راي رئيسي

مقال الغنوشي في صحيفة أمريكية وحواره في إذاعة تونسية ورسالته إلى الرئيس..
حدود التمايز والتقاطعات..

(1)

خلال هذا الأسبوع تواتر ظهور رئيس مجلس نواب الشعب الأستاذ راشد الخريجي الغنوشي في محطات إعلامية وسياسية، وهو تواتر منتظر باعتبار الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، وباعتبار استعدادات حركة النهضة التي يقودها لتنظيم مسيرة ضخمة سوم السبت 27 فيفري 2021 نصرة للشرعية ودعما للاستقرار السياسي بالبلاد.

ففي مقال رأي نشر له على أعمدة صحيفة  USA Todayالأمريكية يوم السبت الماضي 20 فيفري 2021 تحدث الغنوشي عن عملية الانتقال الديمقراطي التي شرعت فيها البلاد منذ عشر سنوات، والتي وصفها بالرائدة والصعبة في الآن ذاته باعتبارها تنتقل بالبلاد من النظام الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي مما أهلها لأن تكون منارة أمل للذين يؤمنون بديمقراطية عربية، وإجراء انتخابات سلمية وإقامة مؤسسات ديمقراطية وإحداث تغيير اجتماعي حقيقي.

وفي حديثه عما تشهده الساحة التونسية من تحديات وخاصة ما يتعلّق منه بصعود حركات تستحضر الحنين إلى النظام القديم وتسعى إلى العودة إلى الماضي الاستبدادي لحكم الرجل الواحد بدلاً من التعددية والنظام الديمقراطي في إشارة منه إلى الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسي قال الغنوشي إنّ تلك ظاهرة منتشرة بشكل واسع في جزء كبير من عالمنا اليوم بما في ذلك الولايات المتحدة يستفيد فيها الشعبويون من الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الاجتماعية وتقوم سردياتهم الخطيرة على تقسيم المجتمعات والنخب وفق ثنائية بين مجموعة “فاضلة” مضادة لأخرى “مذمومة”.

وفي السياق التونسي، أكّد الغنوشي أن الحالة الشعبوية تعمد إلى التهجم على المؤسسات الديمقراطية والمسؤولين المنتخبين والأحزاب السياسية وتعطيل عملهم حتى تقنع عموم التونسيين بأن معالجة الصعوبات الاقتصادية و الاجتماعية عميقة الجذور لا تكون إلا من خلال إعادة حكم الرجل القوي “الأكثر فعالية” أو “تنصيب دكتاتور” معتبرا أنّه من الطبيعي أن تعقب أي ثورة حركات وخطابات معادية للثورة تسعى للحفاظ على امتيازاتها ومصالحها وتعمل على تعويق أي تقدم.

وفي علاقة بالاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها البلاد مطلع السنة الحالية أقرّ الغنوشي بأنّها سلطت الضوء على حجم الجهد الذي ما يزال على المجموعة الوطنية القيام به مؤكدا أنّه “بعد عقود من الدكتاتورية وانعدام المساواة والفساد، يحتاج الاقتصاد التونسي إلى إصلاحات عميقة” مضيفا أن الشعب التونسي يشعر بالإحباط من التقدم البطيء للإصلاح الاقتصادي منذ عام 2011 لأنه لم يرَ بعد توفر الشغل وتحسن مستوى العيش الأفضل اللذين يتوق لتحقيقهما إذ أن الثورة جعلتنا جميعا نطمح إلى تحقيق توقعات ضخمة دون إدراك بمدى تعقيد التغيير.

ويظل الغنوشي متجانسا مع ذاته باستمرار في حديثه عن منجزات الثورة فيعتبر أنه يمكننا أن نفخر بالإنجازات الرائعة التي حققتها تونس في السنوات العشر الأخيرة التي تلت الثورة قائلا: “لقد أنشأنا مؤسسات ديمقراطية جديدة وقمنا بحل نزاعاتنا وخلافاتنا سلميا وأرسينا ثقافة الإدماج السياسي، وأكدنا من خلال تشريعاتنا على حماية لحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين وسيادة القانون، ووضعنا معايير جديدة لمساءلة الدولة وشفافيتها” مضيفا: “لقد حققت تونس تقدمًا غير مسبوق مما جعلها من بين أسرع التحولات الديمقراطية في التاريخ على عكس ما حدث في عدة تجارب كتلك التي حدثت في أوروبا الشرقية والتي استغرقت عقودا”.

وفي علاقة بالتأثيرات السلبية لانتشار فيروس كورونا على النمو الاقتصادي وعلى المؤسسات الاقتصادية وتعميق أزمة البطالة، وتراجع النمو الاقتصادي قال الغنوشي أن جهود الحكومة يجب أن تكون متجهة أساسا نحو تحقيق توازن بين حماية حياة التونسيين والحفاظ على مواطن شغلهم مشيرا إلى ضرورة أن تكون هناك حكومة مستقرة تحظى بدعم أكبر عدد ممكن من الأحزاب السياسية والشركاء الاجتماعيين تتمتع بأفضل الفرص للقيام بإصلاحات ضرورية ظلت إلى حدّ الآن مؤجلة.

ولم يغفل الغنوشي في مقاله أن يبدي موقفه المألوف من الحوار حيث يقول: “من المطلوب بشكل عاجل تبنّي القيم التي نالت تونس بفضلها جائزة نوبل وذلك عبر إدارة الحوار بين الأحزاب السياسية والنقابات العمالية ورجال الأعمال والمجتمع المدني حول رؤية اقتصادية مشتركة للبلاد” بالإضافة إلى ضرورة التوافق حول إصلاح النظام الانتخابي حتى يمكن البلاد من ظهور الأغلبية التي يمكن أن تشكل حكومة مستقرة خاضعة لمساءلة للشعب، وفق تعبيره.

وشدّد على أنّ حزمة الإصلاحات لا تستطيع أن تنجزها تونس بمفردها فهي “بحاجة إلى دعم من شركائها الدوليين الذين يؤمنون بالديمقراطية، ويجب ألا تؤدي صعوبات تحولنا الديمقراطي إلى فقدان الثقة في ديمقراطية تونس التي تحتاج إلى الدعم لأن نجاحها سيرسل رسالة إلى جميع الدول مفادها أن الديمقراطية يمكن أن تسود وهي كما نعتقد، أفضل نظام حكم لتوفير الحرية والكرامة للجميع”.

 

(2)

ظهر الثلاثاء 23 فيفري 2021 كان لرئيس مجلس نواب الشعب الأستاذ راشد الغنوشي حوار إذاعي من أبرز ما ورد به في علاقة بأزمة التحوير الوزاري أن البرلمان لن يسحب الثقة من الحكومة دون توفر الشروط المعقولة فمن غير المعقول سحب الثقة منها قبل شروعها في العمل وأن القضاء هو من يحسم في شبهات الفساد.

وفي إشارة إلى مبادرته التي أعلن من خلال مراسلة وجهها إلى رئيس الجمهورية قال الغنوشي أن عقد اجتماع ثلاثي يجمع الرؤساء الثلاثة تحت اشراف رئيس الدولة أمر ضروري لتجاوز الأزمات وتجسيد وحدة الدولة مؤكدا على تمسكه بأهمية مقترح الاجتماع بين الرؤساء الثلاث الذي يمكن أن يكون المفتاح لحل المشاكل آملا أن يتفاعل رئيس الدولة معها وتجاوز الازمة في أطرها الدستورية خاصة وأن الظروف غير مهيأة للعودة لصندوق الاقتراع ولا حل غير البحث عن التوافقات وفتح باب الحوار كما أنه لا حل لمشاكلنا دون الحوار مذكرا بأنه قد دعم كل مبادرات الحوار.

أما فيما يتعلق باستكمال المحكمة الدستورية فقد ذكر الغنوشي بأن هناك شعورا عاما لدى نخبة المجلس والنخبة السياسية بأهميته وأن سبب تعطله يعود للنظام الانتخابي الذي ساهم في إفراز الشتات علاوة على الحسابات الحزبية وأنه يجب لتحقيق ذلك البحث عن مرشحين توافقيين .

وفي علاقة بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي اللذين يمثلان القضية الأساسية اليوم اعتبر الغنوشي أنه يجب توجيه بوصلة البلاد نحوها لتعزيز الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية. كما أكد أن دعوات مراجعة النظام السياسي مشروعة ويجب التعامل مع نظامنا باحترام في اتجاه مزيد تعزيز النظام البرلماني وانه ينبغي أن نصل الى نظام حكم واضح فيه حزب حاكم وحزب معارض كما يجب ان نصل الى نظام انتخابي يفرز لنا أغلبية حاكمة وأقلية معارضة

 

(3)

تميز الأسبوع الحالي بحضور إعلامي مكثف للأستاذ راشد الغنوشي سواء كان ذلك من خلال مقاله على أعمدة USA Today أو من خلال حواره الإذاعي أو من خلال لقاءاته الهامة لاسيما منها تلك التي استقبل خلالها السفير الأمريكي أو رئيس الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية أو من خلال الرسالة الهامة التي بعث بها إلى الرئيس قيس سعيد باعتباره “رمز وحدة الدولة” إلى تجميع الفرقاء لإيجاد مخرج للأزمة المركبة التي تعيشها البلاد عبر تغليب الحوار وتبادل الرأي والمشورة مؤكدا ضرورة بعث رسالة إيجابية للشعب التونسي ودول العالم تُبرز أنه رغم اختلاف التونسيين وتنامي خطابات التحريض، فإن لتونس دولة ومؤسسات جديرة بالثقة، وأن البلاد في حاجة لتأمين الدواء والغذاء والشغل والأمن وكذلك للتهدئة وتنمية روح التضامن وتوسيع دائرة المشترك الوطني مقترحا على رئيس الجمهورية الدعوة لعقد اجتماع يجمعه برئيس الحكومة ورئيس مجلس نوّاب الشّعب في أقرب الآجال.

إن مجمل هذه التصريحات تحوم حول رؤية الغنوشي للمسارعة بحلّ الأزمة العميقة متعدّدة الأوجه بالحوار وهو في هذه الدعوة وفي لذاته في الالتزام بالجلوس على طاولة مفاوضات تضم مختلف الأطراف ذات العلاقة للتباحث حول الحلول الكفيلة بحلحلة كل الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما أنه يعيد التأكيد على الحاجيات الأساسية للبلاد والتي تتمثل في الدواء والغذاء والشغل والأمن ويدعو خاصة في مقاله في الصحيفة الأمريكية وفي حواره مع سفير الولايات المتحدة إلى دعم التجربة التونسية والوقوف إلى جانب تونس وهو ما أكد عليه السفير الذي قال أن بلاده ستعمل ضمن الجزء الأخير من برنامج الألفية على مضاعفة حجم الدعم الخارجي لتونس في مختلف الميادين، ولاسيما في المجال الصحي في ظل ما تفشي فيروس كوفيد-19 خاصة من حيث توفير التلاقيح وحفظها وتوزيعها .

في الحوار والمقال أيضا تأكيد على قيمة المنجز السياسي للثورة وضعف المردودية الاقتصادية والاجتماعية للثورة، وإصرار على أن الاستقرار السياسي من أهم ضمانات الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي، ودعوة إلى القيام بتعديلات في النظامين السياسي والانتخابي في اتجاه دعم النظام البرلماني وفي اتجاه ضمان وجود أغلبية حاكمة تأتي من خلال صناديق الانتخابات ويمكن محاسبتها بها.

ولعل أهم ما يمكن استنتاجه من مجمل أنشطة رئيس مجلس النواب وتصريحاته ان كل جهده وكل همه التجميع والحوار ولملمة الجراح وإنقاذ البلاد من أزمتها المركبة دون ترذيل للمنافسين السياسيين الذين يعملون ليلا نهارا على تنحيته من رئاسة مجلس نواب الشعب، لا يرقبون فه ولا في حزبه إلا ولا ذمة، معتمدين ف ذلك جميع الأسلحة الجائزة منها والمحرمة . إنه بذلك يترفع عن الجميع ويلقنهم بالصمت درسا أخلاقيا قيميا يعلي فيه من شأنه كرجل دولة لا تشغله المناكفات ولا الصغائر ولا الترذيل عن واجبه الوطني.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق