راي رئيسي

هزيمة حزب العدالة والتنمية بالمغرب..
فشل انتخابي أم موت الإسلام السياسي؟

انهيار المرويات الإيديولوجية الكبرى ونهاية دورها المعرفي في انتاج المعنى، ودورها التاريخي أو الوظيفي السياسي في انتاج استراتيجيات تحوّل الواقع. هذه الفكرة ليست جديدة ومتداولة تقريبا منذ ثلاثة عقود، وكتب فيها الكبير والصغير والبعيد والقريب، وكنت ومازالت من المنحازين إلى أن ما انتهى ليس الإيديولوجي، بل منهج نظم القيم المؤسسة للسرديات الإيديولوجية الكبرى في برامج تغيير والذي حولها إلى أنسقة مغلقة ومغتربة عن حركية التاريخ والواقع. فقيمة الحريّة والعدالة والأصالة والتقدم، قيم حيّة ومتحرّكة وما انتهى تاريخيا هي المحاولات الطريفة، أحيانا والكارثية أخرى لصبّها في أنسقة فكرية شمولية ومغلقة.

فما سقط لبست منظومة القيم الأفكار الكبرى المؤسسة للمنظومات الإيديولوجيا. ما سقط هو المنهج والنسق المتداعي منها، أما القيم الإنسانية العميقة والثابتة فتعبيرها التاريخي متحول ومتعدد ومفتوح.

تزامن سقوط المشاريع الإيديولوجية الشمولية الكبرى مع ثورة التواصل وما واكبها من سيوله وتسارع عبثت بقوالب الرؤية التقليدية للذات والعالم، وتغيرت بسرعه أشكال التعبير عن إرادة التحرّر الإنساني المتجددة من إكراهات وجوده الرمزي والمادي والاجتماعي.

تحول عالم ما بعد الافتراضي إلى سوق كوني تبادلي مفتوح ومربك ومخيف لكل استراتيجيات توزيع الحقيقة الوجودية والاجتماعية.

في هذا الأفق يمكن التسليم للقول أن قوالب التفكر والتمثل للعالم بأفكاره ورموزه وأشياءه قد تغيرت وجرفت معها بنية تعقل سابق للذات والموضوع.

البنية الذهنية على اعتبارها محاصل أدوات واستراتيجيات التسمية والترميز والتأويل للعالم، استهدفها طوفان ثورة التواصل وجرف جذورها التقليدية، ونحن اليوم أمام “تأسيس جديد” لعقلانية مغايرة في اكتناه الوجود وتعقل الموجود، وهاجسنا الثابت قبل وبعد طوفان ثورة التواصل هو التحكم في المصير.

عند هذه النقطة الغائية ينبجس الإيديولوجي، لأن المدار النهائي لرحلة تعقلنا لأنفسنا والعالم هو التحرّر من الضرورة وتملك المصير.

تعالت أصوات المحللين في المدة الأخيرة بعد الهزيمة المدوية لحزب العدالة والتنمية في انتخابات المغرب لتعلن بحسم وجزم نهاية الإسلام السياسي وموت السردية الإسلامية التي أسّست للمدرسة الإخوانية وما تداعى منها من جماعات الإسلام الحركي في العالم الإسلامي.

لن نقترب هنا من تفاصيل المعطى الوطني في المغرب والأسباب المباشرة للعقوبة الانتخابية التي تكبّدها حزب بن كيران بعد عقد من “نصف الحكم” الذي يسمح به المخزن في مغرب العائلة العلوية.

ونكتفي بالتأكيد علي حقيقة تكررت مع كل الأحزاب الحاكمة في العالم تؤكد أن استمرار أي حزب في الحكم لأكثر من عقدين يكاد يكون استثناء، فالحكم سوس الأحزاب ينخرها ببطء ولكن بتصميم صامت، تنتبه له لحظة خروجها من الحكم وعندها قد تعالج استتباعه، أو ينهكها فتموت، وكم من تجارب حزبية ولدت واعدة في فضاء المعارضة وماتت منبوذة في مقابر الحكم.

عند هذا الحدّ هزيمة الحزب الإسلامي وبقطع النظر عن حيثياتها وأسبابها الذاتية والموضوعية تبدو عادية لا تثير دهشة ولا تنتج معنى.

تأويل تلك الهزيمة ليشمل نهاية السردية الإيديولوجية للحزب، ومن ثمة تعميمها على بقية الأحزاب التي تأسست على المرجعية الإخوانية في الفضاء العربي والإسلامي هو ما يستفز التأمل والتفكير والسجال.

لكل سردية إيديولوجية مرتكزات مركزية تؤسس للحقائق الكبرى في خطابها.

القول أو الاستنتاج أن هزيمة حزب العدالة والتنمية في المغرب وإزاحة النهضة في تونس دليل على أن الديمقراطية وامتحان الحكم مقبرة تاريخية للإسلام السياسي، وسلاح فتاك أقوى من استراتيجيات القمع والاستئصال للحركات الإسلامية، يعني أن المقدّمات الإيديولوجية المؤسسة للهوية السياسية لتلك الأحزاب قد ماتت.

نكتفي هنا بالقيمة أو الفكرة المركزية الأولى في الكراس الإيديولوجي الذي خطه حسن البنّا، والتي تقول أن عودة الأمة الإسلامية للتاريخ او عالم الشهادة على الناس مشروط بالمرور على سؤال الهوية وإعادة ترميم شظاياها على النموذج الصحابي، بمعنى إعادة بناء معمودية الشخصية العربية الإسلامية على الأصول المؤسسة لانبعاث تلك الشخصية ودخولها مسرح الفاعلية التاريخية.

هذه الفكرة الأصولية هل ماتت اليوم مع الهزيمة السياسية لحزب حاكم في المغرب الأقصى؟

الحاصل التاريخي والموجود العيني وعلى مدى خارطة العالم الإسلامي شرقا وغربا، يؤكد حقيقة تمدد تيّار التدين والعودة للمساجد والأصول وحسم سؤال الهوية الوطنية لفائدة الثوابت أوّلا والانفتاح على الكوني ثانيا وليس العكس وهو جوهر المقدمة التي أسّست لخطاب الإسلاميّين.

يمكن أن نتناول بقية الأفكار الكبرى المؤسسة للتيار الإخواني ونحاكم قابليتها للاستمرار أو نهايتها بنفس المنهج، والأكيد أن الاستنتاج لن يخرج عن إدانة التسرّع في الانحياز لجدل الفشل السياسي والقادح الإيديولوجي.

تقديري أن سؤال الديمقراطية والأحزاب الإسلامية أكثر فاعلية في فهم وتأويل ما وقع في المغرب وغيرها من فشل أو سقوط الأحزاب الإسلامية على أعتاب الحكم.

نكتفي هنا بملاحظة تتصل بمراجعة مسلمة مخاتلة يروجها خصوم الإسلاميين، تقول أن الديمقراطية هي معبر الإسلاميّين للتحكّم في رقاب الناس ومصير الدول، وأن الاستبداد هو العاصم من انتشار هذا “الوباء”.

هزيمة الإسلاميين المدوية في المغرب تفصح على عكس ما ذهبت إليه أغلب التحاليل من أن الديمقراطية تعمّق مسار الأسلمة، وتثبت أن الديمقراطية هي التي تخترق الإسلامي وتعيده إلى حجمه وتعمّق عودته من التبشيرية الإسلامية الحالمة إلى نسبية الحقيقة الاجتماعية والتاريخية، وإلى مكر الحقيقة السياسية التي هي بالنهاية سعي إلى السلطة أو سعي للحفاظ عليها.

الديمقراطية تحوّل الإسلامي إلى مسلم يعيش شهادته على عصره من دون وصاية على العالم، بل بروح المسؤولية الكونية المشتركة التي لا تستوي بدون الاعتراف بالتعدّد والتنافس في استنبات أدوات إدارة الصالح العام.

وعلى كل السابق فإن مسار الدمقرطة في المنطقة، سيكون هو نفسه مسار تحوّل الأحزاب الإسلامية إلى “أحزاب محافظة” تتنافس على السلطة السياسية بدالة الكفاءة والنجاعة والجودة، وسيكون الجمهور قاسيا مع تلك الأحزاب لأنّه بقدر ما سينتظر منها النجاعة سينتظر منها النقاء الأخلاقي ما دامت متمسكة بمرجعيتها المحافظة.

من يخوفون من مسار الدمقرطة بدعوى أنّه سينجب الإسلامي الحاكم يقدمون الفرصة للإسلامي أنّ يمدد في مرحلة البطولة. فالإسلامي أمّا مشروع مقاوم بطل في زمن الاستبداد، أو مشروع حاكم في زمن الديمقراطية يسري عليه ناموس النجاح والفشل. فإذا نجح لن يكتب بطلا وإذا فشل لن يقترف فضيحة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق