راي رئيسي

مسارات الخروج من الأزمة بين تلازم مسار التغيير بمسارات الإرساء والتعديل

شهدت الأيام القليلة الماضية تحرّكات ديبلوماسية للرؤساء الثلاثة في اتجاه بعض الدول الصديقة والشقيقة بغاية البحث عن فرص حقيقية لفك الخناق عن الأوضاع الاقتصادية والمالية الصعبة للغاية التي تمر بها البلاد، والتي أثمرت تعاقدات ومنح وقروض وضمانات مكنت بلادنا من جرعة منعشة من الأكسيجين، حتى يأتي ما يخالف ذلك.

وبقدر ما ترافقت هذه الزيارات بشحنة من التفاؤل حول إمكانية حلحلة الأوضاع الداخلية، فإن حالة الانغلاق والسلبية والرغبة في مزيد تعطيل شأن البلاد ما تزال هي الطاغية خاصة من قبل رئيس الجمهورية الذي يبدو سعيدا بإخفاء حاملة مفاتيح الحوار والبحث عن الحلول في غيابات جب عميق بقصره. أما النخبة فهي كما عهدناها دوما منقسمة حسب موقعها من دوائر القرار، ففي حين بارك جزء منها زيارات المشيشي إلى كل من ليبيا وقطر مرفوقا بوفود وزارية ورجال أعمال وصحفيين ومنظمات، فإن الجزء الآخر قد انخرط في حملة تحذير من بيع البلاد ورهنها للأشقاء الليبيين والقطريين.

ولعل رئيس الحكومة، وإن نجح في إضفاء شيء من الجدوى والفاعلية وإعطاء صورة على قدراته في الحوار مع الدول الصديقة وإقناعها وبدعم تونس، فإنه حين انتهى من زياراته تلك أقدم على زيادات في تعريفة الماء والسكّر والنقل سبقتها زيادات في الحليب والمحروقات ليفتح على حكومته سيلا من الانتقادات والاحتجاجات.

من ذلك ما ورد بتدوينة رئيس لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام بالبرلمان بدر الدين القمودي الذي أكد أنّ اللجنة قرّرت رفع قضية ضدّ رئيس الحكومة هشام المشيشي ووزير التجارة أمام المحكمة الإدارية بغرض إبطال قرار الزيادة لخرقه نص قانون واضح ولتجاوزه سقف التفويض الممنوح مذكرا أنّ مجلس نواب الشعب كان قد منح الحكومة تفويضا بموجب القانون عدد 46 لسنة 2020 المؤرخ في 23 ديسمبر 2020 والمتعلق بقانون المالية لسنة 2021 وتحديدا ضمن الفصل 23 لإحداث معلوم يوظف على مادة السكر ويحتسب على أساس 100 مليم عن كل كيلوغرام.

كما عبر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان له عن رفضه لما وصفهُ بتدمير المقدرة الشرائية للمواطنين من خلال سلسلة من الزيادات في الأسعار معتبرا أن هذه الزيادات تندرج ضمن خطة لتنفيذ برامج صندوق النقد الدولي ومحملا الحكومة ما يمكن أن يترتب عن سياساتها التي تغرق البلاد في مزيد من التداين مقابل صمتها على تنامي التهريب والاحتكار وتستّرها على التجارة الموازية. وفي السياق ذاته قال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي أن اتحاد الشغل تفاجأ بالزيادات الأخيرة التي لم تكن منتظرة وأرهقت المواطن والعاملين بالفكر والساعد والمفقرين والمهمشين وأن الاتحاد سيقرر التحركات والخطوات المزمع تنفيذها في اجتماع المكتب.

في ظل ذلك انتعشت سوق المزايدة والشعبوية ورفع السقف من هذا الطرف أو ذاك، فقد اعتبر رئيس حركة تونس إلى الأمام عبيد البريكي أنّ الحكومة قد تجرأت باتّفاق مع حزامها السياسي على الانطلاق الفعلي في رفع الدّعم كدفعة أولى في الاستجابة لإملاءات صندوق النّقد الدولي لأنها تراهن على استمرار القوى التقدمية اليسارية في تشتّتها وانصرافها إلى معارك هامشية فيما بينها مع أنها تمتلك الحلول النظرية لتجاوز الأزمة الخانقة التي تعيشها البلاد ن ومضيفا أن الحكومة أضحت بلا حزام شعبي وبلا مخطط تنموي، وأنّها أدّت بسياساتها إلى إضعاف الدولة وهيّأت الظروف الكاملة لمحاولات إحياء منظومة ما قبل 2011 واختارت في ظل ارتهانها لليمين بشقيه أخطر املاءات صندوق النقد الدولي لإنقاذ المنظومة.

أمّا التيّار الشعبي فقد أصدر بيانا يدعو فيه ما سمّاه القوى الوطنية من أحزاب ومنظمات ونخب وطنية إلى “تعبئة الشعب على هدف سياسي واضح ومحدد هو إنهاء منظومة الحكم الحالية من خلال الخروج الشعبي العارم وفرض حكومة وطنية انتقالية تنفذ خطة اقتصادية واجتماعية قصيرة الأمد لإنقاذ البلاد من الإفلاس والوصاية” ومبينا أن “خيار ترك الأوضاع لمزيد التعفن لا يختلف عن محاولات المنظومة ورعاتها في الخارج من إعادة إنتاج نفسها تحت مسميات الحوار والتوافق” معتبرا أن كلا الخيارين يعد تواصلا للأزمة وتهديدا شاملا لاستقرار البلاد ووحدتها وأمنها القومي، ما يحتم دعوة الشعب إلى سرعة التحرك لوضع حد لمسار الانهيار والمنظومة القائمة عليه، ومضيفا ان الزيادات الأخيرة في الأسعار ليست إلا مقدمة “للسقوط الحر للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لتفقد منظومة الحكم قريبا السيطرة بالكامل على الأوضاع نتيجة انهيار الدينار وارتفاع مستويات التضخم مما سيتسبب في تجويع السواد الأعظم من الشعب”. في وقت بدأ فيه الحديث عن إحداث” وكالة للتصرف في ديون تونس “بدعم من الحكومة الفرنسية على غرار الكومسيون المالي لسنة 1869 والذي كان مقدمة الاستعمار الفرنسي المباشر لبلادنا “.

وفي المقابل أكدت حركة النهضة في بيان لها بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيسها دعوتها مجدّدا إلى الترفّق بالتجربة الديمقراطية التونسية الوليدة، والتضامن بين مراكز الحكم في قرطاج وباردو والقصبة، والتعالي عن المناكفات السياسية الحادّة والمزايدات والجلوس الى طاولة الحوار الوطني دون إقصاء، لدعم الشراكة السياسية في إدارة الشأن الوطني والتوافق حول الحلول المناسبة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تتعمق مع مرور الوقت، والتزام جميع الأطراف بدعمها وتوفير شروط نجاحها معتبرة أن الاستقرار السياسي من أوكد شروط تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود لأنه وحده الذي يمنح الحكومة القدرة على انفاذ الإصلاحات واستعادة الدورة العادية لإنتاج الثروة وتحقيق التنمية وداعية الى إحكام تنزيل الإصلاحات الاقتصادية المتأكدة، وإرفاقها بالإجراءات الحمائية الضرورية، حتى تحقق أهدافها في إيقاف هدر المال العمومي ومقدرات الدولة، دون أن تضرّ بمصالح المواطنين من الضعفاء خاصة.

وفي سياق متصل بدعوات إقالة أو إسقاط حكومة المشيشي قالت القيادية بحركة تحيا تونس سنية بالشيخ انه يجب على جميع الأطراف التنازل للوصول لأرضية حوار وأنه ليس من مصلحة البلاد تغيير الحكومة في هذا الوقت بالذات، أما رئيس كتلة الإصلاح حسونة الناصفي فقد اعتبر أن الوضع الحالي للبلاد يحتاج لخطاب عقلاني وموضوعي وأن الكتلة تدعم الحكومة فيما تراه صالحا للبلاد، أما النائب نسرين العماري فهي تعتبر أن بقاء الحكومة الحالية في ظل الأزمة السياسية و الاقتصادية التي تمر بها البلاد ضروري وأن الاستقرار الحكومي مطلوب.

إن الحديث عن تغيير الحكومة الحالية ليس بالبدعة ولا بالمحظور في سياق حياة سياسية تحترم قواعد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة، كما أنّه ليس خطا أحمر، ولكنه بالمقابل لا يجب أن يكون في سياق عبثي تحكمه الأهواء والرغبات الشخصية والمصالح الحزبية، فمصلحة البلاد فوق كل اعتبار وإذا اقتضى الأمر تغييرا أو تعديلا، فيجب أن يكون مدروسا وموجها وضامنا لجدوى وفاعلية تستفيد منها البلاد وتتحسن أوضاعها، كما أن آليات التغيير وهوية الجهة أو الطرف الذي سيختار رئيس الحكومة وطبيعتها وبرنامجها يجب أن تكون واضحة منذ اول وهلة، ولعله يكون من الأفضل والأصلح والأيسر تحييد رئيس الدولة عن هذه المهمة باعتبار فشله الذريع فيها في أكثر من مناسبة أوكلت إليه.

وبقدر ما يتزايد الحديث عن مستقبل حكومة المشيشي التي ولدت في قماطة من الجدل، تتأكد الحاجة إلى حوار وطني حقيقي بين جميع الطراف الفاعلة من أجل الخروج بتوافقات حقيقية تمكن البلاد من الخروج من مربع الأزمة متعددة الأوجه التي تعيشها منذ سنوات، وفق مسار يتلازم فيه تحديد خطة الإنقاذ وهوية الحكومة ورئيسها وإرساء المحكمة الدستورية وتعديل القانون الانتخابي والنظر في إمكانية تعديل النظام السياسي. وفي غير هذه الصورة وتلك الشروط، فلا مجال للقفز نحو المجهول، وبيع جلد الدب قبل اصطياده، لأن إدارة الشأن العام لا يمكن أن تستند إلى عملية تهديم دون توفير مثال هندسي وعدد من البنائين المقتدرين ومواد للبناء والتشييد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق