راي رئيسي

منحازون للثورة.. عاملون على الإصلاح

في مثل هذا اليوم من مساء الجمعة 14 جانفي 2011، غادر بلادنا بلا عودة، الرئيس المخلوع بن علي معلنا بذلك انتصار ثورة شعبنا على الدكتاتور، بعد أقلّ من شهر من الغضب الاجتماعي الذي انطلق من سيدي بوزيد، وامتدّ إلى القصرين بالوسط الغربي التونسي واتّخذ منعرجا حاسما هناك، قبل أن يعمّ مختلف الولايات بدرجات متفاوتة ويتحوّل إلى انتفاضة شعبية، وضعت حدّا لنظام بوليسي، كان يُنظر إليه على أنّه من أعتى الدكتاتوريات في المنطقة، وكانت بداية ثورات عربية غير مسبوقة.

وأجدني اليوم مضطرا لأقدم هذا الموضوع عن غيره مما يستحق الاهتمام، ومدفوعا بقوة داخلية غير قابلة للصدّ، لأكتب مجدّدا، عن سرديّة ثورة الحرية والكرامة في ذكراها العاشرة، وأسجّل أهمّ ملاحظاتي واستخلاصاتي حول مسار ما بعد الثورة. وأحسب أنّ هذا مطلوب من جميع المنحازين للثورة في هذه المناسبة لمواجهة صلافة من لا ينفكّون عن التشكيك في الثورة وتبخيس رموزها وعناوينها، ويراودهم الحنين إلى مواقعهم الدافئة ومصالحهم غير المشروعة زمن الاستبداد والفساد. وكذلك في مقارعة من يتنكّرون لأهداف الثورة بركوب موجتها ومحاولة إفراغها من محتواها الديمقراطي أو الاجتماعي على وجه الخصوص.

 

ثورة غير مسبوقة أخرجت تونس إلى العالمية

بعيدا عن الجدال النظري العقيم أحيانا، حول أيّ المصطلحات أنسب لتوصيف ما حصل بتونس ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، يمكن الاتفاق على أنّ أهمّ ما بقي بعد عشر سنوات، هو أنّ الشعب التونسي أسقط دكتاتورا بثورة سلمية غير مسبوقة وفي فترة قصيرة، مستعملا “الفايس بوك” ومستفيدا من الثورة المعلوماتية التي احتضنت تونس قمة لها سنة 2005، في مواجهة احتكار السلطة للإعلام وتلجيمه. وقد أخرج حدث الثورة تونس إلى العالمية، وهي إلى الآن تحظى بصورة خارجية إيجابية، باعتبارها الاستثناء الديمقراطي العربي.

 

ثورة حقيقية توّيجت نضالات مريرة

لم تأت الثورة التونسية صدفة على غرار ما يحاول البعض تسويقه، بل كانت تتويجا لنضالات مريرة وتضحيات جسيمة خاضتها أجيال، بصرف النظر عن تعقيدات اليوميّات الحاسمة في الثورة والمتدخّلين فيها والفاعلين في نتائجها.

فقد انبنت دولة الاستقلال التي قادها الزعيم بورقيبة والدستوريون عامة، والتي حقّقت مكاسب هامّة بلا شكّ، على الإلحاق الثقافي والاستبداد والحكم الفردي والمركزية والتفاوت بين الجهات. وكانت تلك أهمّ عناوين معارضتها على مدى عقود، من قبل عائلات فكرية وسياسية مختلفة، ليتراكم النضال، حتَى كانت ثورة الحرية والكرامة سنة 2011.

وحين نجح معارضو نظام بن علي من مختلف اتجاهاتهم ومواقعهم في فضح استبداده وفساده، رغم ما كانت تبذله أبواقه من مال وجهود في تزيينه، فبات منبوذا في الداخل والخارج، واجتمعت كلمة المعارضة، أو كادت، رغم ما بينها من صراعات وما يخترقها من حسابات، حينها كان النصر.

ولولا دعم المعارضة واحتضانها للغضب الاجتماعي ولاحتجاجات الشباب، وانخراط المنظمات والجمعيات وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وحشد الدعم الإعلامي، ما كانت الانتفاضة الشعبية لتبلغ هدفها في إسقاط النظام.

فليست الثورة قرارا سياسيا لحزب معيّن أو جهة ما داخلية أو خارجية، ولا نزوة شخص أو أطراف، كما يُستشفّ ذلك من شهوات وتصريحات البعض أو تدويناتهم حول ما حصل في 2011 أو تطلعاتهم إلى ثورة جديدة خلال الفترة الأخيرة. بل الثورة مراكمة لوعي بالظلم والقمع، ولنضال متعدّد الأوجه والعناوين، وهي مرتبطة بتوفّر شروط تاريخية داخلية وخارجية، وبإرادة شعب مصمّم على الانعتاق ومتطلّع إلى الأفضل.

ولذلك أيضا نجزم بأنّ الثورة التونسية لم تكن صناعة خارجية، وإن استفادت من ظرف دولي مناسب. فقد بات معلوما أنّ حكم بن علي وفساد عائلته، خلقا خصومات وعداوات داخلية وخارجية، وباتا يهدّدان مستقبل تونس على أكثر من صعيد، فتمّ التخلّي عنهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم، أمام ثورة الشعب الهادرة، التي خُضّبت بدماء الشهداء رحمهم الله تعالى والجرحى الذين نخجل من عدم نشر قائمة رسمية في أسمائهم إلى اليوم.

 

الثورة فتحت أفقا جديدا.. لكن

كان من المؤمّل في ظلّ النهج السلمي للثورة التونسية، واستناد الانتقال الديمقراطي إلى الآليات الدستورية، أن تنفتح دولة الاستقلال على الطاقات التي عانت من الإقصاء والتهميش، وأن تسري دماء جديدة في الحكم مُشبعة بقيم الثورة ووفيّة لأهدافها، حتّى تصحّح الدولة مسارها دون قطيعة أو هزّات لا تتحمّلها، وحتّى تتكامل الأجيال وتلتقي مختلف العائلات الفكرية والسياسية على خدمة مصالح وطنية جامعة، وتتنافس الأحزاب، في إطار التعددية والشفافية، على البرامج والأشخاص التّي تؤمّن تلك المصالح، وأن ينتهي احتكار الدولة من طرف واحد لتكون جاذبة لأبنائها لا طاردة لهم. كما كان على الذين عملوا طويلا في مواجهة الدولة أن يندمجوا في مؤسساتها وأن يعملوا من داخلها. لكن ها نحن نستكمل السنة العاشرة للثورة دون أن يتحقّق الأمل.

فحزب حركة النهضة على سبيل المثال، الذي كان قمعه وحظره عنوان الاستبداد خلال العقود الأخيرة، لا يزال بعد تقدّمه في الانتخابات ومشاركته في الحكم بعد الثورة، يُتّهم بمحاولة “التسلّل لمفاصل الدولة” ويُعامل ككيان “غريب” بل ويطالب البعض بحلّه وحظره من جديد. واللافت أنّ هذا الخطاب الإقصائي لم يعد صوت يتامى النظام البائد، المعادين للثورة والديمقراطية، بل تسرّب لبعض الثورجيين ممّن تتعالى أصواتهم مزايدة في مقاومة الاستبداد والفساد. لنكتشف أنّ “الدولة الصلبة” تستعصي عن إدماج معارضيها السابقين. وأنّ دستور الجمهورية الثانية والمكاسب السياسية الهشّة للمرحلة الانتقالية، لم تؤمّن بعد، انتقالا ديمقراطيا مُطمئنا.

 

ثورة الشباب والجهات التي لم تنصفهم

لعل أهمّ مؤشر يبعث على القلق حول مستقبل ثورة كان للشباب دور واضح في إشعالها وانتصارها، أنّ نسبة التشاؤم بلغت مستويات عالية جدّا في صفوف الشباب خاصة، و لعل “غُربتهم” عن “الدولة الصلبة” التي تعكسها أغاني “الرّاب” المنتشرة بينهم، ومشاعر النقمة لديهم على وضع لا يملكون فيه ما يخافون على خسارته، وإقبالهم اللافت على “الحرقة” والمغامرة بحياتهم في البحر، أو حرق أجسادهم للتعبير عن اليأس أو محاولة إشعال نار الثورة مجددا، وغيرها من مؤشرات وصفّارات إنذار ورسائل دالّة عن تصادم مفاهيم “الدولة الصلبة” مع الأفكار والاتجاهات السائلة بين شباب جيل جديد لا يرى أنّ ثورة الحرية والكرامة قد أنصفته.

وليست نسب البطالة العالية في صفوف الشباب التي ازدادت مع الأزمة الاقتصادية وتداعيات جائحة كوفيد19، ما يزيد في تشاؤمهم، بل أيضا تهميشهم في الأحزاب السياسية وفي دولة ما بعد الثورة، التي أقبل قسم هام منهم على الانخراط فيها متفائلين، لكن سرعان ما تراجعت آمالهم ليفضّلوا الانسحاب منها بسرعة.

ومن جهة أخرى لم ينجح تغيير الحكومات الذي بات يمسّ من الاستقرار السياسي في حلّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وخلق الثروة وتحقيق التنمية وتحسين حياة التونسيين في الجهات الداخلية خاصة. وتلك من أهم أسباب عودة الاحتجاجات الاجتماعية الواسعة في الذكرى العاشرة.

 

مسار خاطئ وعجز واضح بعد الثورة

نجحنا خلال السنوات العشر في تجنيب بلادنا سيناريوهات الحرب والاقتتال والتدمير على غرار دول أخرى، وقطعنا خطوات هامة على طريق القطيعة مع الاستبداد وتعزيز الحريات والديمقراطية، عبر دستور توافقي يضمن الحقوق والحريات ويوزّع السلطة عموديا وأفقيا استبعادا للحكم الفردي والتهميش، ويرسي مؤسسات دستورية للرقابة والتعديل. كما نجحنا في دحر الإرهاب عن بلادنا بجيش وأمن جمهوريين، وفي توفير حدّ أدنى من الاستقرار السياسي وتأسيس مجتمع مدني نشيط وفاعل. وهذا ليس قليلا.

ولكن لن يضيرنا في شيء أن نعترف في المقابل بأننا كشفنا عن عجز واضح عن تحقيق أهداف أخرى للثورة في الكرامة والشغل والتوازن بين الجهات وإنصاف المظلومين وتحسين ظروف عيش الناس والارتقاء بالخدمات العامة في الصحة والتعليم والبنية الأساسية والبيئة وغيرها، وتحقيق الاستقرار والأمان وتحصين الوطن بالوحدة الوطنية ومنع الاختراقات الخارجية. وهذه مسائل حيوية لا يمكن تجاهل تداعياتها. ولا بدّ أن نقرّ بعد عشر سنوات من الثورة بأخطاء في المسار وبضعف الأداء بل بالعجز.

 

تجربة تونسية عصيّة

فشلت مخطّطات الإرهاب وسيناريوهات الإرباك والعنف والجريمة، واحترقت مراكب المتآمرين على بلادنا خلال السنوات التي خلت. ونرجّح أنّ سيناريو انقلابي محتمل بتونس لا حظوظ له في النجاح.

فإضافة إلى خصوصيات التجربة التونسية قبل الثورة وبعدها، وحسن أداء المؤسستين الأمنية والعسكرية، ترجّح اعتبارات إقليمية ودولية، حاجة جيران تونس إلى استقرارها، وحاجة شركائها الأوروبيين والأمريكيين إلى ذلك أيضا.

ويبقى صمام الأمان في حماية ثورة عمّدتها دماء الشهداء، هو إرادة المنحازين للثورة وتصميمهم على حمايتها مهما كانت التكلفة، مستفيدين من خبراتهم في مقارعة الاستبداد ومستثمرين في ثقافة الحرية والديمقراطية التي ساهموا في نشرها بعد الثورة.

 

لماذا نُبقي على تفاؤلنا بمستقبل أفضل؟

قد يستشعر البعض مصاعب الانتقال الديمقراطي وكلفته، فيستوحشون الطريق ويغلب عليهم التشاؤم. وقد يستعجل البعض النتائج الإيجابية والغنائم فيضيق صبرهم. وقد ينظر البعض لموازين القوى الدولية فيتسرب إليهم اليأس من كسب المعركة.

ولهؤلاء نهمس بأننا حين نستحضر مسيرة نهوض شعوب في كوريا والصين والبرتغال على سبيل المثال، كانت أوضاعها قريبة منا في ماضي الأعوام، أو حين نرى مؤخرا تغيّر أوضاع بلدان نحو الأفضل، على غرار أثيوبيا والصومال وروندا، وتحسّن معدلات التنمية بها، التي كانت بالأمس القريب أسوأ منا، عندها نستعيد الأمل والثقة بالنفس والمستقبل، وندرك أنّ النهوض بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية ليس من المحال. فبالمثال يتضح الحال كما يٌقال. وليس أخطر على الأفراد والشعوب من سريان الإحباط واستبداد اليأس بالنفوس.

ونحسب أنّ ما راكمته فترة ما بعد الثورة، من منسوب عال في حرية التعبير وتقاليد الاحتجاج ومطالبة بالحقوق الدستورية ومراقبة للمجتمع المدني وإيمان بقدرة الفعل الجماعي على التغيير، مؤشرات على ثقافة سياسية ومدنية لم نعهدها من قبل، وهي ضمان لنيل المنى في تحقيق أهداف الثورة وعدم الانتكاس. فرغم قتامة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تظلّ الحرية شرط لكلّ صلاح. ويظل الإصلاح ثورة متجدّدة. ولذلك نؤكّد في الذكرى العاشرة أننا منحازون للثورة عاملون على الإصلاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق