الافتتاحية

هل سرق الغنوشي فكرة تمليك الأراضي الزراعية للشباب؟

أثارت دعوة رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان الأستاذ راشد الغنوشي لتمليك الشباب الأراضي الزراعية، ردود فعل متباينة. وفي الوقت الذي رحّبت فيه العديد من الأوساط بطرح الشيخ ورأت فيها حلّا ممكنا لآلاف الشبان العاطلين عن العمل، تباينت ردود فعل قوى أخرى بين رافض لها، بل هناك من ذهب إلى حدّ القول أن الغنوشي سرق له فكرته هذه…

ولكن مراجع عدّة ومنها مقالات كتبت منذ سنة 1981 وإصدارات أخرى منها ما صدر سنة 2017 ككتاب “رؤية في العمل النقابي والاقتصادي” تؤكّد أن هذا الطرح قديم في فكر الغنوشي وقد أسّس له منذ الثمانينات، فكريّا وشرعيّا.

هذا الاهتمام بالمسألة الاجتماعية بدأ خاصة بعد مجزرة 26 جانفي 1978، التي مثلت صدمة حينها للحركة الإسلامية الناشئة والمتمركزة حول فكرة الهوية الإسلامية الضائعة والإحياء الديني، لتكتشف سنة 1978 أن البعد الاجتماعي وهو واحد من أهم مشاغل الناس ضعيف إن لم يكن منعدما في أدبياتها واهتماماتها..

وكان يوم 1 ماي 1980 يوم احتفل نحو 5000 إسلامي بعيد العمال في جامع صاحب الطابع يوما مشهودا وإعلانا عن ترسخ التحوّل الذي بدأ منذ 1978 ..

الغنوشي تناول في كتابه المسألة الاجتماعية والمسألة الاقتصادية برؤية اعتبرت حينها ثورية، ووصفت بأنها طرح غير مألوف في الفكر الإسلامي، وهو ما أشار إليه الزميل الأستاذ لطفي الحجّي في مقاله “الحركة الاسلامية والمسألة الاجتماعية” التي تناول فيها محاضرة للغنوشي ألقاها في جامع صاحب الطابع سنة 1981 حول الملكيّة الزراعية، واعتبر أن فيها منحى راديكاليا في انحيازه للمستضعفين.

هذا عن العدالة الاجتماعية عموما، أما عن تمليك الأراضي، تحديدا فقط خص الغنوشي هذا العنوان بفصل كامل في كتابه، وهو عبارة عن محاضرة ألقيت سنة 1981 عنوانها “الملكية الزراعية في الإسلام” أكد خلالها على جملة من المعاني منها حق التملك اعتبارا لكون “الأرض كلها مائدة الله، والخلق كلهم عباده، يأخذون منها على قدر جهودهم دون إسراف، ولا حرمان بسبب عجز، ولا احتكار ولا استغلال” وهذه المعاني واردة في حديث للسيدة عائشة رضي الله عنها منقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذا حديث “العباد عباد الله والبلاد بلاد الله من أحيى شيئا من موات الأرض فهي له..” إلى آخر الحديث الذي أخرجه البيهقي.

وأضاف الغنوشي في إطار محاججته لأنساق فكرية أخرى تجرم الملكية الفردية فقال “أما الإسلام فلا ينظر إلى للملكية على أنّها شرّ، وإنما الذي يجعلها خيرا أو شرّا هو الإطار الفلسفي الذي توضع فيه”…

بل إن الغنوشي ذهب إلى حدّ اعتبار أن الملكية نوع آخر من الاستخلاف..

إذا نحن أمام فكرة مؤصلة وليست طارئة أو منتحلة كما يقول البعض، وهي فكرة تعطي الأمل وتشعر التونسيّين أنهم “ملاكة” وليسوا مجرد خدم أو غرباء في أوطانهم، وتفتح أفقا لتحقيق أحلام الكثير من الشباب.

وهي إلى ذلك فكرة تساعد على تحقيق جملة من الأهداف الهامة على الصعيد الاجتماعي الوطني العام، أو المادي الفردي الخاص، كتوطين الشباب في الجهات، وإحياء المناطق الداخلية وتنميتها، وفتح المجال أمام استصلاح آلاف الهكتارات من الأراضي الدولية المهملة.

وكل ذلك يساعد في خلق الثروة وفتح أبواب جديدة للتشغيل في المناطق الداخلية التي تعرف نسب بطالة كبيرة..

وهي بذلك فكرة يمكن البناء عليها بالنسبة لحركة النهضة وتحويلها إلى مشروع للنهضة الجديدة وتونس الجديدة..

النهضة الجديدة التي يتأسّس مشروعها على استيعاب مشاكل الشباب ومشاكل التونسيّين ومحاولة إيجاد حلول للمصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها البلاد.. وهذا دورها باعتبارها حزبا سياسيا قبل أن تكون نحلة.. أو طائفة أو جماعة.. وهذا الدور يصبح أكبر وأكثر أهمية عندما تكون النهضة الحزب الأول في البلاد.

وليست النهضة الغارقة في صراعات التموقع أو في أحلامها الخاصة بفكرة الأحياء التي نشأت وتأسّست عليها.. نهضة الخمسين سنة القادمة، ستكون محكومة بجملة التحدّيات التي يفرضها الحكم وهي النهوض بالأعباء الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين أولا وقبل كل شيء..

كل ذلك في إطار أوسع، إطار تونس الجديدة التي تمنح الفرص لكل أبنائها في الترقي الاجتماعي وفي أن يكون لهم نصيب في بلادهم ولا يشعرون بالغربة وكأنهم ليسوا جزءا من هذا الوطن.. تونس التي يعتز الشاب بالانتماء إليها، ولا يعمل على الفرار منها ..

والحقيقة أن الغنوشي أعاد النهضة بهذا المقترح إلى عمقها الاجتماعي، فعكس بعض التيّارات الأخرى التي ينحدر جزء لا بأس منها من طبقات مرفهة نسبيا على الأقل، فإن الغالبية الساحقة لأبناء حركة النهضة ينتمون إلى أوساط شعبية وينحدرون من بيئات اجتماعية دنيا إن لم نقل مسحوقة..

للأسف فإن الذين يرفضون مثل هذه المقترحات، إنما يخدمون ويدافعون عن لوبيات احتكرت الثروة وامتلكت البلد، وتتصرّف وكأننا لا زلنا في عهد الاقنان، تقسم فيه البلاد إلى أسياد وعبيد، و”أصحاب البلد” لهم الحق في كل شيء والبقية يعاملون كأنهم دخلاء وغرباء.. أو مواطنين درجة ثانية..

والغريب أن هذا الاعتراض يأتي في وقت، فتح فيه المجال للأجانب لتملك الأراضي في بلادنا، حتى أصبحت العديد من المناطق الخصبة على ملك الأجانب خاصة في الشمال، بينما نغلق الباب أمام شبابنا كي يتملك أرضه ويستصلحها ويخرج ما فيها من خيرات..

إن إعطاء نصيب الجهات من الثروة، وفتح الباب للملكية الزراعية، هي جوهر مشروع الاقتصاد التضامني الذي صادق عليه مجلس النواب منذ فترة.. وهو الذي يفتح الباب للمشاركة وتعزيز مشاعر الانتماء، بدل مزيد تقسيم التونسيين، وتأليب بعضهم على بعض بالدعوة إلى مصالحات قوامها “إما أن تدفع أو افتك منك ملكك ورزقك”.. أو بمزيد الإمعان في حرمان المناطق المهمشة في حقها في الثروة والتنمية، رغم مرور 10 سنوات على ثورة رفعت شعار “الحرية والكرامة”..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق