الافتتاحية

هل دقت ساعة التغيير؟

لا أحد يعلم مآل الحوار بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد والشيخ راشد الغنوشي بصفتيه رئيسا للبرلمان ولحركة النهضة، ولكن الواضح أنه لم يذب الجليد بينهما فقط بل فتح للبلاد مسارا للخروج من أزمة سياسية متواصلة منذ نيل حكومة هشام المشيشي الثقة، وسط صراع بينه وبين قصر قرطاج الذي انتبه ساكنوه فجأة إلى أن من منحوه ثقة الرئيس لتشكيل حكومة دون أحزاب، أقصى كل الأحزاب باستثناء، “طلبة التجمّع”، فجاءت حكومة رئاسية في ظاهرها، تجمعية في باطنها.

تدخلت الرئاسة بقوّة لتعديل القائمة وحصل ما حصل، لتجد الكتل السياسية التي تجمعت لسحب الثقة من حكومة الفخفاخ، وتحديدا النهضة وقلب تونس والكرامة، نفسها أمام فرصة تاريخية لاستعادة زمام المبادرة من الرئيس، ولم يجد الرئيس من آلية عملية للحيلولة دون ذلك إلا التعطيل والصدام الكلامي، ليخلو الجو، “للشلة الجديدة”، لتستفيد من هذا الصراع ولتبسط سيطرتها على القصبة، وتدخل البلاد في مسار من الفشل التراكمي، على كل الجبهات.

منذ استلام حكومة المشيشي مهامها في سبتمبر الماضي، توفّي 15 ألف تونسي، بسبب كورونا، وعجزت الحكومة عن توفير التلاقيح، وعن تمرير إصلاحات اجتماعية واقتصادية، وعن إرساء المحكمة الدستورية بسبب الإرباك المقصود الذي تخلقه كتلة الإصلاح في الحزام السياسي حتى يبقى الطرفان القويّان فيه وهما النهضة وقلب تونس، تحت الضغط العالي، كما عجزت عن تنفيس الوضع المالي المحتقن، حيث فشلت في الحصول على نتائج تذكر من زيارتي الدوحة وطرابلس، علاوة على فشلها في قيادة مفاوضات جدية مع صندوق النقد الدولي.

الأخطر من ذلك هو أن مسؤول المفاوضات مع اتحاد الشغل في الحكومة، أمعن في إرخاء الحبل لساحة محمد علي بطريقة أثارت دهشة النقابيين أنفسهم، ليخرج علينا كل مرّة بإمضاءات واتفاقيات يدرك جيدا أنها مجرد رسائل استعراضية لإقناع الحزام السياسي وقرطاج بأن الحكومة مدعومة من اتحاد الشغل.

الحقيقة أن “شلة الطلبة” بارعة في “التكمبين” وسياسة ضرب رأس برأس، ونجحت إلى حدّ ما في “تنويم” النهضة، وتحجيم قلب تونس، الذي قضى زعيمه أغلب زمن هذه الحكومة في السجن، كما لعبت هذه الشلّة على كراهية الاثنين لتحيا تونس، وفي نفس الوقت تقوم هي بمغازلة كتلة تحيا لإنشاء كتلة برلمانية تتعملق بها كتلة الإصلاح لتصبح دعامة الحكم في البلاد.

ولا تقل سياستها تجاه عبير موسي خبثا، فالطلبة يأكلون مع قلب تونس والنهضة والكرامة ولكنهم يغازلون موسي، ويتحدثون عن حلف تجمّعي مقدّس في المستقبل، ولمَ لا تغيير المشهد البرلماني ليصبح “الصهر” رئيسا للبرلمان، وصهره رئيسا غير مزكى للحكومة. الشلة نجحت أيضا في إغراق الإدارة بالتعيينات وأعطت رسالة مفادها أن المقاهي والنزل و… هي المدخل الحقيقي للتعيين، وباتت إعلانات طلب العروض مفضوحة، بل فيها تحد سافر للأطراف الأخرى إن لم نقل “محاولة للتشليك” لإظهار من هو الحاكم الحقيقي، وخاصة في مواجهة حركة النهضة.

وطبعا ولتحسين الأداء لجأت الشلة لجزء من “ماكينة القصبة الشاهدية “، ليكتمل المشهد، ويعيد التاريخ نفسه. كل هذا والبلاد تنزف، والإصابات بالآلاف كل يوم، ونسبة الملقحين لم تصل إلى 10 % من التونسيين. .. كل هذا والاقتصاد يحتضر، والفئات الهشة التي كانت تنتظر فصل الصيف لتدعم مداخيلها من المهن المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالسياحة الداخلية والخارجية والترفيه الأسري، تضطر إلى البقاء في المنزل توقيا من خطر كورونا، الذي انقشعت غيومه عن العالم، وظلت كثيفة بتونس، بفضل حكومة “الشلّة”. حكومة “الشلة” لم يعد يردعها شيء، وهي تتصرّف وكأنها أحكمت قبضتها على كل شيء، فهي تراهن على أن :

أولا : رئيس الدولة غير قادر على إجراء تسوية سياسية أو حتى حوار مع أي طرف وأنه سيكتفي بدور المعطّل حتى تتهاوى شعبيته.

ثانيا : حركة النهضة تناور ببيان مجلس الشورى وأنها متمسكة بحكومة المشيشي، ولن تقدر لا على إسقاطها أو تغييرها أو حتى إدخال تحسينات عليها، لأنها تخشى استقالة الأخير وعودة الأمور للرئيس من جهة ولأن أقصى طموح للنهضة هو توفر من يحميها من القمع.

ثالثا: قلب تونس مضمون مائة بالمائة وأن تمكينه من بعض المعتمديات وبعض التعيينات يكفي لتحييده وابتزاز النهضة به باعتباره أحد ركائز التحالف البرلماني الثلاثي.

رابعا: أن التعيينات التي تمت في الأسابيع الأخيرة كفيلة بضمان هيمنة “الشلة” على أهم مفاصل الدولة، وأن العلاقات التي نسجت مع بعض رجال الأعمال يمكن أن توفر الدعم اللازم لماكينة تخدم أجندة “حزب القصبة الجديد” لينجح في ما فشل فيه السابقون.

خامسا: استقالة المشيشي سيف مسلّط على النهضة لأنها ستعيد الأمور إلى الرئيس، ولا ندري هل تتجاهل “الشلة” معنى أن تعود الأمور إلى الرئيس وأي مصير سيواجه “شلة الأنس” التي يكن لها قرطاج كل المودّة !! أما حركة النهضة التي واجهت بورقيبة وبن علي طيلة 40 سنة فهل سيخيفها وصول رئيس حكومة معاد لها؟ وهل منعها هذا الخوف من سحب الثقة من حكومة الفخفاخ، أو من الدفاع عن الاستقرار الحكومي زمن الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي؟

السؤال الآن هو من يتحمل المسؤولية عن هذا الانحراف الخطير؟ وكيف يمكن إصلاح الأمور؟

هشام المشيشي طبعا هو المسؤول الأول فقد توفّر له حزام برلماني كبير كان بإمكانه أن يدير بمساندته دواليب الدولة، لا لبناء حزب القصبة أو الشلة بل لقيادة البلاد نحو شاطئ الأمان. الرجل لا تنقصه النزاهة ولا “الرجولية” كما يقال ولكن يبدو أن الأمور خرجت عن سيطرته، وأنه لم يعد يحكم بل يشارك في رئاسة حكومة جماعية. قد يكون وجد راحته الشخصية واطمأن لمن يثق فيه، ولكن هل مازالت عنده القدرة لينظر حوله ويشاهد حجم الخراب والدمار الصحي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي تضاعف في الأشهر الأخيرة.

موقف النهضة الذي فهمه البعض خطأ، ليس تمسكا بالمشيشي بل محاولة لإعطائه فرصة جديدة، لذلك جاء بيان المجلس كما علمنا من مصادر موثوقة، رسالة لمن فهم بأن النهضة تناور وأنها ستذعن في النهاية لحزب الشلة الجديدة.

لا أعتقد أن المشيشي بصدد التعرّض لابتزاز أو مناورة من حركة النهضة تحديدا بل هو في لحظة حقيقة وعليه أن يختار الطريق الذي يخرج تونس من الأزمة والاحتقان.

وفي جميع الأحوال فإن المطلوب الآن من الجميع ومن رئيس الجمهورية تحديدا، مراعاة الظرف الذي تمرّ به البلاد، والاتفاق على أن الحكومة الحالية لم تعد قادرة على قيادة البلاد، وأن الحل في تشكيل حكومة قوية تعمل في تناغم مع رئيس الجمهورية، تسندها أغلبية برلمانية متجانسة، تتوافق مع الرئيس في ما يمكن التوافق عليه وتتحاور معه في كنف الاحترام في المختلف عليه، وتؤجل الخلافات الكبرى إلى ما بعد الانتخابات القادمة. لأن الأولوية المطلقة الآن لحماية أرواح الناس، وانقاذ الاقتصاد من الانهيار، وحماية مؤسسات الدولة من التفكك نتيجة عبث اللّوبيات و”الشلة غير المسؤولة”.

إننا ننتظر من رئيس الجمهورية تحديدا أن يواصل الدور الايجابي الذي لعبه في أحيان كثيرة، وأن يكون رمزا موحدا يقوم بالتغيير داخل الشرعية المؤسساتية كما يقول دائما، وأن يراهن على حكومة متجانسة معه لا تحت هيمنته أو وصايته. حكومة تدعمها كتل سياسية لتنفذ أجندة وطنية لا حزبية بالتوافق مع رئاسة الجمهورية والمنظمات الوطنية وخاصة اتحاد الشغل واتحاد الأعراف، حكومة بلا أجندة انتخابية ولا حسابات سياسوية.

لقد دقت ساعة التغيير، وهذا ما ينتظره المواطن الذي يئن الآن تحت وطأة ضربات كورونا والأزمة الاقتصادية والاجتماعية وبوادر الإفلاس المالي لا قدر الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق