راي رئيسي

مكافحة الفساد بين النجاعة والشعبوية .. أين يجب أن تقف البروباغندا؟

أثبت التاريخ أن الاستبداد ومقاومة الفساد خطان لا يجتمعان، كالحقيقة والكذب لا ينسجمان، فكل معطى ينحو منحاه وما لهما من ملتقى، إلا إن اصطنع أو اختلق..

وربما نسي المبشرون بجنّة الدكتاتورية أنّ في الحقبة البائدة كان الفساد مستشريا في مختلف مفاصل الدولة، وكان الفساد يكبر ويترعرع في أحضان سلطة الاستبداد وبطانتها والموالين والمقربين منها. لما كنا نرزح تحت طائلة النظام المافيوزي البائد كان كل شخص أو هيئة أو فئة غير فاسدة عدوا لسلطة الفساد، التي نسجت شبكة أخطبوطية لحماية نفسها، وروّعت كل من يتجرّأ على انتقادها، وكان كل حديث عن الإصلاح أو التغيير بمثابة نافذة تهدّد مصالح الفاسدين المحميين بآلة القمع السلطوية، التي تعمل على نشر ثقافة الفساد، يساعدها في ذلك وسائل الإعلام التي تهيمن عليها، وأبواق بعض المثقفين وأصحاب الأقلام المأجورة، التي كانت تصوّر الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي على أنّه في أفضل حالاته.

كانت هناك حينها فئة قليلة فاسدة تستحوذ على معظم ثروات البلد من أراض وعقارات وأموال، وثروات إلى جانب السلطة والنفوذ، بينما تعاني غالبية الشعب لا سيما في المناطق الداخلية الحرمان والفقر. وكان التخطيط التنموي الذي يرسمه النظام موجها بشكل بعيد عن مقاومة الفاسدين وانتشال التونسيين من الفقر والتهميش والبطالة.

وهذا معناه أن الاستبداد مهما ادّعى من مقاومة فساد في الحقيقة لا يمكنه أن يقاوم فساد أو يقضي عليه لأنه هو ذاته شكل من أشكال الفساد وجسم نقيض له وهو أيضا لا يمكن أن يكون إلا حاضنة له..

وفي بعض التجارب الأخرى التي روّجت في مشروع حكمها إلى مقاومة الفساد وجعلته جوهر مشروعها الدعائي، كان يغلب على حملاتها التي تحمل عنوان مكافحة الفساد السعي لنيل التصفيق وإثارة الحماسة.. هذا أنتج في كثير من الأحيان تعميم اليأس مرّتين: مرة لأنه يقوم على قاعدة شيطنة السياسة بعيون الناس عبر تعميم وصف كل من يتعاطى السياسة بالفاسد، وإبعاد الناس عن السياسة هو أكبر وصفة لتعميم الفساد وتجّذره.. فابتعاد الناس عن السياسة ومرّة عندما يطلق أيدي الفاسدين ويترك لهم وحدهم فرص التحكم في موارد الدولة ووظائفها من دون مساءلة أو محاسبة، وانخراط الناس أكثر فأكثر في السياسة عبر الانتخابات والأحزاب والإعلام والمساءلة والمحاسبة هو الذي ينشئ آلته العمالقة التي تحتاج إليها المجتمعات لمكافحة الفساد.. واكتشف الناس أن هذه الحملات كانت مجرد فُقاعات صابون سرعان ما تلاشت بلا نتائج، وأنها كانت مجرد سعي لكسب بعض النجومية، أو طريقة لتصفية الحسابات بين القوى السياسية، أو نثر للغبار الفضائحي للتعمية على مكامن الفساد الأشد خطورة، وفي الحصيلة تمرّ الأيام والشهور والسنوات بعائد سلبي ينتج الإحباط لدى الناس من جدوى مراهناتهم على حمالات مكافحة الفساد الشعبوية.

بطبيعة الحال، يمكن للحكام تحويل حملات مكافحة الفساد إلى أداة سياسية. في الصين، استخدم الرئيس شي جين بينغ ببراعة تدابير مكافحة الفساد للقضاء على المعارضين السياسيين واكتساب قوّة مطلقة. فالغضب من الفساد لعب في عديد التجارب دورا حاسما في صعود مستبدين شعبويين.

وسياسة مكافحة الفساد الشعبويّة، هي تلك التي ترتكز على الترويج للخلاص الوطني من وباء الفساد عبر صعود شخصيّة من خارج المنظومة لتطهير السياسة. وتبرز كردّة فعل تجاه منظومة سياسيّة تُعتبر، على نطاق واسع، عالقة في وحل فساد لطّخ جميع السياسيّين والأحزاب بغضّ النظر عن أيديولوجياتهم. إذ يظهر شخص كاريزماتيّ – دائما ما يكون ذكرا – من خارج المنظومة، غير حامل لوصماتها، ليعد بتطهيرها من النخب الفاسدة التي تسيطر على البلاد، بدافع إعادة الأمور إلى الصراط المستقيم.

خطاب مكافحة الفساد لعب دورا هامّا في نشوء حالة اللاسياسة أو معاداة السّياسة، والشعور أنّ السياسة لم تعد قاطرة للتغيير الحقيقي. ومن ثم فأيّ محاولة لإحداث التغيير من خلال السياسة ستكون حتما ضحيّة للفساد. فكلّ المنظومة فاسدة، فقط شخص أو شيء من خارجها سيمكنه إحداث هذا التغيير الهادف. فقط حزب أو قائد أو حركة من خارج المنظومة – أي خارج “السياسة” – سيكون قادرا على جلب التغيير. على سبيل المثال ضابط عسكري أو رجل أعمال ناجح أو تكنوقراط.

لا يفتح الرفض المنتشر للسياسة أو المنظومة الباب لافتكاك سلطة على الطريقة البولشيفيّة من قبل اشتراكيين ثوريين. على العكس من ذلك، هو يقود إلى صعود سياسيين كاريزماتيين متسلّطين من خارج المنظومة، يعدون بالتخلّص من الفساد مثل رودريقو دورتيت في الفليبّين أو زعيم اليمين المتطرّف جايير بولسونارو في البرازيل.

إنّ شعبويّة مكافحة الفساد هي نوع من الأخلاقويّة المتخفّية برداء معاداة السياسة.  تدّعي طرد الأشرار من كراسي الحكم. وهنا تحديدا تتمّ فردنة الفساد وشخصنته لتصبح نخبة من السياسيين رمزا لكلّ ما هو فاسد وباطل..

كل التجارب التي عاشتها البشرية أثبتت أن سياسات مكافحة الفساد الشعبويّة هي في الحقيقة مجرّد نزعة معاداة الديمقراطيّة. تذهب الأولى إلى الاستهزاء بالنظام السياسي الديمقراطي كنظام فاسد، وتصوير احترام الإجراءات القانونيّة على أنّه عائق أمام محاربة الفساد. “فقط، قم بتصفية هؤلاء الأوغاد” أو “ألقي بهم جميعا في السجن”، وإلى ذلك من المزايدات التي تمثّل مكوّنا أساسيا لخطابها. أمّا سياسة مكافحة الفساد التكنوقراطيّة، فهي تنظر للتعبئة والتحرّكات الجماهيرية وللنقاشات الإيديولوجيّة حول السياسة على أنّها غير شرعيّة ومؤدّية للفساد.

والخطير في الأمر هو أنّه بتخليص السياسة من ضوابط وموازين المساءلة الديمقراطيّة، تؤدّي سياسة مكافحة الفساد، الشعبوية إلى فقدان الأمل في السياسة، وهو ما يساهم بدوره في ترعرع الفساد فشعبويّة مكافحة الفساد تحوّل السياسة إلى مجرّد مسألة أخلاقويّة عادة ما تُفقد النضال الجماهيري شرعيّته كحامل للتغيير الحقيقيّ..

إن ما نراه اليوم من انتهاج رئيس الجمهورية لمنطق أحادي وإلغائي، وصولا إلى حدّ الإطاحة بالأصول القضائية الإجرائية، هذه الأصول التي تشكل عصب كل منظومة قانونية وبموجب الإجراءات المقرّرة من خارج القواعد القانونية بات الكل مدان حتى تثبت براءته، وأصبح على البعض عبء إثبات براءته بدل أن يكون مدّعي الواقعة هو من عليه عبء إثباته إدّعائه، التزاما بمبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته..

حتى أن أهل القانون يقولون إنه من الفروض أن الأبحاث والأعمال التحقيقية والاستقرائية التي تنجزها النيابة العمومية أو تعهد بإنجازها للضابطة العدلية ثم لقضاة التحقيق تبقى خاضعة لمبدأ المواجهة بين الخصوم وفقا لأصول المحاكمات الجزائية… وهذا يعني أن الأحكام الجزائية التي يصدرها القضاء بعدم سماع الدعوى العمومية لانعدام الجريمة، أو لعدم كفاية الحجة، تعني أن الأبحاث والأعمال التحقيقية والاستقرائية التي انبنى عليها الاتهام لم ترتق إلى درجة إثبات الجرم المنسوب إلى ذي الشبهة .. وهنا هم يتساءلون بانشغال عميق، حينما تصبح معاينة الجرائم تتم مباشرة من قبل رأس السلطة التنفيذية نفسه أي رئيس الدولة، وليس من قبل أعوان الضابطة العدلية، ويتم إشهار ذلك إعلاميا على نطاق واسع، وفي معاينة تقترن بإدانة قطعية من طرفه للجناة ووعيد صارم بالاقتصاص منهم … فهل يبقى معنى لأصول المحاكمات الجزائية العادلة!؟ وهل يبقى من موجب لانتصاب القضاء الجالس وسماع لسان دفاع المتهمين المدانين مبدئيا قبل سماعهم!؟ ثم ماذا لو تعهد القضاء بالملف، هل يستساغ أن يقضي بعدم سماع الدعوى العمومية إن رشح من أوراق الملف المادية أنه لا وجود لجريمة بعد إدانة الرئيس وتوعده ووعيده على رؤوس الأشهاد!؟

كل هذا يجعلنا ننبّه وبصوت عال لخطورة الانخراط في عملية مشهديّة (Show) أو بروباغندا شعبوية إذا أرادت أي سلطة مقاومة الفساد..  والمفروض أن تمضي الدولة القوية والعادلة في اعتقادي، في مأسسة الحرب على الفساد وإبعادها عن الشعبوية وعن اللّعبة السياسية، حتى لا تفسدها وهو المعمول به في كل الدول التي لها مؤسسات قوية تكرس علوية القانون.. فالسياسي عليه فقط أن يمتلك الإرادة الصادقة في توفير الأرضية المناسبة لمحاربة الفساد ويبقى شأن خوض المعركة شأن تنهض به المؤسسات مثل المؤسسة الأمنية والقضائية والديوانة وهيئة مكافحة الفساد ودائرة المحاسبات وغيرها من الأجهزة الرقابية..

إن هذه القضية الوجودية اليوم، تستدعي وجوبا صياغة عناوين واقعية وراهنة وممكنة التحقيق، على رأسها بناء دولة المؤسسات والقانون، وتحصين مؤسسات الرقابة والقضاء، وفتح الباب أمام الإعلام والمواطنين لتقديم ما لديهم من وقائع واتهامات في ملفات الفساد، ورفع الغطاء عن الجميع بالا استثناء ليتسنى لهذه المؤسسات إجراء تحقيقاتها وإصدارها تقاريرها بالبراءة أو بالإدانة، واعتماد الدولة بلا تحفظ، كل التوصيات والاحكام التي تصدر بكل ملف ونشر حاصل هذه التحقيقات في تقارير تنشر للرأي العام من دون أن ينال الأبرياء التشهير أو يحمي التكتم الفاسدين..

ملخص القول الحرب على الفساد لا تحتمل لا استبدادا بالسلط ولا شعبوية ولا “شو” هي فقط تتطلب إرادة صادقة واحترام لمؤسسات الدولة والعمل في صمت..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق