راي رئيسي

هكذا تصنعون الطغاة!

اعتقدنا لفترة بعد تجربة مريرة من الدكتاتورية والاستبداد وحكم الفرد الذي يجمع في يده كل السلطات فيتجبّر ويتسلّط بها على رقاب البلاد والعباد، أن النخبة التونسية الطلائعية، قد قطعت تماما مع صورة الزعيم الكاريزمي القادر على تحقيق أهدافها أو طموحاتها السياسية.. وأن هذه الصورة سقطت من أذهانها بسقوط صنمي بن علي وبورقيبة الزعيمين الملهمين الأوحدين.. وأنّ  نظرتها إلى الزعيم الحاكم بأمره على رأس الدولة تغيّرت.. وأنها تخلصّت حقا من وهم الزعيم المنقذ الذي يحمل كل الحلول والقادر على تلبية كلّ الانتظارات وعلى حلّ كل المشاكل بمفرده؟

ولكن الحقيقة التي نراها اليوم واستنادا إلى ما نعاينه من سلوك بعض النخب السياسية وحتى الأكاديمية، يبدو أن هذا المنطق لم يتغيّر ولم يتحطم في أذهانهم.. فبين من يطلب ودّ مخلّص من انكسارات الوضع الراهن وتقلّباته الاجتماعية وأزماته الاقتصادية أملا في الخلاص، مراهنا على قدراته الخارقة في تغيير وضعهم إلى ما هو أفضل، وبين من ينشد من مخلص ملهم حماية النمط المجتمعي الذي يتبنونه من خطر ما يعتبرونه رجعية وظلامية وهددا لنمطهم المجتمعي، وبين مشفق على مستقبل الثورة وعلى مصير الحقوق والحريات، مرتعب من عودة الاستبداد والمظالم يعظّمون زعيمهم المخلّص والمنجي من الهلاك الذي يرون فيه الأب الروحي القادر على إحياء روح الثورة والحفاظ على ألقها، بين هذا الطرح وذاك تعجز النخبة السياسيةالتونسية عن تجاوز عقدة الزعيم المخلّص ولا تكفّ عن صناعة صنم تلتف حوله وتتعبّده.

إنّ العديد من النخب السياسية باتت اليوم، وبعد تحطيم الثورة لصنم الدكتاتور الطاغية، ربما بوعي منها أو من دون وعي، تستنسخ تجربة النظام السابق بآليات وطرائق مختلفة رغم أنّ كلا منها يصدح بشعاراته عن الديمقراطية وتطوير الحياة السياسية، فبعض الأحزاب باتت لا ترى نفسها سوى واقفة خلف قائد وزعيم أوحد مستحضرة لصورة القائد الضرورة أو القائد المخلّص، التي ألقت بظلالها المقيتة على المجتمع التونسي طيلة عقود وحولته إلى ساحة لتمجيد القائد أو الزعيم التاريخي رغم كل الإفلاس السياسي الذي كان يتمتع به.

حتى بتنا نخشى أن بعض هذه الأحزاب السياسية المطبلة اليوم لمشرع دكتاتور، رغم كل ادّعاءاتها عن الديمقراطية أو عن سلطة القانون والدستور والتداول على السلطة وتوزيع السلط والسلم الأهلي والوئام الاجتماعي، إلا أنها في واقع الحال نماذج مصغرة لدكتاتورية قد تتفجّر حالما يصل أيّ من هذه الأحزاب إلى السلطة. وللأسف الشديد هناك تشبّث بثقافة “الزعيم حلّال المشاكل” رغم ما تستعيده من ذكريات العهود البائدة وتكرار للحكم الفردي، لكن تضخّم الأزمات والمشاكل وتعقيدها يوما بعد آخر يجعلهم يغضّون الطرف عن آفاق المرحلة وأبعاد هذه الممارسة الخطيرة في الحكم، ليحصلوا على المتنفس من مستنقع المشاكل الذي يخوضون فيه.

في أحد لقاءاته الشعبية قال زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي إنّ صورة الحزب الأوحد والزعيم الأوحد الذي لا مثيل له، والقائد المنقذ الملهم، لا بدّ أن تتحطّم في أذهان كل التونسيين نخبة وشعبا، واعتبر أنّ تشبث البعض بهذا التمثل هو الذي يصنع صنم الدكتاتور، وهو من يكرّس مفهوم الاستبداد والتفرّد بالسلطان، وهو من يرسّخ وهم الزعيم القادر بمفرده على حلّ كل المشاكل وتلبية كلّ الطموحات. كما اعتبر أنّ الدعوة إلى الديمقراطية والمجتمع الآمن والمرفّه وادّعاء النضال من أجل ذلك، يفرض وجوبا أن تكون ديمقراطيا مع نفسك ومع محيطك وأن تتّخذ من الديمقراطية منهاجا لحياتك وسلوكك..

تصريح الغنوشي ذاك، يؤكد بالفعل أنّ الدكتاتورية ليست بالضرورة نزعة فردية ولا صفة وراثية ولا حالة اجتماعية سياسية؟.. وأن الدكتاتور لا يصنع نفسه بنفسه.. وأن استبداده يأتي محض مصادفة تخلقها عدد من الوقائع المترابطة يتحقق باجتماعها عنصر الطغيان.. وأن هناك من يصنعه..

فالديكتاتورية لا تقدر على صناعة نفسها، إنما يصعد الدكتاتور سلالم الطغيان خطوة خطوة، فهناك دائما نخبة تقف خلفه، وتوفّر له مستلزمات حضانته ورعايته، حتى يستوي ويتمدّد ويخنق الحياة من حوله، يتسلّل الديكتاتور الصغير إلى السلطة بالصدفة، في غفلة من الجميع.. إلى حياة الناس فيجد كلّ المكوّنات جاهزة: إعلام مأجور تعوّد على قلب الحقائق وتزييف الوقائع، وله القدرة والآليات لإحكام السيطرة على ما يُلقى في عقول الناس..  وقبل كل هذا وذاك تتوفر له تربة خصبة تحتضن بذور الجبروت الخاصة به، حاضنة ملائمة من المطبلين تدور في فلكه وتتفاعل إيجابيا مع أهوائه السلطوية.. تبرّر وتطبل لحماقاته السياسية.. يُنصّبون الديكتاتور ويُطيعونه، ويحلّون بذاءاته، ولا يعترفون بخطاياه، ويصفقون لكلماته الفارغة، ويعتبرون أحاديثه بابا من أبواب البلاغة، ويُجملون صورته، ويلتفون حوله لإبعاد عامة الشعب عنه، ويصرخون لصراخه ويعتبرونها فصاحة. وهذا ما يصنع منه في المحصلة طاغية كامل الدسم..

وإذا حاولت إفهامهم أنهم بسلوكهم إنما يصنعون طاغية أو ديكتاتورا، وأنه سوف يتجبَّر عليهم كما يتجبَّر على شعبه إن عاجلا أو آجلا، فلن تجد منهم من يستمع لكلامك أو يهتم بنصائحك، لأنهم صاروا ينظرون إلى الحاكم على أنه الإله المخلص، صمام الأمان الذي يحميهم من خصومهم السياسيين والايديولوجيين، ويقطع الطريق أمامهم، حتى لا يجدوا للسلطة منفذا..

يعلمون جيدا أن الدكتاتور أو الحالم بالدكتاتورية يسعى دوما وراء صناعة عدوّ له ليحاربه، ثم يطلب من الشعب الاصطفاف معه للخروج من المحنة والمأزق الوهمي، ويجعلهم يشعرون بخطر هذا العدوّ على أمنهم وسلامتهم واستقرارهم، وبالتالي يمكنه تمرير أي شيء تحت هذه المظلة، ولكنهم كانوا يباركون صناعته لهذا العدوّ الوهمي …

هؤلاء المطبّلون اليوم لمشروع طاغية.. هؤلاء المعجبون بكلّ سلطة يحاول إضافتها قسرا لصلاحيّاته الدستوريّة المحدودة.. هؤلاء السعداء بأن يصبح الرئيس الواحد والأوحد مالكا لكلّ السلطات في البلاد، وحده لا شريك له في السلط، فيتحكم في الحكومة ويعيّن ويقيل رئيسها ووزرائها كما يشاء، ويحلّ مجلس نواب الشعب إن لم يقدّم له فروض الولاء وخرج عن طاعته.. هؤلاء المغبوطون بكونه هو وحده مصدر التشريع، والرقيب الأعلى على القوانين والقرارات.. فيصادق ويختم وينشر ما يشاء منها.. ويلقي في سلّة المهملات ما لا يرضي غروره منها..  وأن يضع تحت طائلته القضاء، فلا يُعيّن قاضي بلا موافقته، ولا يصدُر حكم دون رضائه..

ولكن أنصار الرئيس الواحد والزعيم الضرورة هؤلاء، هل توقفوا ولو لحظة ليتدبروا، ماذا يمكن أن يحدث بعد تأسيس تجميع جميع السلطات بيد الرئيس الواحد، هل تدبروا بعد رحيل زعيمهم الملهم وانتهاء مدّة رئاسته في من سيخلفه، في 2024 أو في سنة 2029؟؟ ومن سيكون؟؟ وماذا سيفعل في كلّ السلطات التي سيجدها على طبق من فضة بين يديه؟؟ هل لكم أي ضمانة على أن من سيخلُف زعيمكم غدا سيكون ملك يمينكم، يمضي بمشورتكم ويسلك الدرب الذي ترسمونه له ولا يغدر بكم ولا يتجبر ولا يتسلط عليكم قبل غيركم؟؟

مازال أمام هذه النخبة متسع من الوقت وفرصة أخرى، لتتدارك وتعقل أنّ اختزال السلطات والإمكانات الهائلة في شخص واحد هو الذي يكرّس الدكتاتورية والطغاة الذين لا يميزون بين حليف وغريم.. وأنه من أجل ذلك تحديدا مضى دستور 2014 في توزيع السلطات وعدم حصرها لدى طرف واحد حتى لا نعود إلى مربع الدكتاتورية التي ثرنا عليها.. فالحاكم يجد سطوته وتجبّره في اختزاله لكلّ السلطات وهيمنته على كل القرارات. ويكفي أن تعي أنّه في الدول التي تطبق “الديمقراطية” بدرجات عالية تّحلّ المشاكل الصغيرة والكبيرة باقتراح من مؤسسات الدولة والنقابات والاتحادات والأحزاب والهيئات.. نعم زعيم الدولة من واجبه قانونيا ودستوريا أن يجد الحلول لمشاكل الناس، ويؤمّن حقوقهم ويسعى لتلبية انتظاراتهم وتطلعاتهم، ولكنه لن يكون بمفرده الأب المخلص، ولا البطل الخارق، ولا المنقذ الأوحد وبالنتيجة يجب أن لا يختزل بمفرده القدرة على إبداع الحلول أو تقرير مصير البلاد والعباد، وإلا فإنّنا لن ننتج سوى مشروع طاغية آخر بحجّة زعيمنا المنجّي، منقذ مشروعنا المجتمعي، قاهر خصومنا، جسرنا لتحقيق أحلامنا وطموحاتنا السياسية..

ويكفي في الأخير أن نتذكّر أنّ التاريخ عرف الكثير من الطغاة الذين تجبروا وظلموا وفجروا واستعبدوا وعاثوا في الأرض فسادا، ولكن هناك شيء وحيد جمع بين كل هؤلاء الطغاة، ألا وهو النهاية، فالنهاية كانت واحدة وحتمية مهما تجبروا وظلموا واستعبدوا لكنهم اشتركوا في النهاية المأساوية الواحدة، ولكن الكثير من الناس لا تعتبر ولا تأخذ تلك الحالات عبرة لها..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق