا بعد 25 جويلية ليس في نسف المنجز السياسي أو الدستوري، فقط، بل في النكوص عن فكرة هامة ترسخت في بلادنا بعد 2014 وهي أن تونس لا تحكم إلا بالتوافق وبالتعايش بين كل أبنائها وفئاتهم وشرائحهم.

خطورة لحظة 25 جويلية أنها وضعت بلادنا في مفترق حاسم وخطير إما القبول بالتعايش والعودة إلى روح لقاء باريس أو الاقصاء والاجتثاث كما تدعو وتحرض وتدفع إلى ذلك بعض النخب التونسية للأسف ..

وقد يبدو الحديث عن ممكن الالتقاء وسط هذه الفوضى من التصريحات المتشنجة والموتورة، ضربا من العبث أو الخبال، ولكن لما يكون الحوار والالتقاء هو الحل الوحيد الممكن لتجنب الأسوأ لا يبق لنا من خيار غير التمسك به.

ولكن ما هي ممكنات الالتقاء.. خاصة بين رأسي السلطة التنفيذية والتشريعية رئيس الجمهورية الأستاذ قيس سعيّد ورئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي؟

بالنسبة للرئيس قيس سعيّد وحسب الكثير من تصريحاته فهو لا يريد أن يكون ديكتاتورا ولا يريد أن ينهي حياته التي قضاها في تدريس القانون بهذه الصفة.. ولا يريد أن يسجل اسمه في تاريخ تونس على أنه مستبد .. وهو إلى الآن لا زال يواجه الضغوط المسلطة عليه من قبل بعض القوى (داخلية وخارجية) لدفعه إلى الأسوأ وتوريطه في سياسة قمعية استئصالية قد تدخل البلاد في حرب أهلية لا قدر الله..

وبالنسبة لرئيس البرلمان فالرجل أصبح عنوانا للواقعية السياسية كما تجسدها الموجة الجديدة لحركات الإسلام السياسي، من تركيا إلى تونس (الواقعية الأسلامية الجديدة) وقد نجح في تكريس تلك الصورة بعد لقائه الشهير مع من كان ألد خصومه وهو المرحوم الباجي قائد السبسي وأسس معه لمرحلة توافقية استمرت نحو أربع سنوات..

هذا من حيث الطبيعة الشخصية للرجلين .. أما من حيث الأرضية الفكرية والعقدية فهما يقفان على نفس الأرضية وما يجمعها أكبر بكثير مما يفرقهما.. فالعروبة والإسلام قاسم مشترك بينهما ولا توجد عداوة ايديولوجية قد تكون عائقا كبيرا للالتقاء والحوار.. إضافة إلى أن الرجلين يشددان على تمسكهما بالشرعية الثورية التي افرزتها نتائج انتخابات 2019.. وبالتالي فهما يشتركان أيضا في الانتماء إلى منظومة الثورة..

إذا أخطر ما يمكن أن يفرق الرجلين وهو العداء الايدلوجي أو وقوفهما على أرضيتين مختلفتين من الثورة، غير موجود، وما تبقى هو خلاف سياسي، وفي السياسة عكس الأيديولوجيا فإن الأصل في الأشياء هو البحث عن المشتركات ومساحات الالتقاء لا التركيز على بعض نقاط الاختلاف.

رجل السياسة يبحث عن الممكن السياسي الذي بموجبه يمكن تحقيق المصلحة العامة وهو محكوم بضرورة البحث عن هذا الممكن عكس رجل الدين أو العقيدة أو الطائفة الذي يبحث عن الاختلافات لنسف فكرة الآخر ويدفع نحو المستحيل ليقول أن عقيدتي هي الصحيحة وهو غير محكوم بتحقيق المصحلة العامة بقدر تحقيق مصحلة الطائفة.

الذي يجعل الالتقاء صعبا نوعا ما هو ممارسة رجل السياسية للسياسة بعقيدة رجل الدين، بمنطق الخير المطلق ضد الشر المطلق، وبعقيدة المسيح المخلص أو المهدي المنتظر..

فالحياة، والسياسة جزء منها، ليست خيرا مطلقا ولا شرا مطلقا، وهذه الاطلاقية في إصدار الأحكام مناطها الشرائع والأديان وليست السياسة.. أما السياسة فهي فن الممكن، وفن إدارة الاختلاف، والبحث عما يجمع لا ما يفرق..

وبناء عليه فما الذي يمنع اليوم عناصر المشهد السياسي من أن تلتقي، بأي شكل كان، ثنائيا أو جماعيا، في إطار حوار أو لقاءات، أو حتى لجان للبحث عن مخارج للمأزق الذي دختله بلادنا، خاصة وأن لا خيار لها غير الالتقاء لأن البديل سيكون لا قدر الله كارثة، ولن يستطيع أحد تحمل نتائجه وتبعاته؟

وفي بلادنا جربت محاولات الاقصاء والتهميش وحتى الاستئصال والاجتثاث وكلها فشلت ونفس الشيء وقع في بلاد عربية كثيرة.. فلماذا نصرّ على تجريب المجرب وتكرار نفس الأخطاء لنعود في الأخير لنقطة الصفر أو نقطة البداية وهي أن لا مجال للإقصاء والتهميش وأن قدرنا أن نتعايش معا وهذا أسلم للجميع؟

.. هناك من يبحث عن فرص للتصادم ويحاول التقاط ما يدفع إلى ذلك، وأنا أبحث هنا عن ممكنات الالتقاء والتقط ما قد يفيد هذا التمشي…. يقيني أن هذا ممكن عكس ما قد يتبادر للبعض.. فالخطان المتوازيان التقيا سابقا ويمكن أن يلتقيا مجددا، بل إن التقاءهما حتمي ولا خيار لنا غير ذلك.. لأن البديل كارثة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق