راي رئيسي

نبيل القروي: الهارب من ظله إلى حقيقته !

لم يكن صادما ولا مفاجأ أن يغادر نبيل القروي إلى وجهة غير معلومة، بعد 25 جويلية، فمشروعية خطوة الرئيس تتكثف عند مطاردة ومحاسبة الفاسدين. والقروي مصنف حقيقة أو ظلما ضمن قائمة بارونات الفساد. لذلك كان من الطبيعي ومن غير المدهش أن يختفي القروي الخارج لتوه من السجن، أو أن يهرب ويغادر البلاد.

نبيل القروي صاحب الفضل في مرور سعيّد إلى قرطاج بنسبة تاريخية، فأغلب من صوت لسعيّد في الدور الثاني، لم يصوت في الحقيقة لرئيس الحالي بل عاقب “العميل والفاسد والمتحيل” القروي.

نبيل القروي رئيس الحزب الثاني في البلاد وصاحب الكتلة الثانية في البرلمان نموذج السياسي الجديد الذي نط دون مقدّمات من عالم الاعمال إلى عالم السياسة.

قبله كانت القصة الحزينة لسليم الرياحي الذي انتهت مغامرته بهروبه ملاحقا بأحكام قضائية سالبة للحرية، وقبله أيضا في الخارج كان صديقه برلسكوني قد مرّ من قصور الحكم إلى زنازين السجون.

القروي عند أوّل امتحان في معركة سياسية تتصل بالمصير العام، فرّ من الميدان ودالته خلاصه الفردي. ترك بصفاقة حزبه ورفاقه واسمه السياسي وراءه، وفرّ وشقيقه النائب في البرلمان عن حزبه خلسة إلى الجزائر.

هذه فكرة غير مركبة ومباشرة انطبعت عند الرأي العام في اليومين الماضيين.

مقاربة أخرى أكثر تركيبا وربما تعقيدا ممكنة لحالة القروي نحاول أن نرصد مقدّماتها وما يستتبع منها، بطرح السؤال التالي:

هل يمكن لفاعل السوق أن ينتقل من عمق عالم السلطة (السوق) إلى سطح عالم الحكم دون أن تنقطع أنفاسه في رحلة صعوده من قاع المياه العميقة إلى سطح السواحل.

هذا التمرين تشهد الشواهد في الديمقراطيات العريقة والأقلّ رسوخا أنّه كان قاسيا على كل من أغرته لعبة دمج سلطة الدينار في سلطة الحكم، لنتذكر الحريري في لبنان ولنستحضر برلسكوني في إيطاليا، وترامب في أمريكا. والأمثلة هنا وهناك عديدة، وكلها أو جلّها تكثف خلاصة تقول أن الانتقال من عالم الأعمال ولوبيات المال، وجماعات الضغط الخفية المتخفية، إلى عالم الحكم وإدارة الشأن العام، خطأ منهجي عميق، غالبا ما يتحوّل إلى فخ أو بالتحديد إلى لغم قاتل.

حالة نبيل القروي – كما حالة الرياحي قبله – لم تشذ عن القاعدة، فجوهر النظام الديمقراطي، ومن تحته النصاب الليبرالي يتكثف عند نقطة خروج الدولة من السوق لصالح المستثمر والمبادرة الفردية، فالسلطة للسوق، والحكم للسياسي “الكمبارس”، وبوصول الليبرالية إلى مراحلها العليا وما بعدياتها، منذ عقدين أو يزيد تعمّقت طوبولوجيا أو نموذج، الجدل بين مجتمع السلطة الخفي أو المتخفي وبين عالم الحكم الظاهر، في علاقة تكاد تكون ميكانيكية وبسيطة جوهرها، خروج السياسي من حيز التحكّم في صناعة المصير العام، إلى مربّع المتصرّف في الموجود، فماتت فكرة التغيير وأحلام السرديّات والأفكار الكبرى وكفّت السياسة على انتاج المعنى والدلالة والأحلام العامة بالمجد الوطني والتحرّر والعدالة. لتتحوّل إلى روتين تقني، تتداول على مربعها وجوه إدارية باردة وصفراء، لا أثر لألق القيمة والمعنى على جباهها المسطحة.

لا أدري إن كان الجوع المتوّحش للسلطة، ما يدفع رجل الدولة العميقة إلى الطموح المكلف بجمع سلطة الدينار إلى رفاهة الحكم، ولكن الأكيد أن هذه الفكرة تفتح آفاقا أخرى في فهم وتحليل حالة القروي التي تبدو من الطرافة والشذوذ ما يستثير التفكير في هذه الظاهرة التي احسب أنّها ستتكرّر مع تقدّم ديمقراطيتنا في مسار تجذّرها التاريخي والسياسي في تربتنا الساخنة.

هروب القروي من زاوية أخلاقية تنصلا من المسؤولية يحيل على “جبن رأس المال” ، ويكشف مدى هشاشة الجيل الجديد من النخب السياسية التي تمكنت باستعمال المباح وغير المباح لتصدّر المشهد.

أمّا سياسيا فيحيل هروبه على حقيقة مفزعة للمستبشر بدخولنا عالم الحداثة السياسية ونادي الديمقراطيات، تقول في ما تقول أنّنا عجزنا كنخب ومن مختلف مواقعنا على انتاج الحيز السياسي، والمقصود ذلك الفضاء المعني بموضوع الحكم مباشرة، والذي تحتله الأحزاب وعلى أطرافه “حفنة” من المستقلين.

نستحضر هنا قائمة البؤس، وسوء الحظ من الجمهوري والتكتل والمؤتمر، والعريضة، ثم النداء، وأخيرا قلب تونس، كلّها طحنت بين حجريّ الرحى وبسرعة برق، ماتت من أول جرعة من كأس الديمقراطية.

وعلى مراقص الجثث المتناثرة على حدود الحيز السياسي، ولدت الشعبويات المرحة، واحتلت الفضاء العام مع انتخابات 2019، لتنتهي بالانقلاب على الواجد الدستوري والموجود السياسي، وشعارها المخاتل: تصحيح المسار.

هشاشة البنية الثقافية والسوسيولوجية والهيكلية لديمقراطيتنا الوليدة تتكثف عند المسلك الطفولي الجبان الذي اختاره رئيس الحزب الثاني في البلاد لمواجهة زلزال هدم المعبد الذي تباشره الشعبوية هذه الأيّام.

نبيل القروي باجتيازه بليل للحدود خلسة، يعرف أنّه وقّع شهادة نهايته السياسية، رغم أن بقايا أبواقه تبرّر له ما اقترفه بدعوى أنّه خرج ليقود المعارضة بالخارج. وأنّ وضعه الخاص كمستهدف رئيسي وربما شخصي من الرئيس تبرّر هروبه.

الحقيقة الوطنية المرّة التي ما يجب أن تغيب في هذا السياق أن عبث الشعبوية يجب أن يواجه بكلفة التاريخ وثمن السياسة، وأن الفرار من المعركة خدمة مجانية ذليلة للشعبوية السائبة، وأن المتصدّر للشأن العام مسؤولية أخلاقية لا يتحمّل وزرها من نط لعالم السياسة من شباك الدينار الذهبي، ليراقص حلمه الفردي، وتهويماته النرجسية، في ملاهي المقامرة بأحلام الناس، ومصير الشعوب.

شكرا 25 جويلية … مازلنا في بداية عدّ ما أهديتنا من حزمة حقائقنا المرّة.

و.. الله يرحم خليل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق