الافتتاحية

مطالب المحتجين وأوهام السياسيين..
عندما تهزم الديمقراطية.. الشعبوية!

1

هناك من أراد أن يُحوّل الذكرى العاشرة للثورة، من منجز نتفاخر به بين الأمم، باعتبارنا الاستثناء العربي الوحيد الذي نجى من محرقة التحوّلات التي تشهدها المنطقة، إلى إعلان عن حالة من الفشل لهذه التجربة.

وهناك من أراد أن يرسل رسائل بأن الاستثناء التونسي هو نفسه يترنح، ويكاد يسقط، وقريبا يغلق وإلى الأبد هذا القوس من الحرية والديمقراطية.

ووقع التركيز خلال عشر سنوات على شيطنة الثورة ومن أتت بهم إلى الحكم، وضرب أية مصداقية لهم لدى أبناء هذا الوطن.. ومنع أية إمكانية كي تنجز هذه الثورة ما من شأنه تحسين الأوضاع الاجتماعية الصعبة للكثير من الجهات والفئات وخاصة الشباب.. واليوم يقع الركوب على تحركات ليلية غامضة ودون مطالب واضحة وغير معلوم من يحركها، يشارك فيها أحداث وترتكز على النهب والسرقة والاعتداءات على الممتلكات الخاصة والعامة..

 

2

ما يجري اليوم من تحريض علني على العنف، من قبل بعض القوى السياسية التي أقرّت أنها باتت عاجزة عن تغيير موازين القوى لصالحها عبر صناديق الاقتراع، وبعض المجموعات التي تشتغل عبر الفايس بوك وليس لها أي وجود حقيقي على الأرض، وتعمل لفائدة بعض المشاريع التي تريد ضرب الدولة ومؤسساتها وضرب المنظومة السياسية ككل وتبشر في المقابل باللجان الشعبية، ومجموعات من المنحرفين وبائعي الخمر خلسة ومروجي “الزطلة”، ليس في الحقيقة إلا استمرارا لنفس الأجندات التي عملت ولا زالت تعمل على إسقاط انتقالنا الديمقراطي وتجربتنا الوليدة، تحت “كذبة كبرى” عنوانها ثورة ثانية..  هذه الثورة الثانية “ثورة اللصوص” وقطاع الطرق، ليست إلا انقلابا مقنعا على الثورة أو هي محاولة لفعل ذلك، لأن الثورة لا تقوم إلا على الاستبداد أما الثورة على الديمقراطية فهي ليست إلا انقلابا..

نفس هذه المحاولات تكرّرت من قبل بل كانت تتكرّر كل سنة منذ اغتيال بلعيد والبراهمي ووصلت حدّ دعوة بعض قيادات الجبهة الشعبية إلى استباحة الدولة وطرد الولاة والمعتمدين وحتى الوزراء. وهو ما رفضه حينها الباجي قائد السبسي رحمه الله لأن فيه ضرب لكل مقوّمات الدولة التونسية..

ووصل الأمر في ديسمبر 2018 إلى حرق الصحفي عبد الرزق الرزقي في محاولة لإشعال فتيل الاحتجاجات في القصرين.. ولا زلنا إلى اليوم ننتظر أن تكشف الجهات الرسمية عن خفايا تلك الجريمة الشنعاء.

 

3

ولا يعني هذا إنكارا لما تعانيه بلادنا من صعوبات على المستوى الاقتصادي وانعكاساتها على الأوضاع الاجتماعية وحتى الموازنات المالية، ولكن الموضوعية لمن أراد أن يتناول بالتقييم والتحليل لعشر سنوات ثورة.. تقتضي عدم إنكار ما تحقّق في المجال السياسي من دستور ومؤسسات وانتقال سلس للسلطة في أكثر من مناسبة.. كما تقتضي الموضوعية البحث في الأسباب الحقيقية والعميقة لتعطّل عجلة التنمية في البلاد..  وهي أسباب عديدة منها ما يعود إلى 60 سنة من التهميش والحقرة لدولة الاستقلال، ومنها إصرار بعض القوى بعد الثورة على ضرب كل مقوّمات الاقتصاد الوطني مرّة عبر العمليات الإرهابية التي ضربت عصب السياحة التونسية في مقتل، ومرّة عبر الإضرابات والاعتصامات، ومرّة عبر نشر الإرباك والفوضى كما يحدث الآن..

التحدي الاقتصادي الاجتماعي تحد حقيقي، والجميع يقر بذلك، ولكن الاكتفاء بلعن الثورة ومن جاءت بهم إلى الحكم رغبة من البعض في تصفية حساباته مع الثورة ومع بعض الخصوم السياسيين، ليس إلا استغلالا وركوبا لهذه الأوضاع الصعبة من قبل من ساهموا في صناعتها، خدمة لأجندات سياسية بعيدة كل البعد عن أن تكون أجندات وطنية مخلصة وصادقة.

فالإفساد يمكن أن يكون سهلا ولكن الإصلاح يتطلب صبرا وجلدا، والتحكم في رقاب الناس عبر الاستبداد والقمع أصعب من سياستهم عبر الحريّة والديمقراطية، ومن يُحمّل مسؤولية ما يجري للمنظومة السياسية والتشتت الذي يميز المشهد في بلادنا، عليه أن يبحث في أسباب هذا التشتت ويقرّ بأن المشكل ليس في البرلمان ولا في الأحزاب بل في القانون الانتخابي الذي يعتمد النسبية مع أكبر البقايا.. وهو قانون كان يراد منه أولا وبالأساس تحجيم دور النهضة ولكنه تحوّل إلى واحد من الأسباب الرئيسية لتذرر المشهد البرلماني والسياسي في بلادنا وجعل من المستحيل تقريبا تشكيل أي حكومة بالاعتماد على حزب أو اثنين وفي أقصى الحالات ثلاثة أحزاب.

وضع جعل التونسي في حيرة في أمره، فهو يذهب ليختار لونا معينا للحكم، فيجد ألوانا أخرى تتصدر المشهد، ثم يأتي من يحدثنا عن المواطن ويأسه من النخب السياسية وعدم ثقته بها.

 

4

الثقة في الطبقة السياسية معدومة، والشباب الذي لم يعد يثق في الطبقة السياسية، هكذا تكلم بعض المحللين والباحثين الاجتماعيين.. وهكذا قرأوا الرسائل التي قيل أن التحرّكات الأخيرة ترسل بها إلى الطبقة السياسية التي لا تفهم ولا تستطيع قراءة الرسائل ولا يهمها أصلا أن تقرأ وتهتم لما يعتمل في صفوف هذا الشباب.. قراءة متعسفة واستنتاجات “tiré par les cheveux” لأن هذا الشباب وجزء منهم أحداث لم يرسلوا بأية رسالة، ولم يطالبوا بأي مطلب، ولم يرفعوا أي شعار، والطبقة السياسية والمحللين وغيرهم هم من يريدون تلبيس تلك التحركات مطالب سياسية من نوع حل البرلمان وحل الأحزاب، وغيرها من “شهاوي السياسيين” التي لا علاقة لها بمطالب المحتجين إن كانت لهم مطالب أصلا..

الأمر الثاني في علاقة بهذا الشباب المحتج واليائس والمهمش والمحبط، على الذين يتباكون اليوم على الوضعية الصعبة لهذا الشباب، ويريدون توظيفها في صراعاتهم السياسية وأجنداتهم الحزبية البائسة، أن يتساءلوا عن دور المؤسسات التربوية والاعلامية والثقافية في خلق هذا الجيل الذي يعيش على الهامش، ولا يفكر ولا يحلم إلا بالهوامش.. عليهم أن يسألون أنفسهم عمّا قدّمته المؤسسات التربوية والتعليمية لهؤلاء، ونفس الشيء يقال عن المؤسسات الثقافية، وأي ثقافة تم بثها في أنفس هذا الشباب غير ثقافة التفاهة و”الهشك بشك”، وثقافة الـ “البيرا” و”الزطلة”.. وكذا الأمر بالنسبة للمؤسسات الإعلامية التي خلقت مُثلا عليا مشوهة ومنحرفة لهذا الشباب.

هذا الشباب ليس ضحية الثورة ولا هو ضحية الطبقة السياسية، فقط، بل هو في الغالب الأعم ضحية منوال ثقافي تربوية أخلاقي إعلامي عمل على ضرب القيمة وتجريف المعنى.. حتى باتت الأخلاق قيمة مرفوضة وبات الانحراف والجريمة والعنف قيما يقع الإعلاء من شأنها لدى هذا الشباب.

 

5

كل هذه الدعوات الانقلابية والشعبوية، تتحطم اليوم على جدران مجلس النواب وعلى أبواب رئاسة الحكومة بالقصبة، وستثبت الديمقراطية أنها أقوى من الشعبوية، مثلما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية. صحيح أن الشعبوية، قد يكون لها صوت عال، وقد تنجح في خداع بعض الناس لبعض الوقت، لكنها بالتأكيد لن تنجح في خداع كل الناس كل الوقت. ومثلما استفاق الشعب الأمريكي على هول وفظاعة الخطاب الشعبوي لترامب، سينتبه التونسيون بالتأكيد إلى كارثية الشعبوية وهذا الخطاب الهدّام على الدولة ومؤسساتها وعلى أمنها واستقرارها، بل وعلى وجودها أصلا.

الشعبوية انهزمت في أمريكا، والدرس الوحيد المستفاد مما فعله ترامب، أن الديمقراطية تهزم الشعبوية..  وفي بلادنا مثلما نجح انتقالنا الديمقراطي في هزم كل محاولات الانقلاب والارتداد إلى الاستبداد ستثبت ديمقراطيتنا أنها قادرة مرّة أخرى على الصمود والنجاح في التصدّي لكل الدعوات الهدامة حتى وإن كانت في شكل موجة من الشعبوية العاتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق