الافتتاحية

هل ضاقت فرنسا بمسلميها؟..
أزمة الرسوم المسيئة: مزيدا من التسامح والتعايش هو الحلّ..

هناك أشياء فيما يتعلّق بالأزمة الأخيرة في فرنسا يجب الوقوف عندها بوضوح ولا يمكن المرور عليها مرور الكرام.. فما أقدم عليه ماكرون كان خطأ ويجب أن يقال هذا بكل وضوح.. ويجب أن يقال أيضا أن الرئيس الفرنسي وقع تحت تأثير اليمين المتطرّف الذي يعمل منذ فترة على جرّ الساحة السياسية الفرنسية إلى معارك هووية مع المهاجرين وخاصة العرب والمسلمين منهم، واعتبارهم خطرا على الدولة الفرنسية وعلى قيم الجمهورية بدل محاولة استيعابهم كمواطنين لهم حقوق كغيرهم من الفرنسيين ومن حقّهم أن يكونوا مختلفين وليس من حق أي أحد أن يفتّش في معتقداتهم..

ولا أعتقد أن استمرار هذا الوضع والإصرار على استفزاز مشاعر ملياريْ مسلم تحت أي ذريعة كانت سيصبّ في مصلحة أيّ طرف، والمستفيد الوحيد سيكون التطرّف والراديكالية في الجانبين، ففرنسا تظل لاعبا رئيسيا في المنطقة وشريكا استراتيجيا لها، ونحن لا ننسى موقف فرنسا في حرب 1967 حين وقفت باريس ضد “إسرائيل” ولا ننسى موقف جاك شيراك خلال زيارته لمدينة القدس سنة 1996 وحالة التدافع والشجار التي وقعت بينه وبين عناصر من الشرطة الاسرائيلية أمام مدخل كنيسة القديسة حنة (سانت آن) بالمدينة المقدّسة.. وهو نفس الموقف الذي تكرّر مع الرئيس ماكرون في جانفي من السنة الحالية..  ولا ننسى أيضا الأدوار الإيجابية التي لعبتها فرنسا تجاه بلادنا ودعمها لنا في أكثر من محطّة..

لكن هذا لا يمنعنا من القول أن الرجل الذي يحكم فرنسا اليوم أخطأ وعليه مراجعة أخطائه ومنها حديثه مؤخرا على تونس وكأنّها كانت قبل 30 سنة أفضل من اليوم..

ما نعتقده نحن هو أن هذه المعركة فرضتها أطراف يمينة متطرّفة، وهي معركة بلا أفق تاريخي، وأثرها المباشر سيكون مزيد تعقيد وضع أبناءنا من الجالية التونسية في فرنسا، أما أثرها على المدى المتوسط والبعيد فسيكون ولادة إسلامية فرنسية ستمثل تثويرا تاريخيا عميقا للهويّة الفرنسية ونهاية جذرية لثنائية نحن والغرب..

فالخطأ التواصلي لماكرون وخلطه بين ظاهرة الإرهاب والتهجّم علي عقيدة ومقدّسات جزء من مواطنيه، بخطاب شعبوي يخلط عمدا أو واقعا بين الوجه الإجرامي للحدث والبعد الديني في سياق التنافس على جمهور اليمين مع ماري لوبان هو بالنهاية تعبير عن عجز فرنسي خالد عن التعاطي مع فكرة العلمنة نفسها.

ومحنة الفرنسيين المسلمين مع الوعي المقلوب للنخب الفرنسية الماسكة بمفاصل صنع القرار الرسمي اليوم وبالمسألة الدينية والتركيب المتعدّد لفرنسا الجديدة سيساهم في تنشيط الحوار  عند مسلمي فرنسا عن خصوصية الإسلام الأوروبي وتأويلاته المفتوحة على تأصيل فكرة الإنسانة أو الإنسانية l’humanisme والكونية من جهة، وفكرة الحريّة والقبول بالمغاير والتعايش والتسامح والعقلانية الصلبة للحيّز الاجتماعي على اعتباره حيّز متنوع ومفتوح على التثاقف.

فردّ المسلمين على حملات الاعتداء الرمزي على مقدّساتهم تمثل فرصة لإعادة السؤال حول معالم الإسلام الأوروبي وحدود تمايزه عن تعبيره العربي والشرق-أوسطي والآسيوي.

فرنسا عليها أن تعيد النظر في استراتيجياتها في المنطقة وعليها أن تدرك أن سياساتها القائمة على الهيمنة، انتهت، والمعطيات تغيّرت، وعلى قادة فرنسا أن يدركوا أن هذه التغيّرات عميقة وجذريّة.. وبدل سياسات الهيمنة على فرنسا أن تدخل في شراكات حقيقية مع بلدان المنطقة وشعوبها.. لا أن تظل مُعوّلة على حفنة من الحكام المستبدين ليضمنوا لها مصالحها…

على فرنسا أن تدرك أن ضمان مصالحها يتم عبر مصالحة حقيقيّة مع شعوب المنطقة واحترام خصوصياتها الثقافية والدينية وتفهم رغبتهم في الانتقال إلى الديمقراطية والخروج من حالة الاستثناء الديمقراطي.. وعليها أن تواجه مشاكلها، ولا تُحمّل الإسلام كدين نتائج خيارات خاطئة في التعامل مع الجالية العربية والمسلمة ومحاولة سلخها عن جذورها، كانت نتيجتها سنوات من تهميش أبناء الضواحي واعتبارهم مواطنين درجة ثانية..

.. ولن تستطيع فرنسا مواجهة هذه المشكلة بمحاولات الهروب إلى الأمام كالقول بأن الذين يقفون وراء دعوات المقاطعة هم أقليّة راديكالية أو “الاعتصام” بحريّة التعبير كمبدأ لا يختلف عليه اثنان للإمعان في النيل من مقدّسات الآخرين، الأمر الذي يجرّمه القانون الدولي الانساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان التي تعتبر من مفاخر الحضارة الغربية..

على فرنسا، أوّلا، عدم الإصرار على الخطأ والتوقّف عن نشر الصور المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في المؤسّسات العمومية. وعليها ثانيا، الإقرار بأن ردّة الفعل تتجاوز مجرّد مجموعات راديكالية إلى عموم المسلمين من تونس إلى ماليزيا وبنغلادش مرورا بتركيا والمغرب والأردن والكويت وكل الدول العربية والإسلامية.. وعليها ثالثا، الإقرار بأن الرئيس الفرنسي أخطأ.. أخطا لمّا هاجم الإسلام كدين، عندما اعتبر في خطابه عن الانفصالية الإسلامية، أن الإسلام يعيش أزمة في كل مكان، ولم يقصر الحديث عن مسلمي فرنسا أو عن بعض التمثّلات للإسلام، ولكنه اعتبر الإسلام في أزمة وأنه هو من سيصلح هذا الدين.. وأخطأ حين أصرّ على العناد وهو يرى هذه الهبة الإسلامية العارمة من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق.. وهي هبة لا زالت في بدايتها، والموجة قد تكون أكبر، والاقتصاد الفرنسي المنهك أصلا بتداعيات جائحة الكورونا لن يكون بمقدوره تحمل تداعيات هذه الحملة..

فهل تتدارك النخب الفرنسية أمرها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق