الافتتاحية

هشام المشيشي..
بين مطرقة الرئاسة وسندان الحزام السياسي..

جدالات وسجالات محمومة شهدتها العديد من المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي في الأيّام القليلة الماضية تركّزت في غالبيتها الساحقة على الحزام السياسي المساند للحكومة، وعلى إقالة وزير الثقافة الذي اعتبره البعض أوّل رسالة قويّة وواضحة من القصبة الى قرطاج.. وإلى ما يسمّى بمجموعة حكومة الرئيس..

وضع يجعل رئيس الحكومة بين مطرقة رئيس الجمهورية وبعض مستشاريه، الذين لم يستسيغوا بعد خروج المشيشي من جلبابهم.. والحزام السياسي أو البرلماني الذي صوّت له في جلسة منح الثقة، الذي يبدو غير منسجم، وكل مكوّن من مكوّناته محكوم برؤى ومواقف وتموقع سياسي مختلف عن الآخرين.. إضافة إلى الموقف الغامض لحركة الشعب والحزب الدستوري، من مغازلة الحكومة إلى مجافاتها .

 

العلاقة مع الرئاسة

أمّا بالنسبة للرئيس فالواضح أنّه مصرّ على استهداف الحكومة أو جزء منها على الأقلّ. ومنذ جلسة أداء القسم، تعرّض المشيشي إلى أكثر من محاولة “استهداف”.. سواء خلال موكب أداء اليمين الدستورية لأعضاء الحكومة، أو خلال لقاء يوم 23 سبتمبر المنقضي الذي وجّه فيه الرئيس خطابا حادا إلى رئيس الحكومة في علاقات بالتعيينات التي تبيّن أنّها تسريبات فايسبوكية، أو من خلال استقبال قرطاج المتكرّر لعدد من الوزراء المحسوبين على القصر في تجاوز واضح لرئيس الحكومة.

ولأن الوضع في مثل هذه الحال التي تمرّ بها بلادنا يحتاج الى رص الصفوف وتعاضد جميع مؤسسات الدولة مع بعضها.. لا بدّ أن يقع توضيح العلاقة مع رئيس الجمهورية وذلك لا يتأتّى إلّا بـ :

  1. ضبط الفريق الحكومي، بكامله، بما في ذلك وزراء الرئيس، ووقف حالة التسيّب الحاصلة، وتعدّد مرجع النظر للوزراء، بإفهام الجميع بشكل حازم، أن الحكومة لها رئيس واحد مقره القصبة وليس قرطاج. وهذا ما بدأه رئيسة الحكومة بالفعل سواء من خلال إقالة وزير الثقافة أو من خلال الرسالة التي توجه بها الى فريقه الحكومي يوم 30 سبتمبر وأكد فيها على ضرورة التنسيق والاستشارة المسبقة لرئاسة الحكومة قبل أي اتصال مع الرئيس، ثم إعلامها بكل المسائل المثارة وذلك لملائمة القرارات مع سياسة الدولة.. وشدّد على أنّ مخاطبة رئاسة الجمهورية بالمكاتيب والمراسلات يتم وجوبا عبر رئاسة الحكومة.
  2. وبالنسبة لرئيس الجمهورية (شخصيا) لا بدّ من وضع النقاط على الحروف.. حتى لا نبقى في حالة شدّ وجذب بين أهم مؤسستين تنفيذيتين.. صحيح أن المشيشي يتعرض لمحاولة إرباك وتهميش من قبل الرئاسة وعبر وزرائها في الحكومة.. وصحيح أيضا أن ردّة فعله كانت قويّة في أكثر من “واقعة” آخرها “واقعة” إقالة وزير الثقافة.. وصحيح أيضا أن الرسالة من إقالة وزير الثقافة كانت موجهة إلى الرئيس أو بعض مستشاريه مباشرة.. ولكن الصحيح أيضا أن الأوضاع في البلاد لم تعدّ تحتمل المزيد من الصراعات بين ضلعين رئيسيين من مثلث الحكم في البلاد، ولا بدّ من وضع حدّ لهذا الصراع حتى ينصرف الجميع إلى العمل .. ومواجهة التحدّيات التي تواجهها بلادنا.

 

العلاقة مع الأحزاب

وأمّا فيما يتعلق بالأحزاب والكتل الداعمة كليا أو جزئيا للحكومة، فإن توضيح العلاقة مطلوب أيضا، حتى لا تدفع الحكومة لوحدها فاتورة الوضع الحالي المرتبك على أكثر من صعيد سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا وصحيّا..

وهذا يتطلّب أن لا تتدخّل الأحزاب في الخلافات داخل الحكومة، وأن تترك لرئيس الحكومة هوامش حريّة كبيرة في اتخاذ القرار، مع الأخذ في الاعتبار الأحزاب والكتل التي باتت محسوبة على الائتلاف الحكومي وهي الأحزاب والكتل التي صوّتت له.

وفي المقابل لا يجب أن تعمّق الحكومة الخلافات بين الأحزاب والكتل، وهي خلافات باتت واضحة بين قلب تونس وتحيا تونس.. وبين كتلة الإصلاح وائتلاف الكرامة. وعلى الحكومة أن تنأى بنفسها عن هذه الخلافات وأن لا تنخرط فيها..

لذلك على الحكومة وعلى المشيشي تحديدا القيام بمراجعة التمشّي الحالي، وإعادة النظر في الصيغة التي اعتمدها في التشاور مع الأحزاب والكتل، وخاصة الاجتماع ببعضها دون البعض الآخر. وهو مدعو إلى الاستفادة من تجربتي حبيب الجملي وإلياس الفخفاخ، الذين اختارا منهجية الإقصاء وتقريب هذا وإبعاد ذاك ومحاولة اللعب على التناقضات وهو ما فوّت على الأوّل فرصة نيل الثقة وعجّل بسقوط الثاني.

المشيشي لن يكون أوفر حظّا من سلفيه بل من يوسف الشاهد أيضا إذا ما سلّطنا الضوء على موضوع “الشلّة” وسيأتي وقته. لأنّ الإصرار على تكرار الخطإ لا ينتج عنه إلّا حصد نفس الثمار. تونس تحتاج اليوم حكومة مستقلة مدعومة من الأحزاب والكتل وليس حكومة متورطة في مستنقع صراعات قصر قرطاج وتجاذبات شظايا النداء.

على السيد هشام المشيشي الانتباه بسرعة للاستفادة من وضعه الحالي، والمسارعة بتصحيح علاقته برئاسة الجمهورية والكتل الداعمة له بطيّ صفحة التشكيل الوزاري الذي فرضته عليه نادية عكاشة، وببناء حزام سياسي حقيقي وجدي ولا علاقة له بالتجاذبات التي أطاحت بالجملي والفخفاخ.

بين مطرقة الرئاسة وسندان الحزام السياسي يبقى المجال لهشام المشيشي لقيادة تونس نحو شاطئ الأمان في بحر متلاطم، وأزمة خانقة بسبب فيروس كورونا الله وحده يعلم منتهاها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق