راي رئيسي

هؤلاء يعبثون بدستور البلاد..

من أعراف الشعب المصري الأصيل “من غير سفّاح الساحات وزمرته” وحين يمرّ أحد الشباب على دابّته بشيخ أو رجل كبير في مقام والده، ويصعب عليه النزول ربّما نتيجة الحمولة أو لأسباب صحيّة، حينها عادة ما تكون تحيّة الراكب للراجل “دستور يابا الحجّ” فيردّ الحاج “دستورك معك يا ابني” والدستور هنا هو العرف الملزم والخروج عليه تتطلّب عقوبته الخزي الشخصي والشجب العام، كما يقول دكتور علم النفس يحيى الرخاوي، وتلك لعمري عمليّة انضباط بديعة للدستور أو العرف الشعبي الذي يؤثّث جملة السلوكات بين المحاضن الاجتماعيّة، سلوكات يتعايش بها النّاس دون الحاجة إلى رقيب يحرس ذلك العرف.

نحن أيضا عندما كنّا صغارا كان لنا دستورنا، فلا أحد من كبار الحيّ ولا جارنا الشرطي ولا جارنا بالجنب القاضي ولا من يتبع أيّا من أسلاك الدولة أمرنا بإيقاف الكرة حين يمرّ الرجل الكبير أو السيّدة أو الفتاة الصبيّة، فقط كنّا نواصل اللعب ونكتفي بقول “ابعد” حين يمرّ الأطفال الأقلّ سنّا نستمر بلا إلحاح  ولا تركيز، لأنّهم هم أيضا “الأطفال” يطبّقون الدستور ويبتعدون حال استماعهم لشبه الزجر الذي صدر من شباب أكبر منهم، ثمّ إنّه وفي القرية لم يكن أحد يحرس أعرافنا أو دستورنا ويحميه من الانتهاك، بل لم يكن أحد منّا يجتهد في تطبيق الدستور، لقد أصبح نوعا من السلوكات المتدفّقة نتيجة استعذابه من الأهالي والاقتناع به والتواطئ عليه.

من هذا النموذج الدستوري المصغّر نوقن أنّ الدساتير قد تكون أرخص بكثير من الحبر الذي كُتبت به إذا كانت في محضن يرفضها ويتربّص بها ويسعى إلى شطبها أو انتهاكها، لا يمكن لتلك الدساتير مهما كانت حبكتها أن تجابه سيلا من النيّة الفاسدة ورغبات جامحة منظّمة وضعت نصب عينيها حتميّة التخلّص من هذا الدستور أو ذاك وربّما قرّرت التعايش معه بامتطائه واستعماله بأشكال مهينة ملتوية ماكرة.. كما أنّ الدساتير قد تكون أحرفها أغلى من الذهب وسائر المعادن النفيسة، ليس حين تكون حبكتها متقنة ولا تعتريها الثغرات، بل حين يكون المجتمع وقواه الحيّة  قرّروا الاحتكام إلى الدستور واحتفوا به.

تلك هي الدساتير التي تليق بمنجز في قيمة ثورة سبعطاش ديسمّبر، في قيمة انتقالنا الديمقراطي، في قيمة المعارك التي خاضتها تونس ضدّ قوى الشرّ الإقليميّة التي أقسمت على اجتثاث ثورتنا وأقسمنا على حمايتها فبرّرنا وحنثوا وسيحنثون ثمّ يردّون إلى شرّ الهزائم. ذلك ما كنّا نطمح إليه، ثورة ناجحة، صمود في وجه الغزاة أكثر من نجاح، وصمود في وجه الصبايحيّة والقوّادة أكثر بكثير من ناجح، كنّا نطلب النجاح في احترام دستور ناجح كتبته فئة ناجحة، فئة نجحت قبل الثورة في مقارعة الدكتاتور ونجحت بعد الثورة في نيل رضا الشعب، لكن للأسف لم تكن كلّ النوايا صافية تجاه دستورنا، بل منهم من وصل به المكر إلى استعمال دستور الثورة للامتطاء! يركبه ليصل من خلاله إلى غايات مدمّرة، وهؤلاء أشرف منهم بكثير حزب التحرير الذي أعلن رفضه للدستور ولم يدخل تحته، فلا هو اعترف به ولا هو خان وغدر مثل البعض.

في تونس أفرط الدستوري الحرّ في ركوب الدستور، وعجزت المجموعة الوطنيّة عن إيقاف هذا الحزب المجاهر بانتهاك الدستور وبتسفيهه وبعدم الاعتراف به، ذلك الحزب الذي يستعمل الدستور ليصل من خلاله إلى أغراضه المدمرة ثمّ لكلّ حادث حديث. ليس الحزب الدستوري وحده من فعل ذلك بل فعلته قوى قوميّة ويساريّة راديكاليّة لا تؤمن بالدولة الوطنيّة من أصله، ولديها رؤى شموليّة أكثر قتامة من المنظومات المتساقطة، غير أنّها ركبت مع من ركب، واستعملت الدستور للوصول إلى مرادها غير الدستوري وغير الديمقراطي وفي الكثير من الأحيان غير الإنساني.

إلى جانب هؤلاء فُجعت تونس في الرئيس، الذي وصل إلى الضاحية الشماليّة بأصوات أبناء الثورة الذين فجّروا الثورة وأحزاب الثورة التي كتبت دستور الثورة، وتمت تزكيته ليساهم في تجذير الانتقال الديمقراطي وليحرس التجربة من موضعه دون أن يهتك الدستور، فإذا به كغيره وربّما أكثر من غيره، لا يؤمن بالدستور ولا بالتجربة التي يعتبرها فاشلة وأصبح يجلدها بلا هوادة ولا يؤمن بالتنظّم في الأحزاب كأرقى ما وصلت إليه التجربة السياسية الإنسانيّة، ولا يؤمن بالانتخابات التشريعيّة، فقط يؤمن بالرئيس كما يؤمن بخلطة عجيبة أقرب في تركيبتها إلى لجان القذافي الشعبيّة أو الثوريّة أو القبليّة. اتضح أنّ سعيّد أكثر من استعمل الدستور التونسي لانتهاك الدستور التونسي والتخلّص ممّن كتب الدستور التونسي وتعطيل الدستور التونسي، ونقله من أداة لإدارة البلاد بشراكة راقية إلى أداة لحكم الفرد الذي يبحث عن الوطن المَخْبر كي يجرّب فيه نسخة مجترّة من كتاب أخضر كان إلى الفاجعة أقرب منه إلى جملة من الورقات الخاوية.

هناك بين القرى دساتير عرفية غير مكتوبة، تفنن الأهالي في احترامها، تفنن القروي والبدوي في تبجيلها واعلاء فصولها، وهنا في قلب المدنية غير المتمدنة، يتم انتهاك الدستور ويتم التلاعب بفصوله لصالح أجندات انقلابية نرجسية غارقة في عشق الذات، نوع من الصوفية الفجة التي لا تذوب في عشق المحبوب وإنما تذوب في عشق ذاتها وتختزل البلاد والعباد في كنهها وتصهر الكل في نفسها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق