راي رئيسي

“ملحمة” الحركة القضائية..
القضاة يخوضون معركتهم لتحصين قطاعهم ولتعديل بوصلة مؤسستهم الدستورية..

المفروض أن يظل تاريخ 23 أكتوبر 2016 محفورا في ذاكرة التونسيين، المفروض أن يظل لحظة فارقة جسدت حلم جميع الأحرار والأجيال من القضاة والمحامين والمعارضين والحقوقيين، المفروض أن انتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء هو محطة هامة في سلم بناء سلطة قضائية مستقلة وعادلة في تونس، فمن دون هذه الخطوة لن يكون هناك خطوات أخرى..  والأكيد أنه لا يمكن أن يشعر بأهمية هذا الحدث إلا من عاش الظلم والقهر.

إنّ استقلال القضاء مطلب صدعت به كل الحناجر عاليا بعد ثورة 14 جانفي يوم كان للشعب التونسي كلمته التي علا بها صوته، مطلب لم يصدر فقط من أفواه أصحاب القطاعين القضائي منه والمحاماة، بل أصبح مطلبا شعبيا وشعارا ردّده الجميع، أملا في بناء قضاء جديد يقطع مع الماضي الأغبر لهذا الجهاز الذي مثّل لسنوات ماكينة النظام البائد وسيفا مسلّطا على رقاب المقهورين والمظلومين من خصوم النظام الدكتاتوري..

أكثر من نصف قرن رزح فيها القضاء في تونس تحت وطأة سيطرة وهيمنة السلطة التنفيذية بواسطة المجلس الأعلى للقضاء الذي سُخِّر لخدمة أغراض النظام السياسي الفاسد وتسخير قضاة للانسجام معه مقابل امتيازات وظيفية بينما يعاقب كل متمرّد على التعليمات بالنقلة أو الحرمان من الترقية، إضافة إلى استعمال بعض أصحاب النفوذ وسطوة المال لقضاة من ذوي الاطماع الشخصية لخدمة مصالحهم وأعمالهم المشبوهة مما ساهم في انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية، مما خلق منظومة فساد مكتملة الأركان داخل الجهاز القضائي. وهنا تحديدا بدأت معركة القضاء الحقيقية اليوم، وكان التحدي المطروح  على شرفاء القطاع كيف نرسي صرحا قضائيا يضع حدا للفساد الذي استشرى في كل مفاصل الدولة لأنه لا يجد حسيبا ولا رقيبا ولا رادعا؟

للأسف هذا المكسب التاريخي وهذه النقطة الفارقة في تاريخ القضاء التونسي، يبدو أنها تترنح اليوم وتنزاح شيئا فشيئا عن دورها المحوري في حماية الجسم القضائي وتأمينه من الانزلاق مجددا نحو الوصاية ومحاولات التدجين من الخارج..

فقد شهدت الحركة القضائية الأخيرة عديد التجاوزات، وكانت محل سخط العديد من القضاة الذين عبروا عن رفضهم لها واعتبروها انتكاسة وخيبة أمل كبرى من جزء ممن تم انتخابهم من القضاة للدفاع عن استقلالية السلطة القضائية وتحييدها عن كل محاولة سلطوية لتدجينها وتطويعها لحساباتهم الخاصة..

فقد شككت جمعية القضاة التونسيين في نزاهة الحركة القضائية التي أشرف عليها المجلس الأعلى للقضاء، واعتبرت أن الحركة احتكمت إلى بعض الإملاءات والضغوطات الخارجية..

واعتبر قضاة أن الحركة القضائية الأخيرة لم تحترم معايير الأقدمية والنزاهة والكفاءة في المسيرة القضائية.. وقد صدرت موجة الامتعاض الأخيرة من الحركة القضائية حتى عن قضاة غير معنيين بالنقلة، لأن المسألة بالنسبة لهم مست من الأمان الوظيفي للقاضي واستقلاليته..

كما استاء القضاة من تضمن الحركة القضائية الأخيرة لتعيين قضاة بمناصب عليا دون الإعلان عن الشغورات بها ودون احترام لمبدأ التناظر بين القضاة على غرار تسمية وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس بعد تنحية وكيل الجمهورية السابق، رغم أن المعايير المعلن عنها من المجلس لا تسمح بذلك باعتبار أنه متحصل على علامات ايجابية جدا بمناسبة تقييمه من رؤسائه  ورغم تنحيته خلافا للمعايير المعلن عنها فإنه لم يعلن عن هذا الشغور وبالتالي لم يتناظر القضاة على هذه الخطة بل تمت التسمية بها دون طلب رغم حساسية هذه الخطة التي تستوجب استعدادا استثنائيا من القاضي يعبر عنه بالترشح لها.

كل هذا أثار حالة من التوجس داخل جسم القضاء من عودة الممارسات السابقة والعقوبات المقنعة عبر التجريد من المسؤوليات، ومن أنّ يصبح القضاء مستباحا من الجميع ومن أن يجد القاضي نفسه يعمل تحت ضغط منظومة فاسدة لم تتخلص من حقبة الاستبداد وتسير بنفس منهجها، ومن أنه من غير المستغرب أن يخضع أفراد من المجلس الأعلى للقضاء أعلى سلطة قضائية لتعليمات وزير أو رئيس حكومة أو رئيس جمهورية أو حتى والي أو مدير إقليم أو نقابي فاسد..

بل إن ما حدث يعطي مشروعية لتوجس القضاة من أن يصبح كل قاض مستقل وغير منسجم مع منظومة الفساد والاستبداد للرجم والتنكيل والتجريد من المهام وترهيب كل نفس مستقل بنقل تعسفية، مقابل مجازاة الخانعين بترقيات ومسؤوليات لا يستحقونها..

المجلس الأعلى للقضاء متهم إذا حسب أبناء القطاع، أنه يوهم بأنه يضع سنويا معايير للحركة القضائية بعد إجراء مشاورات مع مسؤولي المحاكم غير أن هذا الإجراء يبقى مجرّد مادّة إعلامية للإيهام بأن تحضيرات المجلس العدلي في إعداد الحركة السنوية تتم في نطاق الشفافية ووفق معطيات علمية وواقعية، ولكن بمجرد صدور الحركة القضائية يتبين أنها لم تحترم المعايير المعلن عنها وتم إسناد الخطط القضائية أو التجريد منها أو الاستجابة لطلبات النقل وفق الولاءات والصفقات والضغوطات السياسية وتصفية الحسابات خاصة في الخطط الحساسة الكبرى، وطبعا دون إصدار تقرير مفصّل للمنهجية التي اعتمدها المجلس في مقرراته..

وقد تعمقت هذه المخاوف وهذه الهواجس بالنظر إلى القرار الصادم والاعتباطي الذي أقره مجلس القضاء خلال النقلة السنوية، القرار الذي استهجنته كل الهياكل وغالبية ساحقة من القضاة واعتباره فضيحة قضائية بجميع المقاييس، وهو قرار مراجعة خطة وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس، البشير العكرمي، ”كإحدى أهم المسؤوليات القضائية في التنظيم القضائي ليلة الإعلان عن الحركة، في عملية ارتجال غير مسبوقة تزامنت مع خروج تسريبات من داخل المجلس ليلة الإعلان عن النقلة السنوية.. والمربك والمريب في المسألة هو أن هذا الرجل مشهود له من جميع رؤسائه وزملائه بالكفاءة العالية والاستقلالية والمهنية ورباطة الجأش..

فبشير العكرمي لمن لا يعلم هو القاضي الذي اصطدمت هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي بصلابة شخصيته ولم تتمكن من تطويعه رغم تفننهم في حملات تشويه طالته وطالت عائلته.. وهو الذي قدموا فيه عديد الشكايات لكن التفقدية العامة بوزارة العدل أنصفته في كل المناسبات..

بشير العكرمي هو وكيل الجمهورية الذي تعهّد بالتحقيق في ملف أحداث باردو وهو من أكبر العمليات الارهابية التي شهدتها تونس، وعند دراسته للملف تفطن إلى أن الروايات التي تضمنها استنطاق المتهمين لا تستقيم وأن التعذيب الذي تسلط على أجسادهم رهيب، فعاين الآثار وأعلم النيابة التي أذنت بفتح بحث تحقيقي في تلك التجاوزات .

وعندها اتخذ قرار ليس بالسهل وهو سحب الإنابة القضائية من فرقة مكافحة الإرهاب بالقرجاني وتكليف فرقة مكافحة الارهاب العوينة بالبحث لتكون المفاجأة..  فبعد إعادة الأبحاث تبين أن الاختبارات الفنية تم تدليسها من فرقة بالقرجاني وتم اكتشاف العناصر الحقيقية التي خططت للعملية وثبت ذلك بمعطيات فنية علمية دقيقة بالتعاون مع خبرات أجنبية في مجال مكافحة الإرهاب باعتبار وأن عديد الضحايا أجانب وهو مبرر التعاون . قاضي التحقيق بالمكتب 13 بشير العكرمي يحسب له إذا أنه كان سببا في إنقاذ حوالي 9 أبرياء من حبل المشنقة تعرّضوا إلى تعذيب فظيع وذهب مباشرة إلى تتبع من نفذّ العملية وقد تم الحكم عليهم بالمؤبد.. هذا هو بشير العكرمي فلو كان قاضيا ضعيف الشخصية يخشى النقابات الأمنية النافذة، لصادق على تلك المحاضر المدلسة المحرّرة من طرف وحدة القرجاني، لكنه انتصر للحق والعدل..

القاضي بشير العكرمي هو قاضي التحقيق التونسي الذي وقع تكريمه واستقباله بالمملكة المتحدة من أعلى السلطات القضائية، لأدائه في عملية نزل الامبريال – سوسة (باعتبار وأن الهجوم على النزل أسفر عن قتل 30 من رعاياها(، وقد اطلعوا على نتائج البحث وأعماله وكيف فك شفرة المتداخلين في القضية ومنهم من هو خارج تونس وتم ذلك في إطار التعاون القضائي والتنسيق بين الدولتين لحفظ حق الضحايا وتتبع الجناة. “سكوتلاند يارد” من أقوى أجهزة الشرطة القضائية في العالم، جهاز عمره حوالي 200عام يقوم بتكريم قاضي تونسي اعترافا منهم بحرفية الأبحاث التي حصلت في الملف..

طبعا هذا الأداء وهذا التعاطي المهني والمستقل أقلق السلطة التنفيذية وبعض الفاسدين النافذين من وجود وكيل جمهورية في دائرة مهمة وحساسة مثل دائرة تونس الكبرى، لا يخشى الطبقة السياسية التي تتمسك بحصانة واهية أمام الأفعال والتجاوزات التي يقومون بها. وفد استفز السلطة التنفيذية أنه رغم محاولاتها النيل من وكيل الجمهورية فإنها لم تقدر على ذلك لسبب وحيد وهو استقلاليته في قراراته فجميع الملفات التي نشرت أمام القطب القضائي الاقتصادي والمالي تحمل في طياتها تورط عديد النافذين الذين كانوا في حصانة لسنوات مستغلين ضعف السلطة القضائية واختراقها.

إذا فنقلة العكرمي بات جليا أنها تمت تحت ضغوطات سياسية وفي إطار صفقة اتضحت تفاصيلها بعد التسريبات التي شهدتها اجتماعات المجلس الأعلى للقضاء والتي تسرب من خفاياها الكثير..

والتي تدلل جميعها على أنّ منظومة الفساد والتعليمات عجزت عن تطويع جهاز النيابة بحاضرة تونس فلم يُذعن إليها وكيل الجمهورية البشير العكرمي، فدفعت من أجله الأثمان الباهظة لتنحيته.. ويبدو أن ذلك حسب ما رشح من معلومات، تم عن طريق استدراج عضو نافذ بالمجلس الأعلى للقضاء من أجل إبرام صفقة التخلص منه عبر استبعاده من منصبه في إطار نقلة قضائية رائحة السلطة التنفيذية ومافيا الفساد المتنفذة فيها تزكم الأنوف..

خلاصة القول إذا، أن مخرجات الحركة القضائية الأخيرة تحولت إلى ملحمة يخوضها القضاة المتمسكين باستقلالية القضاء، والمتمسكين بعدم الانتكاس إلى مربع وضع اليد على القضاء، والاشتغال بمنطق التعليمات والصفقات.. وما قصة وكيل الجمهورية بشير العكرمي إلا حلقة صغيرة من حلقات محاولات لا تنتهي لتدجين القضاء وتوجيهه لمصالح أطراف نافذة، استشعر القضاة خطرها فقرروا أن يخوضوا معركتهم في العلن وحتى آخر دقيقة ليحموا بيتهم ومنجزهم ويصوبوا بوصلة المؤسسة الدستورية.. وطبعا بنضالاتهم ستكون الكلمة الفصل في هذه المعركة..

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق