راي رئيسي

معوقات المسار الديمقراطي في تونس..
الأنانية رأس الداء..

1: إهدار الحرية

ما الذي يجعلنا لا نتقدم بالقدر الكافي فيزمن الحرية؟ ما الذي يجعلنا بعد عشرة أعوام من هروب بن علي وانقشاع سماوات الحرية لم نحقق تنمية اجتماعية ولا استقرارا أمنيا ولا سيادة وطنية نتحرر معها من التبعية الاقتصادية ومن التداين الخارجي ومن طلب المساعدات وعطايا الجهات المانحة؟

الحرية مدرسة للإبداع ولتفجر المواهب والقدرات الكامنة وهي وقود للحركة والتجدد ولمقاومة التخلف والفقر والجهل حين يتحرر العقل من الرقابة ومن الخوف فيرسم مسارات النهضة وخارطة التنمية في مختلف أبعادها.

الحرية يُنتَظر أن تحررنا من الكراهية ومن العقد النفسية لتكون كيمياء محبة ووحدة وقوة في مواجهة أعداء حقيقيين هم الفقر والتخلف والجهل والأوبئة والجريمة والعنف.

لماذا لم يستفد التونسيون من زمن الحرية ولم يصنعوا ثورة حقيقية في واقعهم المعيش وفي علاقاتهم الحزبية والاجتماعية والإنسانية؟ لماذا ظلوا يحفرون في مكانهم يجترون الشعارات ويخوضون معارك زائفة لا علاقة لها بقضايا الناس ولا تتعلق بمطالب الفقراء والعاطلين والمشردين والخائفين على مستقبل بناتهم وأبنائهم؟ لماذا ظل التونسيون بعد عشرة أعوام يؤذي بعضهم بعضا وكلما اجتمعوا على أمر اختلفوا فيه وتنافروا واستلوا مفردات التخوين والترذيل والتحريض كما لو أنهم أعداء يتمنى كل منهم زوال الآخرين ممن يختلفون معه؟.

2:الأنانية رأس الداء

بقدر ما كان الاستبدادُ موحّدا لأشواق أغلب التونسيين ولحلمهم بالحرية والكرامة والأمان والعدالة، بقدر ما تفجرت أنانيتهم حين فتح الله عليهم أبواب الحرية فإذا أغلبهم يتدافعون نحو مغانم ومواقع يريدون احتكار “النعمة” ويجتهدون في إقصاء غيرهم ويستدعون كوابيس الماضي يريدون إعادة صناعة مشهد المأساة ولكن بطريقة أخرى وبخطاب آخر ولكن بنفس الأسباب الحقيقية وهي “الأنانية” التي تجعل صدور أصحابها تضيق بالآخرين فلا تقبل بهم شركاء ولا حلفاء ولا أصدقاء، “الأنانية” مرض نفسي مدمر للنسيج المجتمعي وللوحدة الوطنية وللأمن المدني، “الأنانية” موقد لا تكف جمراته على الاتقاد حقدا وكراهية وحسدا وتشفيا، “الأنانية” منتجة لخطاب العنف والإيذاء والاستعلاء والعنصرية والتكبر والإقصاء.

لا تصمد الثقافة والمستويات العلمية أمام عقدة “الأنانية” لذلك لا نستغرب حين نجد متعلمين ومثقفين ومسؤولين كبارا في الدولة يتكلمون بخطاب فيه منسوب عال من الكراهية والحقد والعنف والشر، إنهم يرون في الآخرين منافسين لهم في كل شيء حتى في الكرامة الإنسانية التي هي أعدل المعاني توزيعا بين الناس لكونها مما أودع الله في الفطرة الإنسانية.

إن كثيرا من خطابات النخب السياسية والفكرية وحتى الدينية، لا تعبر عن وجهة نظر مستخلصة من رحلة تفكير وحوار وتساؤل، إنما هي صياغات لعقد نفسية ولرغبات ذاتية تطفح بها “الأنانية” المفترسة.

 

3:رسالة النخبة

معالجة الظواهر الاجتماعية السيئة لا تكون بلعنها ولعن أصحابها ولا حتى باستصدار قوانين عقابية، فتلك إجراءات ومواقف شكلية لا تعالج الأسباب ولا تكشف عن حقيقة “الأعطاب” الكامنة في المجتمع والتي هي مجموع ما هو كامن في الذوات الاجتماعية.

معالجة المياه الآسنة لا تكون بمطاردة المجاري بل بردم المستنقعات.

النخب السياسية والثقافية والإعلامية والفنية تتحمل مسؤولية عظيمة في معالجة ما يطفو على سطح المجتمع من ظواهر سلبية من عنف وجريمة وعبث وفساد، يتحملون مسؤولية البحث في جوهر الإنسان لا فقط للكشف عن أسباب تلك الظواهر السلبية، بل وأساسا لاستثارة قيم الخير والحب والجمال والأمل والشوق مما هو كامن في أعماق الذات البشرية التي هي من إبداع الخالق “صُنْعَ الله الذي أتقن كل شيء”.

إن كثيرا من النخبة السياسية والفكرية والإعلامية والفنية هم جزء من الأزمة وهم أيضا مشاركون في إنتاجها وترويجها بسبب ما يروجونه من خطاب واهم زائف سطحي يسترضون به عموم الناس بحثا عن مجد زائف وعن شعبية خاوية يطمعون في صرفها عند المواسم الانتخابية.

تلك “النخبة” لا تقل إجراما وسوءا وفسادا عن جرائم وسوء وفساد من نتهمهم عادة بتلك الصفات المشينة، بل إن مسؤوليتهم أكبر لكونهم “نخبة” يُنتَظر منهم أن يكونوا منارات خير وإصلاح ونقد وتقويم وتقييم.

حين تحتل “الأنانية” أنفس وقلوب “النخبة” تجردها من بريق الفكر ودفق المعاني وجاذبية القيم وتحوّلها إلى كائنات غرائزية تعارك من أجل المكتسبات العابرة ومن أجل مشتهيات تصغر أمامها همتُهم وتضعف إرادتهم فإذا هم كما أطفال يسيل لعابهم كلما نُزِع أمام أعينهم ثوب قطعة حلوى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق