أهم الأحداثاخر الأخبارراي رئيسيوطني

نحن وليبيا..لا فرق بين الغنوشي وسعيد

الحرب هناك وتدليس الموقف هنا

هاجت الساحة التونسية وماجت على وقع المكالمة الهاتفية التي هنأ فيهارئيس البرلمان السيدفايز السراج رئيس مجلس الحكم الانتقالي المعترف به دوليّا بُعيد تمكّن قواته من افتكاكقاعدة الوطية.

وتراوحت ردود الأفعال بين المعاتب للغنوشي الذي تدخّل في نظرهم في ما لا يعنيه، وبين متهم للرجل بالاصطفاف وراء أجندة الانتماء الإيديولوجي الإخواني،وبين مجرّم لرئيس البرلمان، ومطالب له بالوقوف أمام النواب للمحاسبة والمسائلة على “جريمة المكالمة” الشهيرة. وقد وصل احتجاج زعيمة حزب الدستور المعادي للإسلاميبن والثورةحدّالمطالبة بإقالة الغنوشي والدعوة لإسقاط البرلمان، ومحاكمة رئيسه بتهمة التخابر والخيانة الوطنية، بما يذكّرنا بقصة مرسي مع حماس.

رئيس الدولةفي معايدته الشاذّة للشعب التونسي ليلة عيد الفطر نبّه جهات دون أن يذكرهابلهجة تحذير حادّةأنّه هو الرئيس ولا رئيسا سواه رغم علمه وهو أستاذ مساعد لمادة القانون الدستوري أنّ نظامنا السياسي نظام برلماني معدّل بثلاثة رؤوس. ورغم أنّنا لم نسمع قبل الخطاب من يشكك في صلوحياتهومنها السياسة الخارجيّة. ورغم علمه ويقينه أن دعم الشرعية المعترف بها دوليا من ثوابت سياستنا الخارجية !

معلومأن ديمقراطيتنا الناشئة مازالت تتدرّب على إدارة الصراع الحزبي السويويواكب ذلك الامتحان التاريخي والشاق والصعب حالات ارتباك وأخطاء تصل حد الشذوذ. ومن بين مظاهر الشذوذ السياسي المعمّم على أغلب “تلاميذ التجربة” كيفية التعاطي مع السياسة الخارجية للدولة والتي من المفترض في الديمقراطيةالسوية أنها تمثل المصالح العليا للبلاد وما يتصل بها من أمن قومي وتموقعجيو-سياسي في الفضاء الدولي.

ولعل الاختلاف في تقدير الموقف الدولي مشروع خارج دائرة السلطة والمواقع الرسمية، أمّا أن يبرز الاختلاف حدّ التناقض بين أحزاب متحالفة في الحكم فهذا عين الشذوذ المرضي الذي يواكب نمو ديمقراطيتنا في مرحلة انتقالية متموّجة ولحظة وطنيةصاخبةوتكاد تتحوّل إلى الهيجان العام.

حدث هذا مع حزب الشعب ذو التوجّه العروبي حيث وفي تناقض مع السياسة الخارجية للحكومة التي يمثل أحد أهم مكوّناتها صدع بموقف مساند للنظام السوري رغم علمه بأن تونس أغلقت سفارتها في دمشق ولا تتعامل مع نظام القتل الجماعي والتهجير القسري لشعبه.

على نفس منوال الموقف من سوريا، نتابع اختلافا حادا وتنتقضا صارخا في الموقف من حرب الأشقاء في ليبيا. ولا يفوتنا هنا أن نلاحظ أن هذا الاختلاف حول الموقف ممّا يحدث في ما سمي بدول الربيع العربي، هو بالدلالة والنهاية موقف من ثورات شعوب هبّت بعفوية لتتحرّر من أنظمة القمع العاري التي تتالت على دول المنطقة بعد استقلالها من الاستعمار المباشر. وكان مستغربا حدّ الصدمة أن تتمتع بعض الأطراف بثمار الثورة والديمقراطية في تونس وتصطف وراء أعدائها في المحيط. المهم والهام والمحير في الموضوع هو انعكاسه على مجمع الحكم بتركيب الثلاثي بين قرطاج وباردو والقصبة.

لقد تزامن التهارج حول الموقف من الحالة الليبية مع سعي محموم من بعض الأطراف لنسف العملية السياسية، واسقاط منظومة الثورة بدعاوي فوضى وتحارب أهلي تجاوزت حدّ التهديد إلى حدود التعبئة والتحشيد السياسي والميداني لإشعال نار الفتنة.

وقد ركّز دعاة الفوضى والانقلاب على الموجود الدستوري والسياسي، وعلى برودة العلاقة بين زعيم حركة النهضة المترأس للبرلمان ورئيس الدولة ليشعلوا نيران الفتنة وتوسيع شقة الاختلاف وتعبئة النفوس والقلوب بالتركيز على فكرة ساذجةتقول بمنافسة الغنوشي لسعيد في تحريك ملف الديبلوماسية والسياسة الخارجية عموما. حتى أن هذه الحماقة وجدت صدى في آذان الرئيس وكان ذلك واضحا في خطاب المعايدة الشاذ والذي تجاوز الربع ساعة وقتا وتجاوز أعراف خطابات المعايدة مضمونا، فكان خطابا عبوسا اقترض كالعادة قاموس المؤامرة والحرب على أعداء مفترضين لم يسميهم الرئيس مباشرة رغم أن متوسط الذكاء يعرف أن سعيّد عندما حذّر بأن تونس يحكمها رئيس واحدقد وجه رسالة غير مشفرة لإلزام رئيس البرلمان حدّه وحدوده.

تتساءل البداهة في سخرية هنا وهل نافس الغنوشي الرئيس صلوحياته؟ وهل تصرف خارج ثوابت الموقف الرسمي من الحالة الليبية؟!

في تقديري المشكل ليس في الموقف فالرئيس ورئيس البرلمان موقفهما واحد من ليبيا وهو الاعتراف بالشرعية في طرابلس ومواصلة سياسة الأخوّة وحسن الجوار وتبادل المصالح مع من يمثل الدولة الليبية. فرغم محاولات المحور الإماراتي المصري استمالة الرئيس الجديد فإنّ قيس سعيّد وإلى حد الساعة ومثلما أكده بيان على صفحة الرئاسة متمسك بثوابتنا وموقفنا من الحالة الليبية التي رسمها قبله الباجي قايد السبسي. والغنوشي كان زمن الديبلوماسية الحزبيةومازال زمن رئاسته للبرلمان وفي موضوع السياسة الخارجية يتحرّك ضمن تلك الثوابت وفي إطارها وبدالتها..

عنوانالثوابت في سياستنا الخارجيةواضح إذا، ولا يثير مشكلا وخلافا ولا صراعا، المشكل الذي لم ينتبه له من تناول هذا الملف بالتحليل هو في الحدّ بين الاعتراف بحكومة طرابلس والتعامل معها على أنّها ممثلا للشرعية والاصطفاف وراءها والتخندق في الخندق الدولي والاقليمي والتحالف معها هنا مربط الفرس والمفصل الحاسم في فهم عمق مايبدو من اختلاف، والذي وظّفه أعداء الشرعية في الداخل لإحداث تصدّع بين قرطاج وباردو في الموقف الرسمي من الملف الليبي.

وعند هذا الفاصل الذي يسكنه كل الأبالسة والشياطين، من المفيد أن ننبّه إلى الفرق الفارق بين الاعتراف بحكومة السراج والتعامل معها كما تتعامل الدولة مع كل البلدان الشقيقة والصديقة في إطار احترام أعراف الديبلوماسية الرسميةونواميسها،والتحالف معها وهي لم تحسم صراعها الداخلي بعد،بما يعنى الاصطفاف اللعين في لعبة القوّة والنفوذ في المنطقة، التي تديرها أطراف إقليمية ودولية طامعة في ثروات ليبيا،وأجندتها تختلف بهذا القدر أو ذاك عن مصالحنا المتشابكة مع أشقاءنا في ليبيا. فالمسافة بين الاعتراف بالشرعية التي أفرزها ميزان قوّة داخلي،

والانخراط في الأجندة الدولية والاقليمية التي نتقاطع معها عند حدّ وحدود الاعتراف الدولي بالشرعية والاصطفاف المباشر في خندق السراج تكمن مسافة الفصل بين الحفاظ على مبدأ الحياد والسقوط في لعبة المحاور الدولية.

على هامش الفصل الضيق والحاد واللزج هناك مسافه، هي نفسها مساحة المناور الرشيق الذي لا يفرط في الناظم الاستراتيجي للموقف الرسمي وهو الحفاظ على مصالح الدولة من جهة، والانتصار الأخلاقي لعنوان الثورة في ليبيا من جهة ثانية، والقفز على أجندة القوى الدولية والإقليميّة المحرّكة للصراع في ليبيا من جهة ثالثة.

هذا الفصل المنهجي في التعامل مع الملف الليبي يمكن أن يكون مدخلا لتعويم وتجويف المواقف التي تعمل على تأجيج نيران الفتنة بين الرئيس ورئيس مجلس النواب.الخلل في التعاطي مع الحالة الليبيةيكمن في منهج إدارة هذا التفصيل وليس في الموقف من الملف، فتونس معترفة بحكومة السراج وملتزمة بالموقف الدولي وتأجيج الفتنة بين الغنوشي وسعيّد حوله ليس سوى توظيف لهذا الخلل في اتجاهات لا علاقة لها بمصلحة الدولة ولا بمصلحة الرئيسولا بمصلحةزعيم حركة النهضة.

ولعله من المفيد أن ننبه في هذا السياق المتصل بأن جوهر الخلافالمفاعل بين سعيّد والغنوشي يكمن في الاعتقاد الساذج لدى أغلب الأطراف بأنّ انتصار هذا الطرف أو ذاك في الحرب الليبية سيقلب معادلة الحكم في الداخلالمراهنون على تطوّرات الحالة الليبية لحسم معركة الداخل الوطني واهمون بجرد الحاصل الإقليمي في المنطقة منذ خروج الاستعمار منها. فتاريخ دولة الاستقلال في المنطقة المغاربية يؤكد أن علاقة التأثر والتأثير بين دول المغرب بعكس المشرق لا تغيّرجذريّا معطى السياسة ومعادلة السلطة. فانقلابات موريتانيا لا صدى لها في المغرب وعشريّة الدم في الجزائر لم تشمل دول الجوار وجنون عروبة ووحدوية نظام القذافي لم تتجاوز حدود ليبيا.

ما زلنا نراهن على وطنية التونسيين وذكائهمللعودة إلى منطقة التعقل والتفكير الجدّي في مصلحة البلاد والتي لا تتحمل مفاعيل شحن جديدة في صراع بائس ومجاني حول رهانات واهمة وأجندات حزبية وشخصية اتعبت الجميع وعمقت من مفاصل أزمة اقتصادية واجتماعية حادة توشك أن تعصف بالمركب وراكبيه وأطفال السفينة يتهارجون في ناقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق