راي رئيسي

منظومة الفساد تنخر مفاصل الدولة وتهدد البلاد

(1)

صباح السبت الماضي، كان مدير صحيفتنا محمد الحمروني على موعد مسبق مع شخص ما. لم يخبرني عن هويته ولاعن مكان الموعد ولاعن موضوعه. اكتفى بدعوتي والدكتور محمد التومي للحضور ومشاركته.

الرجل كان هناك، انتبذ مكانا قصيا بأحد مقاهي شارع بورقيبة في انتظار وصولنا، وانبرى ينفث دخان سيجارته وكأنه يحمل على ظهره أوزار وهموم الدنيا.

جلسنا إليه، فطفق يحدثنا بلهجة متزنة واثقة عن ملفات فساد كبرى وخطيرة في إحدى الوزارات التي يعمل بها متفقدا، وبقطع النظر عن مضامين وعناوين الملفات التي حدثنا عنها، والتي نحتفظ بنسخ منها بالصحيفة، فإن الخطير في الأمر يتمثل في حجم التهديدات التي تعرض لها من قبل من لهم علاقة بتلك الملفات، وحجم التجاهل والتهوين الذي وجده من الوزير)ة( رغم مراسلات التذكير التي مدنا نسخ منها. والأخطر منه تعرضه للعنف الشديد من قبل نقابي بلطجي يشتغل بنفس الوزارة، يتقاضى مرتبا شهريا منها ولا يباشر عمله بها. تمت دعوته لمهمة خاصة من قبل لوبي الفساد تتمثل في تأديب المتفقد الذي تجرأ على كشف بعض الألاعيب وتهديده بالسجن.

صاحبنا، قدم قضية عدلية وإدارية مدعمة بشهائد طبية ضد المعتدي ولكن شيئا لم يحدث، ولم تنصفه عدالة القضاء ولا حرمة الموظف أثناء أداء واجبه المهني، فخير لسلامة حياته الدخول في إجازات مرضية حتى ينصفه القضاء، ولكنه بالمقابل لم يستسلم، وطرق كل الأبواب: أبواب القضاء والوزارة والنواب والسياسيين ووسائل الإعلام، واتصل بصاحب برنامج الحقائق الأربعة حمزة البلومي وسلمه نسخة من الملف فوعده بالتعاطي إيجابيا مع الملف وعرضه على الرأي العام ثم أخلف وعده.

بإصرار عجيب، وحرص، وثقة يتكلم صاحبنا عن الملف الذي سنأتي لعناوينه الكبرى، ويقول أن حجم الفساد وإهدار مصالح الناس هو ما دعاه للوقوف وحيدا ضد غول متجبر منظم ينشر ظلاله في الإدارة وفي أروقة المحاكم وفي وسائل الإعلام ولكنه مع ذلك يقول: “نحن ملاكة، ما ناش كراية فيها البلاد، ومستعدين نضربو على الدرابو حتى آخر لحظة في حياتنا”.

إنه منتهى الشعور بالوطنية، ومنتهى الإصرار على مقاومة سرطان الفساد الذي ينخر جسد البلاد، ومنتهى الحرص على أداء الرسالة، رسالة التبليغ وكشف الحقيقة والحرص على محاسبة الفاسدين رغم المخاطر المحدقة على السلامة الجسدية للمبلغ وعدم وجود أية ضمانات لعدم تعرضه لعقوبات إدارية.

حين نتصفح الملف نجد فيه عددا هاما من الوثائق التي تشكل كل واحدة منها بمفردها ملف فساد، أو لنقل شبهة فساد:

– إسناد خطة وظيفية وهمية لمدير جهوي بدون مقر لإدارة جهوية غير محدثة، دون إشهارها بالرائد الرسمي مع تمتيع المعني بالأمر بمنحة السكن ومنحة المسؤولية وكنشات الأكل و400 لتر من البنزين وسيارة إدارية ومعين كراء المقر الإداري الوهمي، وعدم تسويغ مقر للإدارة الجهوية المعنية لمدة سنتين ونصف )من جويلية 2018 إلى جانفي 2021).

– استعمال سيارات إدارية واستغلالها للمصلحة الخاصة وتدليس أذون بمهمة تتعلق بها وتكليف عمال بمهام قضاء شؤون عائلية خاصة بواسطة تلك السيارات أثناء أوقات العمل

– وجود تلاعب في السجل العقاري وذلك بتسجيل ترسيمات وهمية لعقارات على ملك الدولة لفائدة أشخاص تفوق قيمتها المالية 10 مليارات

– شطب اسم شخص من ضمن قائمة ورثة قطعة أرض بجرة قلم جاف من الرسم العقاري الخاص بها شطبا واضحا بينا لا يمكن توصيفه إلا بأنه تدليس لوثيقة رسمية بغاية حرمان وريث واستثناؤه من جملة الورثة من حقه الشرعي في الميراث.

 

(2)

صباح الاثنين، كنت بصدد متابعة برنامج أحلى صباح براديو موزاييك أف أم حين تحدث المنشط بقسم الرياضة إسكندر إبراهيم لمقدم البرنامج أمين قارة عن حوار دار بينه وبين مراسل الإذاعة بالقيروان قبيل لحظات من انطلاق المباراة التي جمعت الشبيبة ببن قردان، ومضمون الحوار أن المباراة تدور في أجواء عادية غير متشنجة رغم تأكد نزول شبيبة القيروان إلى الرابطة المحترفة الثانية بصفة مبكرة، وأن حديثا متواترا مفاده أن المقابلة ستنتهي بنتيجة 3 مقابل 1 لفائدة الضيوف وهو ما حصل فعلا على الميدان. والحقيقة أن هذا الموضوع ليس جديدا في ساحتنا الرياضية، ولكن الغريب أن تتطابق نتيجة المباراة مع نتيجة معلومة من قبل القاصي والداني قبل يومين مما يجعل المضاربين وهواة الرهان الرياضي يضاعفون في مثل هذه الحالات من المبالغ التي يراهنون بها وهو أمر جد خطير باعتباره يرقى إلى أن يوصف بجريمة فساد.

وفي هذا السياق قرر المكتب الجامعي خلال اجتماع استعجالي عقد للغرض عبر تقنية التواصل عن بعد إحالة ملف المباراة الى لجنة الأخلاقيات بالجامعة التونسية لكرة القدم لاتخاذ ما يتعين من إجراءات ردعية بناء على الفصول ذات العلاقة والواردة في مجلة أخلاقيات الفيفا إلى جانب مراسلة مؤسسات الدولة المعنية للتثبت من هوية الشركات المخول لها قانونا تعاطي أنشطة الرهان الرياضي مع المطالبة بالتدخل السريع لهيكلة هذا القطاع الذي ما فتئ يتوسع بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة ومراقبته، كما تقرر أمام الارتفاع السريع لعدد المواقع والشركات التي أصبحت مختصة في الرهان الرياضي دون أن يكون للجامعة أي علاقة بها، مراسلة الاتحاد الدولي لكرة القدم بهذا الموضوع لمؤازرة جهودها لمقاومة هذه الظاهرة مؤكدة في البلاغ ذاته أنّها اتخذت كل الإجراءات الردعية الضرورية طبقا للقوانين الرياضية لكل لاعب أو مسؤول أي كان حجمه أو مسؤوليته ثبت انخراطه بشكل مباشر أو غير مباشرة في رهان يتعلق بمباراة رياضية سواء كان ذلك عبر مواقع أو شركات تونسية أو أجنبية

ودعت الجامعة التونسية لكرة القدم شركتي رهان رياضي إلى التعاون معها ومع الهياكل المختصة لمدها بالمعطيات التي بحوزتهما للتثبت من إمكانية مشاركة مباشرة أو غير مباشرة من لاعبي فريقي شبيبة القيروان واتحاد بن قردان داعية النيابة العمومية للتعهد بهذا الموضوع من كل جوانبه. وتأتي هذه الدعوة بعد قرار الشركتين إلغاء الرهان الخاص بهذه المباراة بسبب شبهة التلاعب بنتيجتها.

كما أكد الفاضل شاهر رئيس لجنة كرة القدم في الشبيبة القيروانية في تصريح أنه تلقى اتصالات هاتفية منذ صباح المباراة حول شبهة تلاعب بنتيجتها قائلا: “أعلمت اللاعبين ورئيس الجمعية بالخبر قبل المباراة ودعوتهم إلى عدم العبث بسمعة النادي” متابعا: “لقد وضعت اللاعبين أمام الأمر الواقع قبل المباراة كما أعلمت مراقب المباراة وطلبت من الجامعة فتح تحقيق عن طريق المراقب” ومؤكدا أن الحكم أخبر أحد اللاعبين خلال المباراة بأنها ستنتهي بثلاثة أهداف لهدف واحد مضيفاً أن هناك لاعبين أكدوا أنهم مستعدون لتقديم شهادتهم حول موضوع التلاعب بنتيجة المباراة.

 

(3)

صور الفساد والتلاعب لم تبق في هذه البلاد ولم تذر، اجتاحت كل المجلات وباتت تسري فيها سريان الدم في الجسد، بات الفساد ينخر كل المجالات مستغلا استضعاف الدولة وحلة التهارج السياسي الذي افقد البلاد استقرارها.

صفقات بالمليارات تسند في بلادنا وفق الولاءات، شروطها تضبط وفق المقاس، لمؤسسات وشركات ومقاولات بعينها ومتنفذين بأعينهم.

إدارات تحدث خصيصا لمصلحة بعض الأشخاص حتى يتمتعوا بامتيازات، وسيارة إدارية ووصولات بنزين ومسكن إداري ومنح وظيفية، وهم في النهاية “يبروطون” ولا يقدمون شيئا مقابل امتيازاتهم.

مناظرات تنتظم والناجحون فيها معلومون قبل إجرائها. شارك أو لا تشارك، تفوق أولا تتفوق، أجب باقتدار عن كل الأسئلة أو اصمت ولا تجب بتاتا فلاحظ لك فيها. النتيجة جاهزة ومؤشرة وموزعة توزيعا عادلا بين الإدارة والنقابة تشمل أبناءهم وأصدقاءهم ومن تربطهم بهم مصالح مادية أو من دفعوا ثمنا للانتداب آلاف الدينارات.

عمليات جراحية تجرى بالمستشفيات العمومية بآلاف الدينارات يدفعها مرضى تذهب إلى جيوب أطباء فاسدين دون موعد مسبق بوسائل المجموعة الوطنية دون أن تمر على مكاتب التسجيل ولا على سجلات المرضى.

محامون فاسدون يبيعون ملفات ووثائق موكليهم لخصومهم يفقدونهم كل حججهم وكل حظوظ لهم في الحصول على حقوقهم.

كلها مظاهر غير خافية لفساد يشمل جرائم الرشوة بجميع أشكالها في القطاعين العام والخاص والاستيلاء على الأموال العمومية وسوء التصرف فيها أو تبديدها واستغلال النفوذ وتجاوز السلطة أو سوء استعمالها والإثراء غير المشروع وخيانة الأمانة وسوء استخدام أموال الذوات المعنوية وغسل الأموال.

ولمعالجة أشكال الفساد ينبغي على الحكومة التونسية:

– إنفاذ القوانين القائمة بدءاً من تطبيق قانون التصريح بالممتلكات.

– إشراك منظمات المجتمع المدني في عملية صياغة وتطبيق إجراءات مكافحة الفساد لضمان أن تحظى الإصلاحات بالمقبولية الشعبية.

– إعطاء الأولوية لإنشاء محكمة دستورية، وضمان استقلال القطب القضائي الاقتصادي والمالي المكلَّف بالبحث والتتبّع والتحقيق والحكم في قضايا الفساد.

– إعطاء الأولوية لتمويل هيئات مكافحة الفساد في تونس، من ضمنها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والقطب القضائي الاقتصادي والمالي، ومنظمات المجتمع المدني الرقابية.

– مواصلة العمل على تعزيز ودعم المجتمع المدني، وضمان حفاظ تونس على حرية وسائل الإعلام.

– مساءلة الدولة حينما تقصّر في جهود مكافحة الفساد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق