راي رئيسي

هل أسقط تضارب المصالح حكومة الفخفاخ لمقاومة الفساد سياسيا؟

كم كان مؤسفا ومحرجا أن يجد رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ نفسه يوم الخميس الماضي 25 جوان 2020 يدفع عنه تهمة تضارب المصالح في مطلع كلمته أمام نواب الشعب وفي ثلث الوقت المخصص له تقريبا، بمناسبة جلسة الحوار البرلماني الماراتونية مع الحكومة بعد مئة يوم من عملها. فالحكومة التي رفعت شعار مقاومة الفساد وخصّصت وزارة لذلك، وجعلت من أهم أهدافها بناء الثقة مع الشعب، تجد نفسها متّهمة بالفساد بعد أربعة أشهر فقط من تزكيتها. وقد انهالت كلمات أغلب النواب قاسية على رئيس الحكومة، الذي لم يُقنعهم وبدا لهم متعاليا عليهم حين استعمل عبارة لا تليق بمقامه “يبطى شويّة” متحدّيا من يتّهمونه بالفساد. وجاءت تصريحات رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب يوم الإثنين 29 جوان 2020 بمثابة رصاصة الرحمة على حكومة الفخفاخ، خلال جلسة استماع له بالبرلمان أمام لجنة الإصلاح الإداري والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد ومراقبة التصرف في المال العام. فهل سقطت حكومة الفخفاخ مبكّرا سياسيا في الحدّ الأدنى، بتهمةُ تضارب المصالح، وهي التي جاءت لمقاومة الفساد؟

من يرتكب أخطاء فادحة في السياسة، يدفع الثمن غاليا وفورا. وهذا واقع حال رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ الذي كان الفشل الاتّصالي واضحا خلال لقائه الإعلامي مع بوبكر بن عكاشة مساء الأحد 14 جوان 2020، خلافا للحوار الذي سبقه. فقد فتح الحوار الكارثي أبواب جهنّم على مصارعها، أمام الفخفاخ على أكثر من صعيد. إذ بدا حادّا ومغرورا في رفضه اقتراح حركة النهضة توسيع الحزام السياسي للحكومة، وتحدّى راشد الغنوشي، رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة بقوله أنّ أمامه أن يفعل ما يراه صالحا به وبحزبه، في التعاطي القطعي مع قراره برفض انضمام قلب تونس إلى حكومته. وكان تقييم الفخفاخ الضمني والسلبي لفترة حكم سلفه يوسف الشاهد، وجها آخر للمعركة. إذ بدا واضحا من حديثه عن الوضع الاقتصادي، أنّ حصاد المرحلة السابقة كارثي، وأن الأمور في مجملها كانت تسير في الاتجاه الخاطئ، وأن تضاعف نسبة المديونية أكبر عنوان للفشل. وأنّ الحكومة الحالية ستغيّر الأمور إيجابيا. وكانت الطامّة الكبرى حين أجاب الفخفاخ بوثوقية كبيرة عن سؤال مُحاوره حول شبهة تضارب مصالح متعلّقة بشخصه، حين أقرّ بامتلاكه لأسهم في عديد الشركات، وأنّ إحداها لها تعاقد مع الدولة، ولم ير في ذلك مخالفة حسب تقديره واستشاراته القانونية. ومن هنا انطلقت المعركة ضدّ الفخفاخ وقد لا تهدأ.

هكذا عزّز الفخفاخ صفوف خصومه في المعارضة، وهيّأ الأجواء المناسبة لاستهدافه في جلسة برلمانية مقرّرة مسبقا بمقتضى القانون الداخلي لمجلس نواب الشعب. لم يجد رئيس الحكومة من يدافع عنه من الائتلاف الحاكم، إلاّ مواربة، ضدّ تهمة تضارب المصالح التي سبقت الإشارة إليها أيام مفاوضات تشكيل حكومته، وربّما أجّلت الحرب على كوفيد 19 الخوض فيها، وبدت القرائن عليها قويّة عشية جلسة الحوار بالبرلمان. ولا تستبعد بعض الأوساط بصمات الشاهد في ذلك.

فبعد القصف الذي استمرّ نحو 16 ساعة تحت قبة البرلمان، وأثار خلاله نواب الشعب تساؤلات عديدة قانونية وسياسية، واتهموا رئيس الحكومة بالفساد بسبب تكتّمه عن تضارب مصالح تتعلّق به أو تأخّره في اتخاذ الإجراءات التي يستوجبها القانون، بات مؤكدا أنّ لجنة برلمانية للتحقيق ترأسها المعارضة سيتم تشكيلها في الغرض وأنّ لائحة لوم ضدّ الحكومة لسحب الثقة منها لم تعد مستبعدة طبقا للفصل 97 من الدستور. فقد وجد حزب قلب تونس وكتلة ائتلاف الكرامة الفرصة سانحة لتصفية حساب سياسي مع الفخفاخ الذي استبعدهما من حكومته. وقد أشار بيان مجلس شورى حركة النهضة ليوم الأحد الأخير إلى “حرصه على متابعة التحقيقات الجارية في شبهات تضارب المصالح وعلى ضوئها سيتخذ القرار المناسب”. وبدا التحفظ واضحا لدى التيار الديمقراطي وحركة الشعب في انتظار التطوّرات. وقد تحرّكت تحقيقات في أجهزة الرقابة الحكومية. كما أثار نواب مستقلون قضايا عدلية ذات صلة.

وجاءت تصريحات رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب مدويّة بالبرلمان لتعزّز فرضيات الإدانة. فقد اعتبر أنّ رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ خالف الدستور والقانون. فهو قد واصل إدارة إحدى شركاته إلى غاية 17 أفريل 2020 مخالفا الفصل 90 من الدستور الذي يمنع على رئيس الحكومة أو أحد أعضائها “ممارسة أية مهنة أخرى”. وهو لم يُحل التصرّف في أسهمه بشركتين لهما تعاقد مع وزارة البيئة إلاّ في 15 أفريل و22 ماي. ودعا الطبيب إلى فسخ عقود شركات الفخفاخ مع الدولة. كما أثار أسئلة حول بيعه مؤخرا لبعض أسهمه بعد أن تضاعف ثمنها بسبب الأرباح التي تحققت من خلال تعاقدها مع الدولة. وألمح الطبيب إلى شبهات تضارب مصالح متعلّقة بعدد من وزراء حكومة الفخفاخ. وربّما تكتّم رئيس الهيئة عن معلومات أخرى لعدم سريّة الجلسة.

قد لا يكون استعراض تفاصيل الجوانب القانونية والتأويلات والوقائع مفيدا في هذا السياق، وقبل اكتمال أعمال التحقيقات المختلفة في الموضوع، لكن من المؤكد إلى حدّ الآن، في ضوء الجدال الحاصل في المؤسسات وفي وسائل الإعلام ولدى الرأي العام، أنّ إلياس الفخفاخ قد طالته شبهات قوية بالفساد. وأنّ حكومته سقطت أخلاقيا وسياسيا قبل الإفصاح عن نتائج التحقيقات وانتظار القرارات والإجراءات تبعا لذلك. وقد انطلق الحديث بعد عن سيناريوهات إنهاء حكومة الفخفاخ؟ وعن البدائل المقترحة؟ وعن تداعيات ذلك على مراكز السلطة في قرطاج وفي باردو أيضا؟ والأهمّ من ذلك كله كلفة ذلك على البلاد والشعب في ظروف اقتصادية واجتماعية مأزومة قبل حكومة الفخفاخ وبعدها.

لا تبدو حكومة الفخفاخ محظوظة بالمرّة. فبعد ثلاثة أيام من تسلّمها لمهامّها داهمتها الحرب الباهظة على كورونا التي بعثرت أولوياتها وقلبت أهدافها رأسا على عقب. فبحسب بعض المؤشرات ينزل معدّل التنمية إلى 8 نقاط تحت الصفر والبطالة ترتفع إلى 21 % وعدد الفقراء يتوسّع وموارد الدولة تبدو شحيحة وأبواب الانتدابات بالوظيفة العمومية مقفلة.

والانتصار الرمزي في الحرب على كوفيد-19 التي لم تضع أوزارها بعد، وسمعة بعض أعضاء الحكومة، تعصف بها شبهات تضارب المصالح والفساد. ولا يُستبعد أنّ حكومة الفخفاخ التي قال بثقة أنّها ستستمر 5 سنوات، وقال بعض مكوّناتها أنّه لا يملك طرف إمكانية إسقاطها، قد يكون عمرها الأقصر من بين الحكومات. ومن قبل قال المتنبي:

ما كلّ ما يتمنّاه المرء يُدركه

تجري الرياح بما لا تشتهي السَّفنُ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق