راي رئيسي

هل بات للفساد حاضنة سياسيّة تحصّنه؟

اختلاس وإهدار لموارد الدولة أو تبديدها، استغلال نفوذ، إثراء غير مشروع، محسوبية، رشوة موظفين عموميين، تهرّب ضريبي، احتكار ومضاربة، تلاعب بالأسعار وتخريب للقدرة الشرائية للمواطن، إعاقة النمو الاقتصادي وتقويض خطط التنمية، هروب المستثمر الوطني والأجنبي، الإخلال بالعدالة الاجتماعية وازدياد الهوّة بين الفئات الاجتماعية الغنية والفقيرة، استنزاف موارد الدولة نتيجة التهرّب الضريبي، بما يحرم قطاعات هامة مثل الصحة والتعليم والخدمات من الاستفادة من هذه الموارد.

هكذا يبدو المشهد العام اليوم، تنام لافت للفساد وتمترس له بجميع أشكاله وفي جميع مجالاته، أمام عجز شبه تام للأجهزة الرقابية والعقابية.. كل هذا يجعلنا نتساءل هل الفساد ظاهرة موضوعية أم هو ثمرة سياسة واعية؟ هل الفساد الاقتصادي بات ثمرة فساد سياسي أم هو العكس؟ وهل بات له حاضنة ترعاه وتحميه؟ وما السبيل إلى لجم هذا الغول؟ بالشفافية وبالمساءلة، أم بالعقوبة الزاجرة، أم بتغيير البنية التي أنتجت الفساد؟ أو بكشف لوبياته ومحركاته؟ ثم لماذا شهدت مرحلة الانتقال الديمقراطي تفشي ظاهرة الفساد بهذه السرعة والكيفية؟ وهل تحول التعددية والديمقراطية دون الفساد أم أنها تفضي إلى تعدد أنماطه؟ وإذا كانت الديمقراطية منقذا من الفساد فلماذا عمّ في مرحلة نهاية الاستبداد وبداية الديمقراطية؟

لقد عرفت بلادنا بعد ثماني سنوات من الثورة ملامح واضحة للدولة الصلبة أو جماعات الضغط من بينهم أباطرة للمال الفاسد وبارونات الإعلام الموجّه وبعض الهياكل النقابية وأسماء مافيوزيّة صار الجميع يعلم دورها في صناعة الحكم قبل الثورة وبعدها وتأثيرها المباشر في أطوار الانتقال الديمقراطي، وتوجيهه بكل الوسائل بما في ذلك الاغتيال السياسي والاستثمار في الدم. جماعات الضغط هذه بتسرّبها إلى مجالات المال والأمن والإعلام والعمل النقابي تسيطر على الدولة والإدارة وتمثّل الراعي الأول للفساد الذي صار بنية متكاملة..

وجماعات الضغط هم أجهزة حكم غير منتخبة، أو أصحاب المصالح التي تتحكم بالتوجهات العامة للدولة، ويكون هدفها إما المؤامرة على نظام الحكم القائم، أو الحفاظ على مصالحها والدفاع عنها، عن طريق أشخاص متنفذين في جميع مؤسّسات الدولة ويعملون على تحقيق أهداف مشتركة، ولهم قدرة التأثير في القرارات السياسية للدولة. وهي أيضا مركّب إداري وسياسي وإعلامي وتشريعي يتكوّن من رجال دين وأصحاب أموال وقيادات نقابية، تجمعهم جميعا رابطة واحدة منطقها ومؤداها الحفاظ والإبقاء على مصالحها وامتيازاتها الخاصة واستثناؤها من أي مصالحة أو محاسبة أو تتبع قضائي..

إن جماعات الضغط أو الدولة الصلبة هم قطعا امتداد الأنظمة الدكتاتورية التي سقطت نظريا لكنها لا تزال تحافظ على مواضع متقدّمة وحساسة في الدولة والإدارة ومازالت تتمتع بمصادر نفوذها المالي والإعلامي وعلاقاتها المحليّة والدولية، التي منها تشكل كتلة صلبة تعمل على عرقلة مسار الثورة السياسي وإجهاضه بالتأثير الناعم كما في تونس أو العنيف كما في مصر أو بالإبادة الجماعية باستقدام التدخل العسكري الخارجي كما في سوريا واليمن وليبيا..

نعم إنها دولة الفساد التي تلقي بظلالها على بلدنا رغم ما عرفته من إصلاحات وتحوّلات عميقة، فهي ماضية في الدفاع عن وجودها وكينونتها بأي ثمن..

فسادها له قلاع كثيرة تحصّنه وترعاه وتحفظه من المهالك، فينمو ويترعرع وتتقوى شوكته ويحكم بقبضته على الدولة ويزرع بذور الاستدامة والمكوث الأبدي، إنه دولة داخل الدولة لها مؤسساتها ونخبها وقانونها الخاص، تملك وسائل الترغيب والترهيب والاكراه، وتزرع إيديولوجيتها للسيطرة على العقول، وتعمل على تدجينها وتطويع تفكيرها لصالحها، وتملك قدرة خارقة للاستقطاب والاستدراج إلى مدارجها ومسالكها ومهالكها.

لقد تمترس الفساد حتى باتت الدولة أرضا مشاع ومستباحة، ورغم وجود بعض المناوشات والاستفزازات بينهما من حين لآخر فسرعان ما يعقبها فترة مهادنة وتطبيع طويلة..

وللفساد سفراء النوايا السيئة يحشدون الدعم الدولي لقضاياهم غير العادلة وفي مسعى أيضا لتحسين وتمتين العلاقات مع دول الفساد الكبرى لتبادل الخبرات والتقنيات في استدامة الفساد وإطالته وتعظيم شأنه بين الدول والأمم وإبرام اتفاقيات بشأن التطبيع الكلي مع الفساد.

لقد كشف المسار السياسي المتعثر منذ العهدة التأسيسية مدى نفوذ جيوب الفساد، وقدرتها الفائقة على مسايرة الموجود السياسي ثم اختراقه وتجديد حاجتها للانحراف به نحو نظام أقل شفافية من مطلوب الديمقراطية.

فدفعت من خلال احتضانها للفساد بجميع أشكاله نحو خلق حالة سخط شعبي بسبب انعكاسات هذا الفساد الاقتصادي والاجتماعي أمام ضعف مؤسسات الدولة واسترخائها ومن ثم صنع الرمز المخلّص والملهم من بقايا الأنظمة البائدة قاطرة الثورة المضادة..

إذا الفساد المستشري والمتنامي الذي نراه اليوم هو في الحقيقة ليس إلا ثمرة فساد سياسي، وظاهرة موضوعية وثمرة سياسة واعية.. فالاحتكار والمضاربة والتلاعب بالأسعار وتخريب القدرة الشرائية للمواطن والقدرة التنافسية للمؤسسات وتدمير العملة المحلية، كلها مظاهر لفساد اقتصادي تحرّك خيوطه دولة صلبة أو مجموعات ضغط ترفض أن تفقد موقعها في الدولة أو تتخلّى عن امتيازاتها وترفض مخرجات الثورة، وتعتبرها خطرا على وجودها ومستقبلها، وهي معنيّة أكثر من أي شيء بتدمير هذا المنجز وإخراجه في ثوب الخطيئة التي قادت إلى الوضع المتردّي الذي أصبحنا عليه.. ويكفيها أن تحرّك أذرعها وماكينتها ليمارسوا البلطجة الاقتصادية من احتكار ومضاربة وتلاعب بالسلع والأسعار، لتنسج الصورة التي تريد تمريرها للمواطن التونسي وترسّخها في لاوعيه، ليبحث من حيث لا يشعر في المنقذ المخلّص من داخلها ويلعن من جاءت بهم الثورة ويحملهم مسؤولية كل الفشل والخراب الذي سوقته هي وأذرعها.. وبدل أن يكون الفساد ربيب الاستبداد يصبح الفساد ربيب الحريّة والديمقراطية..

لم يعد لا مجال تشكيك ولا مجال نقاش أن تونس اليوم تقبل على مرحلة سياسية فارقة ومحدّدة من تاريخها، محطة إما أن تثبّت مكاسب ما بعد ثورة الحرية والكرامة وتبني عليها لتقترب من انتظارات شعب انتفض ضد الفساد والتهميش والاستبداد، أو أن تقوض كل ما تحقق في صرح البناء الديمقراطي وتنتكس بنا إلى ما قبل 17 – 14..

هنا تحديدا وعند هذه النقطة الفارقة تتمايز الخطوط وتعود البوصلة الحقيقة لمعركة هذا الوطن، ونعني هنا بوصلة المعركة الحقيقية التي نحن مقبلون عليها والتي يجب أن تكون محرارنا ونحن نخوض المفاوضات والمشاورات ونعقد الصفقات السياسية..

مأسسة الحرب على الفساد وتحييدها عن السياسة وعن الساسة والأحزاب لرفع الحصانة عنه وتفكيك حاضنته السياسية والإعلامية والنقابية بات اليوم ضرورة أكثر من ملحّة.. في هذه المرحلة المفصلية التي نمرّ بها ليس أمامنا أي خيار سوى تفكيك حاضنة مافيا الفساد المستشرية في كل مجال حيوي، وهذه هي معركة مستقبل بلد حرّ ينشد تنمية وعدالة اجتماعية.

وليس أمامنا اليوم إلا أن نحافظ على ما تحقق ونراكم عليه أو أن نرتمي من جديد في حضن دولة المافيا لتعيدنا إلى مربع الاستبداد وامتهان الكرامة ويقطع بذلك كل أمل في تنمية عادلة أو عدالة اجتماعية..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق