راي رئيسي

هل أخطأ الغنوشي التقدير حين عطل “قانون العزل السياسي”؟

على وقع تصديع عبير موسي رأس البرلمان وتعطيل سير أشغاله أكثر من مرة، وعلى وقع استهدافها المركز لرئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان الاستاذ راشد الغنوشي، عادت أصوات كثير من أنصار الثورة لتحمّل الأستاذ راشد مسؤولية عدم قطع رأس الأفعى ويعتبرونها تساهل مع عناصر النظام القديم حتى استعادوا انفاسهم وعادوا أكثر حقدا وأشرس خصومة.

فهل فعلا كان التقدير خاطئا حين بذل الأستاذ راشد جهده لمنع تمرير قانون العزل السياسي؟ وهل كان مجديا سياسيا وأمنيا الاستقواء بالقانون لمنع جزء هام من التونسيين من ممارسة السياسة لكونهم كانوا يتحملون مسؤوليات في نظام مارس فسادا ومظالم وقد ثار ضده التونسيون؟

في غياب وضوح الرؤية وفي ظل الفوضى وتحت ضربات الداخل والخارج تصبح السياسة أشبه ما تكون بمغامرة “مُلاعبة الثعابين” توقيا من لدغاتها وتجنبا لإعدامها وأملا في ترويضها أولا ثم تعويمها في سوائل التخدير ثانيا..

بعض المشاهدين يتسلون بالمشهد فيبدون إعجابهم واندهاشهم حينا، ويسخرون من مُلاعب الثعابين حينا آخر فينعتونه بـ “الدرويش”… مُرَوّض الثعابين يشعر أنه صاحب رسالة وأنه مسؤول عن أرواح حشود من الأتباع والمتابعين يخشى عليهم اللدغ والسموم.

الحماسة ليست دائما علامة ثورية واللطافة ليست دائما دليل حكمة والسياسي الماهر هو من يكسب معارك دون خوضها ومن يتلقف لحظات صناعة الانتصار وهو من لا تقوده الحميّات والهتافات وزغاريد المتسللين إلى عرس لا يعلمون أصحابه.

الذين تحشدوا ذات ليلة من رمضان الصائفة الفارطة قادمين من مختلف جهات البلاد مُجندين للدفاع عن “الشرعية” وعازمين على مواجهة كل المشاريع الانقلابية، فاجأتهم كلمة الشيخ راشد الغنوشي ليلتها باعتدالها وتوازنها ودعوتها للتوافق والحوار… ثم كانت المفاجأة أو الصدمة الأولى حين تناهى إلى التونسيين خبر زيارة “القائد” لخصمه التقليدي الباجي قايد السبسي في مشفاه بباريس.

الزيارة تلك أحدثت تحوّلا سحريا في الساحة السياسية وقد كانت على مرجل يوشك أن يهز الجميع إلى “الهاوية” بفعل التحرّكات الاحتجاجية والتحريضية ضد حركة النهضة والإسلاميين عموما… بدأت البلاد تشهد حالة تبريد حقيقي في الخطاب وفي الشعارات وفي المطالب أيضا وبدأ الإعلام في الغالب يتجه نحو تقديم صورة جديدة لتركيبة الساحة السياسية تتكشف عن “زعيمين / حكيمين” لأكبر حزبين يمكن أن يُسهما في إشاعة “الأمل” السياسي وتحقيق السلم المدني.

بدأ الحديث في أكثر من مكان عن “تسامح” الشيخ راشد الغنوشي وحكمته رغم غضب الكثير من القواعد التي لا تمتلك تفاصيل ما يُدار وما يُدبر في الخفاء.

ورغم تخوف حليفَيْ الحُكم من وجود ترتيبات خفية لتحالفات جديدة على حساب التحالفات القديمة التي أنتجت حكومة الترويكا… لقاء “الشيخين” في باريس ووساطة الرئيس الجزائري بوتفليقة أنتجا وضعا جديدا وأفرزا استحقاقات متسارعة: حل اعتصام الرحيل/ تشكل رباعي راع للحوار/ قبول الأطراف المتصارعة بالجلوس إلى مائدة الحوار / تعهد حكومة علي لعريض بالاستقالة / تعاقب اللقاءات مع السفراء الأجانب / خفوت أصوات الوعيد ضد الإسلاميين.

ثم كانت “الخاتمة” بخروج النهضة من الحكومة رغم تأكيد زعيمها على كونها لم تخرج من الحكم.. ورغم أن خصومها حاولوا تصريف خروجها على كونه انتصارا لهم فإنهم كانوا يشعرون بأنهم أخطأوا حين ألحوا على مطالبتها بالخروج إذ منحوها فرصة لترك مقود السير في المسافات الوعرة وإذ منحوها من حيث لا يعلمون شرف التنازل من أجل المصلحة الوطنية وإذ قدّموها من حيث لم يشتهوا على أنها حركة مدنية سلمية ديمقراطية وتوافقية وليست حركة عنف أو استبداد أو نزوع تسلطي… لقد تتالت فعلا شهادات الثناء من دوائر بعيدة وقريبة.

لقد استطاع الشيخ راشد الغنوشي تغطيس الجميع في الحوض العميق ليس لهم من خيار إلا أن يتطهروا جميعا أو أن يُغرق بعضهم بعضا… كما أفلح في إنقاذ “ذُرّيته” مما كان يُحاك لهم على إيقاع ضربات العسكر في مصر ضد الإسلاميين في ساحة رابعة العدوية وفي غيرها من ساحات وشوارع مصر المنتفضة… الذين باركوا الانقلاب أو صمتوا قُبالته كانوا يُبَيّتون سوء نوايا ضد شركائهم في الوطن ممن تقدموا لتجريب الحكم وقد أنتخبهم الناس ولم ينتزعوا السلطة انتزاعا.

الحراك السياسي بعد 14 جانفي 2011 والحراك الإيديولوجي ومشاهد الصراع والعنف ومنسوب التحريض والحقد كشفت عن حقيقة كنتُ أشرت إليها في نص بجريدة الموقف يوم 6 جانفي 2005 وهي أن الإسلاميين إنما تلقوا الضربات القاصمة على يد خصم إيديولوجي تسلل إلى مفاصل الدولة واشتغل في مقاولات التجريف والاستئصال… لقد تأكد فعلا بأن ذاك الطرف المهووس بالعداء العقدي إنما هو المُعيق الأكبر لأي تواجد للإسلام السياسي وهو المستعد للتحالف مع كل الأطراف حتى مع رموز الاستبداد أو مع الدوائر الاستعمارية والمال الفاسد لكسب معركته العقدية تلك.

الإسلاميون الذين جاءت بهم صناديق الاقتراع كانوا يعلمون أنهم لا يمتلكون تجربة ولا قدرا كافيا من الكفاءة لإدارة شؤون دولة في ظرف استثنائي وكانوا يعلمون أيضا بأنه ليس من “السياسة” تسليمُ الصناديق للمهزومين انتخابيا بل وكانوا متأكدين من أن أي حكومة سِواهم تأتي بها الصناديق ستشتغل في محاربتهم قبل الاشتغال على التنمية والحرية والعدالة.

الإسلاميون الذين جاءت بهم الصناديق وتقدموا للحكم مطمئنين إلى كونهم أصحاب “شرعية” فاجأتهم عواصف الاضطرابات والاعتصامات والمطلبيات ثم أربكتهم عمليتان إجراميتان لم يقدروا لا على كشف المتورطين فيها ولا على إثبات عدم تقصيرهم في محاولات منعها… النهضة فاجأتها الضربات من كل جهة ومنها ما هو من الجهات المأمونة.. فاجأتها “ثورة” مصنعة على عَجل يخوضها سياسيون وإعلاميون ومثقفون وجامعيون ونقابيون وأمنيون وفنانون والطالعون من السجون والمواخير وخرائب المدن.

كان لابد من طرح أسئلة عن معنى وأهداف ومسارات وقيم وأصحاب “الثورة”؟ وعما يمكن أن تنتهي إليه البلاد في ظل عمليات “تخليط” المشهد وتوليد الفوضى ومراكمة الجرائم؟

الحضارات المهزومة تهزم المعاني والشعارات المنتصرة… شعارا الحرية والكرامة لم يصمدا أمام حملات التخويف من فقدان “مائدة الطعام” أو قفة الزوالي كما يقول ابن بلدتي حمة الهمامي أو مرتبات الموظفين .. والناس يتحسسون بطونهم وجيوبهم مخافة أن يموتوا من إملاق .

النهضة لم تعد تشتغل بمنطق “الطهورية” لا “الثورية” ولا الإيديولوجية وهي تعلم أن أوجاعها وجراحاتها وعذاباتها إنما كانت حصاد اندفاعها ومناطحتها لقرون الثيران الوحشية بغير قرون .. النهضة لم تعد تسمح لها تجربة المأساة بأن تُعيد إنتاج نفس الأحزان وقد تعلمت أن “شهادات الاستحسان” لا تصنع الحياة ولا تحقق المقاصد الكبرى.

النهضة تُقدّر أن تحملها لغضب قواعدها وحتى لبعض النعوت غير المناسبة لنضاليتها أفضل من امتداح يجلب عليها وعلى التونسيين ويلات أشد مما عانوه سابقا في ظل الاستبداد.

حركة النهضة بقيادة الاستاذ راشد الغنوشي تؤكد دائما بأن مصلحة تونس قبل مصلحة الحزب وهي تريد أن تعمل مع الجميع تحت عنوان مشترك هو “المواطنة”..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق