راي رئيسي

هل أهان قيس سعيد التونسيين خلال زيارته لفرنسا؟

هل كان يعي مستشارو رئيس الجمهورية قيس سعيد أن مثل تلك الزيارة هي مناسبة لتقديم صورة عن تونس وعن التونسيين وأنها حدثٌ يتابعه الإعلام المحلي والدولي وجمهور الفايسبوك، وأن أي كلمة أو حركة هي في مرمى البصر الإعلامي؟

هل يمتلك السيد الرئيس رؤيته الخاصة للعلاقات الخارجية وللملفات الإقليمية فيعبر عنها بلسانه هو؟، أم إنه يخضع لتوصيات مستشاريه يرسمون له مسارا ويحدّدون له مدارا ويضبطون له مفرداتٍ وأفكارا؟ فإذا هو يواجه ردود فعل غاضبة من قاعدة جماهيرية عريضة لا يخفي أغلبها التعبير عن صدمته أو خيبته كما لم يتأخر الكثيرون في التعبير عن كونهم لن يعيدوا انتخابه في المرة القادمة.

لعل أفسدَ ما يقع فيه الساسة والمسؤولون هو حين يمارسون السياسة لا انطلاقا من مبادئ وقناعات وإنما انطلاقا من حسابات ومن ردود فعل ومن رغبة في تسجيل أهداف ضد منافسين وخصوم سياسيين، ومثل هذا المنهج في ممارسة السياسة أو الحكم يُوقع أصحابه في أسوأ الوضعيات فلا يترددون في طلب “العون” من أطراف خارجية يسترضونها بكلام وأفعال حتى تسندهم في معاركهم الداخلية.

تابع التونسيون “تصريحا” و”صورة” لقيس سعيدا وجدوا فيهما إهانة لوطنهم في تاريخه وفي سيادته.

أما عن التصريح فهو اعتبار الاستعمار الفرنسي لتونس “حماية” وأعفى فرنسا من الاعتذار واكتفى بطلب مساعدات ومشاريع تنموية كأسلوب في تأكيد التعاون بين الدول ولتجاوز ما عانته الإنسانية من “ألم”.

مثل هذا التصريح اعتبره كثير من التونسيين تنكرا لدماء شهداء المقاومة وتخليا عن نضالات أجيال ضد الاستعمار وممارساته الوحشية بحق التونسيين في أبدانهم وأرواحهم وثرواتهم.

كان صادما أن نرى الرئيس التونسي يبحث للمستعمر عن “مخرج” من الحرج التاريخي بل وينبّهه من خطر الوقوع في “فخ الاعتذار” فـ “من يعتذر يتهم نفسه” أي إن موضوع الاعتذار هو موضوع التهمة نفسها، والاعتراف بالتهمة يترتب عنه تحمل مسؤولية الجريمة، فما الذي يزعج رئيسنا أن تعترف فرنسا بجريمتها الاستعمارية وأن تتحمل مسؤوليتها تجاه مستعمراتها تسدد إليهم دَينهم عليها وهو دين أكبر من أن يُحصَى لأنه ليس مجرد أرقام من مال أو كميات من ثروات مادية.

كان الإعلامي الفرنسي يلح على حق التونسيين في الاعتذار وكان الرئيس التونسي لا يرى جدوى من اعتذار بعد ستين سنة،بل ويُنبّه إلى كون أي اعتذار سيكون دليل إدانة وسيُستعمل حُجة ضد فرنسا.

وأما عن الصورة فهي تلك التي تابعها التونسيون في طريقة تسليم رئيسنا قيس سعيد على الرئيس الفرنسي، حيث ظهر منحنيا على كتف ماكرون بطريقة غير جيدة بل وظهر ماكرون ضاحكا كما لو أنه يسخر أو يستغرب تلك الطريقة في تقبيل الكتف وهي طريقة لم نشاهدها من قبل إلا مع أمراء الخليج وما ساد فيهم من تقاليد “خضوع” من هو أدنى رتبة لمن هو أعلى.

الزيارة التي كانت على عجل لم تكن بعيدة عما يحدث في ليبيا ولم تكن دعوة الرئيس التونسي قيس سعيد إلى باريس إلا محاولة لسحب الموقف الرسمي التونسي من منطقة الحياد الإيجابي إلى منطقة “الاصطفاف”، ولعل هذا ما جعل رئيسنا يعدل في مفهوم “الشرعية” لتصبح حكومة الوفاق لا تتوفر إلا على شرعية مؤقتة وهو ما سيفتح الباب لتأويلات جديدة لكل ما يحدث في ليبيا من تدخلات خارجية ومن تشكل محاور.

طبعا لم ينس قيس سعيد وهو في دولة “الحماية” أن يذكر العالم بأنه هو الرئيس للدولة التونسية وأن الغنوشي أخطأ حين اتصل بالسراج يهنئه باستعادة قاعدة الوطية.

مراقبون عديدون يرون أن الرئيس التونسي قيس سعيد يعاني “عقدة الغنوشي” وأن تلك العقدة هي التي دفعته وستدفعه مستقبلا إلى البحث عن ملاذات خارجية لتعديل ميزان القوة: القوة الحضورية (كاريزما) في المشهد التونسي والدولي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق