الافتتاحية

من تجفيف المنابع إلى تجريف القيم..
ارتفاع نسبة الجرائم والجرائم الخطرة .. بين تطبيق عقوبة الإعدام والبحث عن منوال تربوي/ثقافي جديد

في انتظار نتائج التحقيقات في حادثة “الاعتداء” التي تعرّض لها النائب عن محمد موحى، وفي انتظار أن تتخذ الجهات الرسمية المسؤولة عن الأمن في البلاد الإجراءات المطلوبة، فإن محاولة الاغتيال التي تعرّض لها النائب، تضعنا على أعتاب مرحلة جديدة من العنف الأهوج.. الذي يهدد أمن البلاد واستقرارها..

عنف صادم، حدّ الفجيعة، كتلك التي وقعت مؤخرا ما بين عين زغوان والمرسى وراحت ضحيتها فتاة في مقتل العمر، بشكل وحشي لم نعهد له مثيلا في بلادنا.

حالات تتكرّر يوميا في أحيائنا وفي مدننا ويذهب ضحيتها أبرياء من أبناء هذا الوطن، وباتت تؤرق المواطن وتمثل هاجسا للتونسيين وتلقي بظلال من الخوف على البلاد، دون أن تقدر الجهات المعنية على وضع حدّ لها.

البعض سارع للمطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام، سواء في جرائم القتل أو “البراكاجات” أو في حالات الاغتصاب.. فيما سارع رئيس الجمهورية إلى الدعوة للانعقاد مجلس الأمن القومي بعد فترة من الغياب..  وهي في اعتقادي ردّة فعل انفعالية آنية، لن تنجح في معالجة المشكلة من جذورها..

لأن هذا العنف الشديد المصاحب للجرائم التي قد تصل للقتل من أجل سيجارة، بدأ يتحوّل من حالات معزولة إلى ما يشبه النسق الثقافي العام القائم على البلطجة.. ومنطق القوّة والتمرّد على الدولة وعلى القانون وعلى كل الضوابط الأخلاقية والدينية..

وهو منطق وثقافة بدأت تتفشى ونلمس جذورها في الغرباء الذين يتسلّطون على الشوارع والشواطئ وكل الفضاء العام ويفرضون أتاوات على المواطنين..  وفي طريقة التونسي في قيادة السيارة وفي طريقة الكلام والعنف اللفظي الذي يملأ الساحات.. وخاصة الفضاء الإعلامي والسياسي الذي بات محكوما بخطابات التنافي والإقصاء..

هذه الحال هي نتيجة لعوامل عدّة متداخلة ولا يمكن معالجتها أو التعامل معها بشكل قانوني أو أمني صرف.. صحيح أن الردع يجب أن يكون جزءا رئيسيا من العلاج، ولكنه ليس كل العلاج.. فالأزمة أعمق بذلك بكثير إنها أزمة القيمة والمعنى وأزمة الأخلاق والتربية قبل أن تكون أزمة قانون أو دستور..

الذين يريدون الهروب من أصل المشكلة يدفعون إلى معالجات موضعية أمنية أو قضائية، رغم أن الجميع يعلم أن لا السجن ولا حتى الإعدام نجح في أي بلد من بلدان العالم في الحدّ من العنف والجريمة.. وحدها منظومات القيم والتنشئة السليمة وإعادة الاعتبار لدور الأسرة وللمربّي ولقيمة العلّم والتعلّم هي التي يمكن أن تحدّ من هذه الظواهر ..

صحيح أن الأوضاع الاجتماعية الصعبة والتي زادتها بعض الأطراف في بلادنا صعوبة، تلعب دورا في ارتفاع نسب الجريمة، ولكن هذا المعطى لا يمكن أن يفسر أو يشرح لوحده ارتفاع بعض مظاهر الانحراف في بلادنا، ولا يمكن بالتالي بناء مشاريع حلول على هذا المعطى فقط ..

للأسف أن جزءا من النخب السياسية في بلادنا استثمر في تجريف القيمة وتمييع المعنى، واختزال الفرد التونسي في مجموعة من الغرائز التي تطلب الإشباع.. وهم يتوهّمون أنهم بذلك يجففون منابع خصومهم.. ولكنهم يجففون منابع الخير والصدق والأخلاق في البلد، حتى عمّ الخراب القيمي والأخلاقي وباتت تداعياته تهدّد الجميع..

جزء من الاشتغال الاعلامي والتربوي والسياسي كان منذ سنوات يعمل بشكل منسجم تماما في إطار نسق حثيث لنشر ثقافة “الهشّك بشك” وثقافة التفاهة والابتذال والاشتغال على الغرائز وترذيل القيم، وتمت في سبيل ذلك صناعة العديد من الرموز أو المثل العليا (idols) لهذا الشباب وهي رموز تنحدر كلها من عالم الجريمة والمخدرات.. فبمن يقتدي شبابنا اليوم؟

بالممثلين كأولاد مفيدة والمشوهين أخلاقيا ومن على شاكلتهم، وبالذين يدعون أنهم فنانين، وهم في الحقيقة مروجون للفحش باسم الفن ولـ “الزطلة” باسم الحريّة..

في أحسن الحالات تجد أن المثل التي يقتدي بها شبابنا لاعبي كرة القدم والمنحرفين أو الذين تعلّقت بهم جرائم حقّ عام كالعنف والمخدّرات..

فإذا اجتمع كل ذلك مع الرفع من قيمة المظهر على الجوهر، وأصبح شعار “معاك دينار تسوى دينار” هو المعيار الذي يعير به الفرد في بلادنا، مع التشجيع المستمر على الكسب السهل، والسريع، فلا غرابة حينها أن تصبح أقصى أحلام شبابنا لاعب كرة قدم أو الحرقة..

تونس تدفع اليوم ثمن سياسات حمقاء، تم الاستثمار فيها منذ 1991 في إطار سياسة تجفيف المنابع، وفي إطار هذه السياسة ضرب كل خلق نبيل وأصبحت التربية والأخلاق معرّة، وأصبح “تدبير الراس” و”الفهولة” و”القلبة” والرشوة وغيرها من المظاهر الاجتماعية السيئة، علامة على أن صاحبها “قافز” بل أنها باتت تعطي صاحبها مقبولية اجتماعية وكأننا أمام تجسيد لقوله (ص) يصبح المعروف منكرا والمنكر معروفا..

هذه السياسات، ولأسباب معقّدة جدّا، وبدل أن تختفي بعد الثورة، تمّ تعميقها وتمّ الاشتغال عليها أكثر، وزادت بعض الفضائيات في وقاحتها وهي تتعامل مع هذه القضايا، حتى باتت البعض منها تسمي نفسها بـ “قناة العايلة” تمييزا لها عن قنوات أخرى ..فاضحة..

هذا الأمر يجعل من معالجة مشكل الجريمة أكبر من أن يحل بالمعالجة الأمنية والقضائية، فقط رغم أنّها هامة وضروريّة، ولا بدّ من التفكير في بناء نسق ثقافي/تربوي جديد، يقطع مع مشاريع تجفيف المنابع، ويعيد الاعتبار لقيم الاحترام والحشمة، وللنسق العام القائم على هوية هذه البلد.. حتى لا تعود الصلاة جريمة، ويصبح المصلّي مشتبه به.. وحتى لا تتحوّل صلاة الفجر إلى دليل إدانة يسجل في محاضر التحقيق، ولا يصبح التونسي الزيتوني الأصيل متهم بالتخلف والرجعية وربما الإرهاب.

نحن بحاجة إلى نسق ثقافي تربوي سياسي منفتح على العصر، متصالح مع هويته، بما يمكن من بناء إنسان تونسي أصيل وجديد، يقطع مع الاستيلاب الحضاري، واضطراب (الهوية الهشة المنكسرة) على رأي ادوارد سعيد.. التي عبّر عنها في سياق حديثه عن بحث المجتمعات عن خلاصها الفردي أو الجماعي.. وهي تسافر (مثله) عبر الزمن في رحلة البحث عن الذات.

كان يفترض في الثورة أن تكون بداية لهذه الرحلة، ومنطلقا لهذه المصالحة التاريخية بين الشاب التونسي وهويته وتاريخه على غرار المصالحات الكبرى الأخرى، ولكن للأسف هناك من عمل على العكس من ذلك أي على تجذير هذه القطيعة والإمعان في الاستيلاب، في تواصل لنفس السياسات التي كانت قبل الثورة..

حتى باتت المخدّرات تقريبا مسموحا بها، رغم أن الاحصائيات كلّها تشير إلى أن نسبة لا بأس بها من الجرائم وحوادث الطرقات التي تشهدها بلادنا وقعت تحت تأثير المخدرات أو الكحول..

فمن يجرأ اليوم على أن يصدح بأن الخمر والمخدّرات هي أم الخبائث.. وأن جل ما نشاهده في شاشاتنا يمثل دافعا كبيرا للجريمة؟ وأن أيّ معالجة لمثل هذه المشاكل يجب أن تبدأ من هنا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق