راي رئيسي

مشهديّة سريالية .. ازدواجية فاضحة .. ووضع مأزقيّ

لو فكّر خصوم الرئيس قيس سعيد في سيناريوهات للإساءة إلى صورته وشعبيّته، ما كان لهم أن يتوفّقوا إلى أكثر أو مثل ما فعله بنفسه وما فعله به ديوانه خلال الفترة الأخيرة. فمن اجتماع مجلس الأمن القومي الأخير بتركيبته ومضمونه المحيّرين وما تلاه من طرائف الطرد المسموم، ومرورا بجولات الرئيس في أنحاء من العاصمة وواقعة جامع أحد بحي التضامن، وصولا إلى خطابه وسط مجموعة من النواب ورسالة مدير التشريفات وصاحب البريد الأخيرة إلى رئيس الحكومة وما أثارته من تعليقات في الداخل والخارج، من خلال أحداث هذه الأسابيع الأخيرة يمكن لأيّ متابع أن يرصد بسهولة حالة الارتباك وضعف الاتصال في قصر قرطاج، وتداعياتها السلبية على المشهدية السياسية السريالية حقيقة لا مجازا، والتي توازيها للأسف ازدواجية فاضحة في التناول الإعلامي والسياسي لما يحصل.

فهل أكثر سريالية من أن يصبح رئيس الجمهورية الذي يتربّع على أعلى هرم الدولة، مصدر تعطيل لدواليبها ومؤسساتها، ويتموقع زعيما للمعارضة ورمزا للمحتجين على منظومة الحكم. وهل أكثر ازدواجية في المعايير من أنّ بعض الأوساط الإعلامية والسياسية لا تتوقف كثيرا عند كل ما أشرنا إليه في قرطاج، وتصرف عنه النظر، لترى المشكل الرئيسي في باردو وتجد الحلّ في استقالة رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي. وبعدما كانت تلك الأوساط منذ أسابيع تنفخ في الاحتجاجات السياسية على منظومة الحكم وتدافع عن حق التظاهر وتنتقد ردود أفعال قوات الأمن، فجأة صارت تحذّر من تحكيم الشارع ومخاطر تصادم المتظاهرين، بعد اقتراح حركة النهضة على الحزام الداعم للحكومة دعوة أنصارهم إلى الخروج يوم السبت 27 فيري 2021 دفاعا عن الدستور والبرلمان ودعما للمؤسسات والديمقراطية.

لم تتمّ داخل البرلمان أو خارجه متابعة المعطيات الخطيرة التي تمّ تداولها انطلاقا من قصر قرطاج، حول استهداف حياة السيد رئيس الجمهورية أو مديرة ديوانه بطرد أو ظرف مسموم. وقد جاء بيان النيابة العمومية بعد نتائج تحليل الظرف المزعوم، مخالفا لما تمّ إعلانه في بيان رئاسة الجمهورية. وبدا من خلال الأشخاص المعنيين بترويج الخبر ومجريات الأحداث، أنّ الرئيس يتعرّض لتسميم إعلامي وأنّ بعض الجهات تعمل على تسميم المناخ السياسي. ومن التقصير الخطير عدم متابعة الملف وكشف الحقيقة كاملة حول ما تمّ تداوله. وقد زاد تزامن خبر التسميم مع اجتماع مجلس الأمن القومي الذي انتقد فيه رئيس الجمهورية بشدة التحوير الحكومي عشية جلسة منح الثقة للوزراء المقترحين. وكان من اللافت نشر خبر التسميم بعد تزكية البرلمان بأغلبية معزّزة للتحوير.

وخلال ما يُعرف بأزمة اليمين التي تمتدّ للأسبوع الثالث، قام رئيس الجمهورية بجولات في أنحاء متفرّقة من العاصمة، احتك فيها مباشرة ببعض المواطنين في أماكن عمومية. وكان من اللافت أيضا ترديد أقلية لشعارات تدعو الرئيس إلى حلّ البرلمان، ولم يعلّق عليها الرئيس في أيّة مناسبة، ولم يشرح لأصحابها أن البرلمان منتخب مثله، وأنّ للرئيس إمكانية حل البرلمان كما لهذا الأخير إعفاء رئيس الجمهورية بشروط دستورية لا تتوفر الآن لكليهما. وستبقى حادثة جامع أحد بحيّ التضامن عالقة بأذهان التونسيين، بعد المشادّة الكلامية التي حصلت بين المواطن محمد صالح الرمضاني والرئيس قيس سعيد، في رحاب المسجد بعد صلاة الجمعة، وما أثارته من جدال حول مواضيع مختلفة، تتصل بالشعبوية واستخدام المساجد لأغراض سياسية وما روي من تعنيف عناصر من الأمن الرئاسي للرمضاني وعواقب مثل هذه الجولات وغيرها من المسائل. وفي كل الأحوال، ومهما كانت حقيقة تفاصيل الحادثة والمواقف منها، فقد خلّفت انطباعا يسيئ إلى مقام رئيس الجمهورية.

وتبقى كلمة رئيس الجمهورية يوم 10 فيفري 2021 أمام عدد من النواب بالبرلمان، اختارهم بمقياس مثير للجدال، علامة فارقة في توتّر خطاب الرئيس ومثالا دالاّ في الوقوف على مخاطر هذا الخطاب وتداعياته. ويهمني في هذا السياق التوقّف أساسا عند البنيته الفكرية الصادمة للخطاب، بصرف النظر عن الموقف السياسي المعلن في رفض التحوير الوزاري. فقد كشف الرئيس عن صغار في تصفية حسابات شخصية مع زملاء له سابقين، بعضهم تعلّم عليهم، ونعتهم بالجهل و”الجاهلية” الأشدّ من الجاهلية الأولى، في إسقاط تاريخي واستعارة لا تخفى سياقاتها. ولنا أن نتوقّع ردود الأفعال لو صدر نفس الخطاب من أحد رموز الحكم غيره. كما ألمح الرئيس أنه ليس بصدد تفسير أو تأويل للدستور بل يعمل بمقتضى النصوص والفصول وهو “الفيصل بين الفصول”. وبدا من الغرابة بمكان أن يدّعي الرئيس النطق الحرفي باسم النصّ بعد الفتوحات المعرفية التي عرفتها التأويلية. وهذا منزع ظاهري حرفي في التعاطي مع النصوص، تعود إليه في جانب كبير، جماعات التشدّد الديني، التي تعاني منها مجتمعاتنا الإسلامية خاصة. هذا علاوة على ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية من أنّ المحكمة الدستورية وحدها تختصّ حصريا بأن تكون حكما في تأويل الدستور، وما ذكره أساتذة في القانون الدستوري من أنّ رئيس الجمهورية “يسهر على احترام الدستور” ولا يحتكر تأويله.

وكان المؤشّر الأخير على التخبط الاتّصالي لقرطاج، شكل رسالة رئيس الجمهورية بتاريخ الثالث من رجب الأصمّ الجاري، إلى رئيس الحكومة، التي ذكّرتنا بقراطيس الملوك والخلفاء، والتي استغرق وقتا طويلا في خطّها بيديه، والفيديو المصاحب لتسليمه إياها لمدير التشريفات ليسلّمها بدوره إلى صاحب البريد المكلّف بإيصالها إلى المشيشي، والعودة بما يفيد تسلّمها. وكان حذف الفيديو من موقع رئاسة الجمهورية، بعد موجة التعليقات والتندّر بالداخل والخارج، أكبر اعتراف بالخطأ الاتصالي. ولكن أخطر ما في الأمر أن لا تكون الأشكال والأعمال الخارجة عن الاعراف في الحكم زماننا، مجرّد أخطاء اتصالية لرئاسة الجمهورية، بل غُربة فكرية وتاريخية بالغة الكلفة على بلادنا وشعبنا.

بعد إقالة المشيشي لخمسة وزراء يوم الاثنين الماضي، نسّجل 8 شغورات في حكومته، ولدينا في المقابل 11 وزيرا في حكم المتّهمين بالفساد يرفض رئس الجمهورية أداءهم كلّهم أو بعضهم اليمين الدستورية، فينكشف أكثر حجم الفراغ والتعطّل في مؤسسات الحكم. ورغم ما في قرار رئس الحكومة من محاولة لترميم الوضع وتحسين الأداء والتعاطي مع الأزمة بعقل بارد وفي إطار صلاحياته الدستورية، يظلّ الوضع مأزقيّا. وفي وظرف صحي واقتصادي واجتماعي بالغ الخطورة، تستمرّ المناكفات السياسية والدستورية، ويواصل رئيس الجمهورية تحشيد قيادات المجتمع المدني، وتنهمك أطراف سياسية في تحشيد الشارع، ويبدو الوضع ضبابيا. وفي حين تشتغل أطراف على تعميق الخلافات وتوسيع الحريق، تتردّد أصوات صادقة متسائلة “أليس منكم رجل رشيد؟.

مع كل خطاب للرئيس قيس سعيد أتوقّف عند عظمة سقراط وعمق مقولته “تكلّم حتى أراك”. وأتساءل مع كثيرين ممّن صوّتوا له في رئاسية 2019 هل تسرّعنا أم تمّت مراوغتنا؟ استحضر تحفظات البعض، ومن بينهم أصدقاء، رغم النسبة العالية للتصويت لصالح الأستاذ قيس سعيد، ومع ذلك أقول في نفسي نظلّ مهما كانت أعمارنا أو تجاربنا نتعلّم من التاريخ، لكن ماذا لو أنّ أحدنا لم يعجبه يوما أنفه أو أذناه أو عيناه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق