راي رئيسي

مسلسل التحوير الوزاري .. الكوميديا السوداء

(1)

يتابع الشارع التونسي الأزمة السياسية العميقة غير المسبوقة التي تعيشها البلاد في علاقة بملف التحوير الوزاري بتفاصيلها وتأثيرها على الوضع العام بمشاعر تتراوح بين الحيرة والاستغراب والتساؤل واللامبالاة حينا، وبشيء من الفكاهة والتندر وخفة الظل التي يتميز بها التونسي حتى في أحلك أيامه حينا آخر.

وإذا كانت بلادنا قد تميزت في فترات سابقة بقدرتها على تجاوز محنها وخلافاتها بالجلوس على طاولة المفاوضات كما حدث في صائفة 2013 مع الحوار الوطني أو خلال الأزمة السياسية التي عاشتها في عهد الرئيس الباجي رحمه الله والتي نتجت عنها وثيقة قرطاج، فإنها في هذه المرة تعيش أزمة دون أفق، ودون شخصيات أو أطراف تستطيع أن تلعب دور الوسيط النزيه الموثوق الذي يحتكم إليه أطراف الخلاف.

فالاتحاد العام التونسي للشغل الذي قاد الحوار الوطني لم يعد مؤهلا للقيام بذاك الدور باعتباره طرفا أساسيا في الأزمة، فهو بالإضافة إلى كونه يقف وراء تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد بالعدد المهول من الإضرابات التي بادر بها وآخرها إضرابات إداريي وقيمي المعاهد الثانوية والمدارس الإعدادية التي دامت أكثر من ثمانين يوما، وبتعطيل المرفق العام، وإغلاق عشرات المؤسسات الاقتصادية، وتفليس شركة فسفاط قفصة التي كانت تدر على المجموعة الوطنية موارد هامة . بالإضافة إلى ذلك، بات الاتحاد حاضنة ورافدا أساسيا وحزبا سياسيا ومستشارا ومدافعا شرسا عن خيارات الرئيس قيس سعيد بطل مسلسل التحوير الوزاري.

أما اتحاد الصناعة والتجارة فلا هم لديه سوى البحث عن تعويضات لخسائر منتسبيه جراء أزمة الكورونا، ولا إنجازات له سوى ترفيع الأسعار ما استطاع إلى ذلك سبيلا وتظل قراراته ومواقفه خلال السنوات الخيرة في تبعية للمنظمة الشغيلة.

أما الهيئة الوطنية للمحامين التي نظمت خلال الأيام الأخيرة ندوة صحفية بالتعاون مع جمعية المحامين الشبان وما يسمى بهيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، لتكون شاهد زور على فصل هزلي آخر من المسلسل المكسيكي العبثي الذي تسحبه الجبهة الشعبية من أدراجها كل عام تبتغي من خلاله تأكيد حضورها بالدجل والسفسطة والتضليل وإشاعة الأكاذيب رغم أنها عمليا في عداد الاموات الذين صفعتهم الانتخابات الأخيرة وأخرجتهم مذمومين مدحورين من الساحة السياسية بسبب فشل خطابهم الجنائزي الذي يستثمر في الجثث الدماء الذي مجه الناخبون ولفظوه كعلكة فقدت حلاوتها، وكذلك بسبب معاركهم وفضائحهم الداخلية بين الأوطاد وحزب العمال التي جعلت بيتهم أوهن من بيت العنكبوت.

هيئة المحامين بحضورها الديكوري الباهت ذاك، أساءت إلى نفسها ووضعت نفسها موضعا لا يتمناه لها أحباؤها ومن يشهدون بدورها التاريخي في الثورة وفي الدفاع عن المساجين السياسيين زمن الدكتاتورية وأخرجت نفسها من دائرة الأطراف التي يمكن أن يحتكم التونسيون لها ويرتضون تحكيمها حين تشتد خلافاتهم السياسية.

أما عن الرابطة التونسية لحقوق الإنسان التي باتت رهينة في بيت طاعة الأحزاب اليسارية المتطرفة، وباتت مواقفها مؤدلجة أكثر من أي وقت مضى ملونة بالأحمر القاني، وموقعها تبعا لذلك قريب من موقف الرئيس قيس سعيد، الذي تتناغم معه تناغما تاما كل الأحزاب والأطراف والمنظمات التي تتبنى مواقف إيديولوجية معادية للحزام السياسي لرئيس الحومة هشام المشيشي.

أما ما يسمى بالشخصيات الوطنية فإن حضورها يتراوح بين الضعيف وبين المستفز المستهجن على غرار السياسي المخضرم احمد نجيب الشابي الذي بات مرادفا للرداءة والسفسطة و”طز حكمة” وهو يرى أن الوضع حرج وأن المنظومة السياسية لم تعد صالحة واصفا السُلط بأنها معطلة، ومعتبرا أن البرلمان معطل ومنشغل بصراعات فئوية لا نهاية لها، وان حكومة غير مستقرة ومنشغلة بالتموقع وأن رئيس الدولة المزمجر يبحث عن توسيع نفوذه وصلاحياته ومحذرا أن يفوت الماسكون بزمام الامور، من رئيس وبرلمان وحكومة، فرصة الحفاظ على الشرعية مؤكدا أن هناك فرضيتان في الأفق اولاهما الفوضى وثانيتهما حراك شعبي يدعو انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

(2)

في غضون ذلك، قرر رئيس الحكومة هشام مشيشي في انتظار استكمال إجراءات التحوير الوزاري الذي نال بمقتضاه الوزراء الجدد ثقة مجلس نواب الشعب بتاريخ 26 جانفي 2021، إعفاء كل وزراء القصر الذين شملهم التحوير من مهامهم وتكليف وزراء في حكومته بالإشراف على الوزرات التي شمل وزراءها الإعفاء وقد أكد المشيشي في البلاغ المنشور على صفحة رئاسة الحكومة على أنّها تبقى منفتحة على كلّ الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التحوير الوزاري ليتمكّن الوزراء من مباشرة مهامهم، في إطار الدستور.

وقد تواترت على امتداد اليومين الأخيرين ردود أفعال الأطراف السياسية والكتل البرلمانية حول هذا التحوير فقد اعتبر حزب قلب تونس من خلال تصريح نائبه أسامة الخليفي أنه صوت لهذه الحكومة ومنحها ثقته، وبالتالي فهو يدعم رئيسها في ما يختاره، وأن التحوير الذي قام به يتجه نحو المسار الصحيح مبررا لتجنب تعطل مصالح الناس ومضيفا: “نحن مع الحوار المفتوح بين جميع الأطراف ونريد أن يكون الرئيس لكل التونسيين ويوحدهم ويبحث عن حل لمشاكلهم وسنكون معهم” وأن “المشيشي رجل له كفاءة ولو وجد أرضية ملائمة فسيتمكن من النجاح”، وفق تصريحه.

أمّا رئيس كتلة الإصلاح حسونة الناصفي فاعتبر ان الأزمة الحالية بين رئاستي الحكومة والجمهورية سببها الرئيس قيس سعيد الذي عطل الحكومة بتهم جزافية دون دليل فضلا عن أنه لم يتجاوب مع رئيس الحكومة في تحديد الوزراء المعنيين بالاعتراض ومضيفا أن رئيس الحكومة لا يلام على تحركه وتغيير وزراء بآخرين بالنيابة لاستكمال العمل الحكومي وتجاوز أزمة اليمين الدستورية خاصة وأن صلاحيات رئيس الدولة في دستور 2014 محدودة جداً مقارنة بصلاحيات رئيس الحكومة.

كما أكد الناصفي أن رئيس الجمهورية تسبب في أزمة بخروجه عن المسار الدستوري لصلاحيته وبالتالي وجب العودة إلى طبيعة الدستور التونسي التي تجعل رئيس الحكومة هو المسؤول الوحيد أمام البرلمان في النظام السياسي الحالي وأن دعوات استقالة المشيشي وحكومته لن تغير في الأمر شيئاً بل ستزيد في تأزيم الموقف وتنهك البلاد

أما نبيل حجي النائب عن التيار الديمقراطي فاعتبر أن مسألة إعفاء خمسة وزراء تدخل في إطار غياب العقل ووصول الصراع السياسي لدرجة العبث وأنه من غير المقبول إفراغ وزارة وتعيين وزير بالنيابة والوصول لمرحلة العبث نكاية في هذا أو ذاك والتضحية بحسن سير دواليب الدولة، مضيفا أن إعفاء الوزراء جاء بدفع من الحزام السياسي للحكومة وأن الأزمة تتعمق في ظل غياب العقل وأن قرار التحوير يمثل تحديا للطرف المقابل: الرئيس قيس سعيد.

رئيس الكتلة الوطنية حاتم المليكي اعتبر أنّ قرار رئيس الحكومة لن يغير أي شيئا في الواقع السياسي من الأزمة وأنه كان يفضل أن يكون للحزام الحكومي من الشجاعة ما يكفي من سحب الثقة وإعادة تكليف هشام المشيشي و منحه الثقة مضيفا أنه لا يوجد صراع بين قيس سعيّد وهشام المشيشي بل هناك صراع بينه وبين رئيس مجلس النواب راشد الغنوشي ومقترحا العودة إلى مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل لإيقاف هذا العبث السياسي حسب قوله .

في حين اعتبر أستاذ التاريخ المعاصر والمحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي أن إقالة المشيشي لخمسة وزراء خطوة إيجابية تحسب له لتبريد الأزمة ورفع الحرج السياسي عن نفسه وعن الوزراء محل الجدل في انتظار بت القضاء في ملفاتهم وإيجاد سبل أخرى لمعالجة الانسداد الحاصل، وهو ما يعد تنازلا مؤقتا منه واستجابة لطلب رئيس الجمهورية، كما يعد حلا عقلانيا وطنيا يضمن عدم تواصل الفراغ.

بالمقابل، فإن الرئيس قيس سعيد، أفاق من غفوته مساء أمس، لا ليعلق على التحوير الذي أقدم عليه رئيس الحكومة هشام المشيشي بل ليرد على مراسلته منذ أيام حول هوية الوزراء الذين تتعلق بهم شبهات فساد مؤكدا على أن اليمين لا تقاس بمقاييس الإجراءات الشكلية أو الجوهرية، بل بالالتزام بما ورد في نص القسم وبالآثار التي ستُرتب عليه لا في الحياة الدنيا فقط ولكن حين يقف من أدّاها بين يدي أعدل العادلين ومبرزا انه أعلم رئيس الحكومة بوضعية الوزراء الجدد مباشرة بناء على تقارير الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

مراسلة رئيس الجمهورية وفيديو تكليف مدير الديوان الرئاسي بـتبليغها لرئيس الحكومة مقابل وصل خلفا موجة عارمة من السخرية والاستهزاء في تونس وفي بلدان عربية كثيرة في علاقة بالمشهد السريالي الذي أداه الرئيس والذي ذكر الكثيرين بزمن الجاهلية، وأفلام عادل إمام الساخرة.

إنه زمن الكوميديا السوداء التي نسخر فيها من أداء وعبثية سياسيينا ولكننا في النهاية ندفع ثمن خلافاتهم التافهة، تعطيلا لمصالح بلادنا، وتعكيرا لحياتنا، وتشويها لصورتنا، وتأبيدا لمآسينا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق