راي رئيسي

من تجربتي في رئاسة لجنة إدارة الأزمة السياسية

أدرت مؤقتا صلب حركة النهضة، مع أعضاء اللجنة الذين تشرّفت بالعمل معهم، الأزمة السياسية بعد القرارات الرئاسية لمساء 25 جويلية حتى استدارت الأزمة كليا يوم 22 سبتمبر، ثم جاءت استقالتي من رئاسة اللجنة يوم 25 من الشهر نفسه. فقد اكتملت دورة الانقلاب، من خلاف حول الفصل 80 إلى تعليق فعلي وكلي للدستور. كما استدارت المواقف السياسية كليا أيضا، من تفهّم الأغلبية للإجراءات الرئاسية، إلى التقاء موضوعي واسع في رفض تعليق الدستور والاتجاه إلى الحكم الفردي المطلق. وحين اكتملت الدورة وتغيّر السياقان الوطني والحزبي جوهريا. فسدّ الرئيس قيس سعيد كليا أبواب الحوار أمام الجميع، واتجهت حركة النهضة إلى الانخراط في التحرّكات الميدانية والضغط السياسي مع بقية المكوّنات، من أجل وضع تونس مجدّدا على سكة الديمقراطية، قدّرنا أنّ مبادرة إدارة الأزمة السياسية فقدت مبرّراتها فكان قرار الاستقالة من رئاستها، بما يعني فعليا توقّف العمل بها. ويهمّني من جهة المسؤولية وحرصا على إحاطة الرأي العام والمتابعين خاصة، أن أضع بين أيديكم أهمّ الاستخلاصات والملاحظات من تجربتي في رئاسة لجنة إدارة الأزمة السياسية لحركة النهضة.

1 ـ تمّ الإعلان عن تكوين لجنة لإدارة الأزمة السياسية صلب حركة النهضة في بيان لها بتاريخ 12 أوت 2021. وقد ضبط البيان الأرضية السياسية التي ستعمل اللجنة في إطارها، بما يشبه التعاقد السياسي المعلن. فبتشكيل هذه اللجنة انتقلت حركة النهضة من التعبير عن الموقف المبدئي مما حصل مساء 25 جويلية 2021، والذي وصفته منذ الساعات الأولى بالخرق الجسيم للدستور والانقلاب على المسار الديمقراطي، إلى إدارة وضع جديد، يلقى قبولا شعبيا نسبيا واحتضانا من أجهزة الدولة وبعض النخب.

وممّا جاء في ذلك البيان أنّ “حركة النهضة لن تتأخر في دعم أية توجهات رئاسية تحترم الدستور وترى فيها مصلحة عامة وستعمل على إنجاحها.” وأنّها ستكون “مرنة في البحث عن أفضل الصيغ لإدارة البرلمان وضبط أولوياته وتحسين أدائه، حتى يستأنف أدواره قريبا ويسهم في إعداد البلاد إلى انتخابات مبكرة تعيد الأمانة للشعب صاحب السيادة، وحتى تظلّ الانتخابات النزيهة الأساس الوحيد للشرعية السياسية”. وأنّ اللجنة “تبحث حن حلول وتفاهمات تجنب البلاد الأسوأ وتعيدها إلى الوضع المؤسساتي الطبيعي.” وهي “ذات تفويض حصري في الملف”.

وكان واضحا أنّ مهمة اللجنة تنصرف إلى معالجة الأزمة خارج الحزب وليس داخله. إذ هي ذات صلة بقصر قرطاج مركز السلطة الجديدة، وبعموم المنتظم السياسي بجميع مكوّناته الحزبية وغيرها. وهي تحمل “رسالة نوايا حسنة” من حركة النهضة إلى مختلف الأطراف بعد زلزال 25 جويلية، وتتوسّل الحوار سبيلا لبناء الثقة والوصول إلى تفاهمات مرضية، تستفيد من أخطاء الماضي وتأخذ بمتطلبات المرحلة الجديدة من أجل استئناف المسار الديمقراطي المعطّل وتصحيحه.

2 ـ ضبطت اللجنة قائمة موسّعة ومتنوعة من الشخصيات للاتصال بها، واختارت التكتّم عن تفاصيل اللقاءات، الذي يقتضيه مثل هذا الدور. وقد وجدت الترحيب من كافة من تمّ طلب اللقاء بهم دون استثناء. سواء من قادة الأحزاب أو رؤساء المنظمات الوطنية أو الشخصيات الوطنية السياسية والفكرية والحقوقية والإعلامية وغيرها. وكانت محصّلات عشرات اللقاءات واستخلاصاتها مفيدة جدّا في فهم ما حصل واستشراف المستقبل وحسن التعاطي مع التغيّرات. وقد سجّلت اللجنة بارتياح الأثر الإيجابي لخيار حركة النهضة في التهدئة واجتناب الاستقطاب واستبعاد المواجهة في ترشيد خطابها وسلوكها السياسيّ وتجنيب بلادنا الأسوأ بعد قرارات 25 جويلية، وتهيّؤ المجتمع تدريجيا، وبلوغه وضع أفضل في معالجة الأزمة السياسية التي تفاقمت بعد خطاب الرئيس سعيد في سيدي بوزيد وإصداره الأمر الرئاسي عدد 117 يوم 22 سبتمبر 2021. فقد رجحت كفّة المعارضين للرئيس قيس سعيد بعد 22 سبتمبر خلافا لما كان عليه الحال يوم 25 جويلية. وصار الالتقاء الموضوعي في الموقف واسعا، بين حركة النهضة وغالب الطيف السياسي.

3 ـ بناء على التغيّر الجوهري المسجّل في المشهد السياسي الوطني بعد الأمر الرئاسي عدد 117 بما مثله من تعليق فعلي لدستور الجمهورية وتعويض له بتنظيم مؤقت للسلطات. ممّا يضيف إلى أزمات البلاد المعقدة أزمة شرعية الحكم. وما يؤكده ذلك من نزوع واضح نحو حكم فردي مطلق وانقلاب سافر على الشرعية الديمقراطية وعلى مبادئ الثورة التونسية وقيمها. وما يقود إليه هذا التوجه من غلق رئيس الجمهورية فعليا وكليا لأبواب الحوار مع جميع المخالفين له، ويدفع بالبلاد إلى منطقة مخاطر عالية غير مسبوقة في تاريخ تونس.

واعتبارا لما استدعاه هذا التغيّر الموضوعي الجوهري في الواقع الوطني من مراجعة لسياسة حركة النهضة في التفاعل مع المستجدات باتجاه دعوة “كل القوى الحية السياسية والاجتماعية والمواطنية والشخصيات الوطنية المستقلة لتوحيد الصف والتعالي عن الخلافات للدفاع عن قيم الجمهورية والديمقراطية وحماية البلاد من أخطار هذا التمشي”. وانخراط الحركة “في نضالات سلمية لا تفتُر ولا تستسلم، تستعيد حرياتهم، وتضع تونس مجددا على سكة الديمقراطية، هم جديرون بها، وفاء لدماء الشهداء.” كما ورد ببيان المكتب التنفيذي الأخير بتاريخ 23 سبتمبر 2021.

فإنّ السياقين الوطني والحزبي مجتمعين ينهيان فعليا مهمة لجنة إدارة الأزمة السياسية لحركة النهضة، التي تشرفت بتكليفي برئاستها. ولذلك توجهت يوم 25 سبتمبر برسالة إلى السيد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، جددت له فيها الشكر على الثقة بشخصي وبالفريق الذي اقترحته لعضويتها، وما وجدناه منه من تعاون وتشجيع، واستعفيت من هذه المهمة.

4 ـ لا أتردّد في تحميل المسؤولية الرئيسية في إفشال مبادرة إدارة الأزمة السياسية، ومبادرات أخرى، للرئيس قيس سعيد بسدّه أبواب الحوار المتأكّد. كما أحمّله مسؤولية تهديد الوحدة الوطنية، وهو رمز وحدة الدولة بمقتضى الدستور. فالمعجم الحربي في خطابات رئيس الجمهورية المتكرّرة، وإمعانه في نعت مخالفيه بالأوصاف بالغة الإساءة، ووصمهم أصلا بـ “العمالة” و”الخيانة” و”الفساد” وغيرها، حين تضاف إلى رفضه المستمر للحوار، مؤشرات بالغة الخطورة في استشراف مستقبل المشهد السياسي الوطني. فرسائل العنف اللفظي والمادي في خطابات رئيس الجمهورية وسلوكه السياسي، لا يختلف المتابعون في عواقبها الخطيرة عاجلا ومستقبلا.

كما أنّ “الاستئمان الرباني” و”الطهورية” والتماهي مع “الإرادة الشعبية” في خطاب رئيس الجمهورية وسلوكه السياسي عناوين خطيرة لا تبرّر الانفراد بـ “الإنقاذ” و”الإصلاح” و”التصحيح”، بل مؤشرات على دكتاتورية غير خافية، كشفها الأمر الرئاسي عدد 117 الذي وضع السلطات جميعا في يد الحاكم الفرد الذي لا تقبل مراسيمه الطعن ويستحوذ على أهم الاختصاصات التشريعية والتنفيذية ويمتدّ نفوذه إلى السلطة القضائية. وهذا وضع لن تقبل به النخب التونسية المناضلة ضدّ الاستبداد في العهدين البورقيبي والنوفمبري. كما لن تقبل به الأجيال الجديدة التي تنفّست الحرية والديمقراطية بعد ثورة 2011. وليست وقفتا 18 و26 سبتمبر دفاعا عن الديمقراطية ورفضا للانقلاب سوى بدايات على طريق استئناف المسار الديمقراطي الذي لن يستمر معطّلا طويلا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق