راي رئيسي

نُذُرُ الأزمات الاجتماعية وعبث بعض الساسة

ونحن نقترب من فصل الشتاء، موسم الاحتجاجات وذكرى الثورات،وفي ظل أزمة اجتماعية تنذر بنفاد صبر المفرين والمهمشين، مازال أغلب الساسة في بلادنا يمارسون العبث في أسوأ مظاهره وأدنى مستوياته كما لو أنهم غير معنيين بواقع البلاد وحال الناس، بل وكما لو أنهم يدفعون نحو مزيد تأزيم المشهد ودفعه نحو الانفجار طمعا في تغير قواعد “اللعبة” وفي إعادة توجيه المزاج الشعبي باتجاهات يظنونها تخدم طموحاتهم الحزبية.

يتابع التونسيون تتالي أخبار عن حوادث شاحنات نساء المزارع ينتهين أشلاء في الطرقات، وأخبار انتحار شبان بسبب اليأس والإحباط وانسداد الأفق وحالات غرق في أودية نتيجة انعدام المرافق وغياب الصيانة، وأخبار جرائم السرقة والقتل والاغتصاب بسبب المخدرات وغياب القوانين الزجرية والعقوبات الرادعة، وليس أسوأ من خبر سقوط فتاة في بالوعة وهي تسعى مع والدتها في جمع قوارير البلاستيك تحصيلا للقمة عيش نظيفة شريفة.

وفي واجهة أخرى أخبار عن “تكدس” ضحايا الكوفيد في المستشفيات العمومية في ظروف صعبة تُجهد الإطار الطبي ويتعب فيها المصابون وأهلهم.

ولعل آخر ما صدم الرأي العم التونسي هو هدم السلطات بمدينة سبيطلة التابعة لولاية القصرين كشكا على رأس كهل ظن أنه ينام فيه لحراسته فإذا به يفقد حياته.

على العقل السياسي أن يجتهد ليجترح حلولا توائم بين هيبة الدولة وكرامة المواطن، بين تطبيق القانون وضمان حقوق الناس، بين منع التسيب والفوضى وبيت تحقيق الأمان النفسي والأمن المدني.

إن الناس بعد 2011 لم يعد ممكنا ضبطهم بالقوة ولم يعد ممكنا تخويفهم ولن يتراجعوا عما بلغوه من حرية وكرامة ولن يفرطوا في ما اكتسبوه من جرأة وشجاعة ضد من سبق أن مارسوا عليهم القمع أو من يتوعدونهم بالعودة إلى زمن الخوف والإهانة.

هؤلاء الناس الذين خرجوا في الجهات المفقرة بصدور عارية يواجهون “القناصة” هم الذين حرروا السياسيين من قهر الاستبداد وهم الذين كسروا حاجز الخوف وهم الذين فتحوا للمستقبل مسارات للتفاؤل ومدارات للأحلام والأشواق، هؤلاء الناس هم مداد التاريخ ومدد الغيب وهم خرسانات العمارة المدنية وجسور الانتقال نحو ضفة أخرى تتحقق فيها العدالة والتنمية والسيادة الوطنية وتتفجر فيها ملكات الإبداع والإنتاج والصناعة.

بلادنا تتوفر على ثروات مادية وبشرية تسمح لها بصناعة مجدها الاقتصادي والاجتماعي والعلمي فلا تظل عالة على دولة تعاني التبعية وترهم قرارها السيادي مقابل الحصول على مساعدات وقروض كما لو أنها “مقاطعة” تابعة لدول مقتدرة تعتاش من صدقاتهم وتنتظر عطاياهم كما الظمآن يحمل جرار الماء ولا يحرك يديه ليشرب.

“النخب” السياسية التي ضيعت على التونسيين عشرة أعوام في المعارك والخصومات والسباب والشتائم والاتهامات الباطلة ضد المنافسين، هي نخبٌ تفتقر إلى حدٍّ أدنى من المسؤولية ومن الوطنية ومن الجدية، وهي تتحمل أمام الله والتاريخ والناس تبعات تهاونهم وعبثهم حين يجوع الناس وحين يتعبون فتسوء علاقتهم بالوطن وتسوء طباعهم ويفقدون الثقة في كل خطاب مبشر بالأمل أو متكلم في الوطنية والكرامة.

حين يغضب الناس بعد نفاد صبرهم فإنهم لن يردوا الفعل بعقلانية ولن يدرسوا نتائج انفلاتهم وتمردهم ولن يميزوا بين سياسي وآخر، بل سيردون الفعل ضد المشهد السياسي برمته لا يقدرون على تفكيكه ولا على ترتيب الساسة فيه.

بعض الساسة يحلمون بأن “انفجارا” شعبيا قادما سيطيح بخصومهم السياسيين وسيلمهم “المقود” لإدارة شؤون الناس، هؤلاء واهمون وانتهازيون وغير مسؤولين لأنهم يتخذون من أوجاع الناس وأتعبهم منصاتٍ ينطلقون منها نحو أهدافهم الحزبية ومطامعهم السياسية.

وإذا كانت غضبة 2011 مسكونة بالأمل في المناضلين السياسيين مما أنتج انضباطا والتزاما بالآليات الديمقراطية في تحقيق الانتقال الهادئ من واقع الاستبداد إلى فرص الحرية والكرامة والعدالة، فإن “الغضبة” القادمة إذا حصلت ستكون بلا عقل وبلا زعماء وبلا ضوابط أيضا، وهذا أخطر ما يمكن أن ننتهي إليه حين يستوي في عيون عموم الناس “السيئ” و”الحَسَن” “المصلح” و”المفسد” “الوطني” و”الخائن”.

إذا غضب المحرومون المظلومون لن يستمعوا حينها إلى خطاب العقل والحكمة، وفي الحديث الشريف :”وإنه لن يَجْهَدَ الفقراءُ إذا جاعوا أو عَرَوْا إلا بما كسب أغنياؤهم”.

أعتقد أنه مازال بعض وقت لتدارك العقل السياسي التونسي أمره فيعالج أخطاءه وينتبه إلى أسئلة الناس: أين الدولة؟ أين القانون؟ أين المسؤولون؟ أين المواطن في هذه الدولة؟.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق