راي رئيسي

هل عمّقت “حركة الشعب” الناصرية أزمة التيار القومي في تونس؟

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

مثَّل السلوك السياسي لحركة الشعب الناصرية خلال السنتين الماضيتين، صدمة لعدد من المتابعين السياسيين وحتى لأنصار التيار القومي بمختلف مشاربه وتيَّاراته وروافده في تونس وفي كل المنطقة العربية، وخاصة بعد متابعة الجميع لمضامين وتفاصيل وتصريحات النائب والسياسي “الصافي سعيد” في أكثر من برنامج تلفزي خلال الأسبوعين الماضيين، وكل ما سبق يُحيلنا الى طرح أسئلة عدة على غرار:

هل يمكن موضوعيا القول إن حركة الشعب قد عمقت فعليا أزمة التيار القومي في تونس على أزماته السابقة والتي تعود بعض إرهاصاتها لمنتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي؟، وهل رآكم الفعل السياسي المهتز لقياديي “الشعب” تخبطا أكثر للقوميين في تونس وخاصة في ظل عدم نجاح العمل الجبهوي بينهم، إضافة الى فشل عمليات التوحيد المتكررة بين مُدعي الوحدوية منذ سنة 1980؟ (وهي أسئلة أجبنا عليها موضوعيا في الجزء الأول من هذه الدراسة).

ما هي آليات الفعل السياسي بين أكتوبر 2019 وأفريل 2021 خاصة في ظل ضُمور داخلي وسط هياكلها وتراجع القبولية الشعبية بخطابها السياسي، وما هو مستقبل التيار القومي في تونس؟ (وهي أسئلة يجيب عليها هذا الجزء الثاني من الدراسة).

 

حول آليات الفعل السياسي لــ”حركة الشعب” بين 2019 و2021

ارتهن الفعل التنظيمي والسياسي لحركة الشعب خلال السنتين الماضيتين فعليا إلى عودة وتحكم لُوبي مؤثر في هياكلها المركزية وهو ما يسمى مجموعة الــ UDU، وهذه الأخيرة لم تكتف بذلك بل ولم تترك لشباب التيار الناصري أيُّ مساحات للفعل والتطور لا فكريا ولا سياسيا، إضافة الى هي عمدت كمجموعة الى تكريس براغماتية تُغلف عادة بالمزايدات، وسيطر ذلك اللوبي/التيار على قرارات الحزب ومقابل ذلك بدا المغزاوي وفريقه ضعيفين وباحثين عن التوافق الداخلي في كل مناسبة وفي كل ظهور إعلامي، وأصبح تياره واجهة (بل وواجهيا أيضا) لتيار إيديولوجي محافظ وأقرب للوظيفية…

وغلبت تلك الوظيفية على أداء الحزب في كل المحطات والمواقف وغابت المبدئية بل وتم السقوط في التوليف والبحث عن التأصيل الأيديولوجي لأيّ مواقف متخذة وظهر للجميع وكأن قياديي الحزب لا قبل لهم فعليا إلا المُضي فيها، حتى أنهم لم يعودوا يكترثون للتحاليل التي وسمت الحزب بالوظيفية في أكثر من مرة وفي أكثر من مواجهة إعلامية…

 

كما غلبت النفعية والمصلحة الشخصية على مواقف أكثر من قيادي، فــ “هيكل المكي” مثلا، قدم نفسه عبر مواقفه ونقاشاته وفعله السياسي على أنه “رحوي2” أو “تبيني2” (وهو فعل اتصالي اسقط مقولة كان بعض تونسيين ينتظرونها وهي أن الناصرية رؤية سياسية متمايزة)، وبالعكس تماما حمل التونسيين عليه أنه نسخة متكررة من “يسراويي متشدد” ليس إلّا، وواقعيا انتقل مثلا نفس الشخص – أي المكيّ – وبقدرة قادر من مُشيد بحكمة “الغنوشي” عشية تشكيل حكومة “الجملي” (الأيام الأولى) الى متزعم لإسقاطها (صبيحة ومساء 12 جانفي 2020) موظفا علاقته بالقروي والآخرين لينقلب في مواقف أخرى ويصبح متزعما لتيار العداء للإسلاميين ومدافعا عن مواقف أخرى عديدة خاصة وانه محام سابق لــ “شيبيوب” و”القروي” وآخرين، وكل ذلك كرس عقلية أن كُل الحزب نفعي ووظيفي ليس الا، بل أنه بقي حبيسا لتلك السمتين حتى اليوم…

وجاءت تصريحات النائب والسياسي “الصافي سعيد” في أكثر من برنامج تلفزي خلال الأسبوعين الماضيين، وهي تصريحات أثبتت اتهامات على الحزب وقياداته بعد أن كانت أحكاما متأرجحة في الأذهان بين أكتوبر 2019 ومارس 2021، والغريب أن بعضها غير صحيح أصلا وخاصة في جزئيات بذاتها، ولكنه في الأخير كشف وفكَّك طبيعة رهانات الحزب ومواقفه وأبعادها التكتيكية، والحقيقة أنه حول ما هو تخمين الى معطيات وحقائق ولبسها للحزب مُستمثرا كوارث تصريحات “لبيض” و”المكي” و”المسيلني” ووضعهم جميعا في موقف صعب وحرج مع الرأي العام ومع قواعدهم وهدم فكرة أنهم يمكن أن يكونوا سفينة انقاذ للتيار القومي مستقبلا …

ما نجح فيه “الصافي سعيد” هو أنه بيَّن أن الوظيفية والنفعية كسمتين التصقتا بالحركة، والحقيقة حسب رأينا انهما – أي السمتين – حولاها من رقم فكري وسياسي في المشهد لمجرد إطار وغطاء، ومن ثمة أصبحت كحركة ناصرية تُتابع وتتبع حزب “التيار الديمقراطي” وأجنداته ووظيفيته، ومن ثُم تسير وراءه رغم ان حركة الشعب فكريا وتاريخيا وسياسيا سابقة على “التيّار” ولعل عدم انتقاد ما قاله “محمد عمَّار” في التسريبات من تفاصيل وحيثيات أمر مُحيَّر للقوميين خاصة وان التيّار الناصري يُمثل ايديولوجيا ممتدة إقليميا…

دفاع “حركة الشعب” عن مُربعات الرئيس بالشكل الحرفي والمستمر وتبني كل خياراته السياسية وحتى الإدارية والدستورية الحرفية وتشبثها بفكرة “حكومة الرئيس” بعد سقوطها واهترائها كفكرة وكمطلب وشعار، زاد الأمر تعقيدا عليها فقد اهتزت أرصدتها السياسية والإعلامية على ما هي فيه من اهتزاز سابق حيث أصبحت حزبا وقائعيا في ردود أفعاله ولم تعد تصريحات “المغزاوي” و”لبيض” وبعض نواب آخرين لها أي وقع في الساحة السياسية (وهذا خطأ اتصالي قاتل)، ولم تعد مواقفهم ذات أي اعتبار لدى النخب (وهذا خطأ سياسي تنزيلي)، فما بالك لدى الراي العام (خطأ سياسي وتكتيكي مباشر أولا واستراتيجي ثانيا)…

تبيَّن أن قياديي الحزب على غرار “لبيض” و”المكي” وآخرين، ما هم إلّا سياسيّين وقائعيّين وأنه ليس لهم أي استراتيجيا اتصالية وأنهم أقرب للفعل وردة الفعل سياسيا لطبيعة الخط المسيطر على الحزب الذي يمثلوه أو مضطرين لمجاراة نسقه في الفهم والتنزيل السياسيين لمواقفه، فإضافة لوضوح عدم مبدئية أولئك جميعا فيما أتته وتأتيه سليلة نظام الاستبداد “عبير العمدوني موسي” والتي أصبحت في بعض ملفات مُسيرة للحزبين وكتلتهما “الديمقراطية” (أي “التيار” و”الشعب”)، وذلك أمر مُعيب سياسيا ولن يُنسى بسهولة من طرف الرأي العام، كما أنهم بقوا محصورين في حسابات تكتيكية وظرفية في مربعات الأزمة المرحلية سياسيا بين “سعيد” و”المشيشي” ولم يستطيعوا ان يكونوا في موقع ثالث او رابع متمايز عن بقية المصطفين مع هذا أو ذاك…

 

أي مستقبل لحركة الشعب؟

أصبح أغلب أنصار التيار القومي في حالة بحث عن ملجأ ثان سياسيا وفكريا من حيث التقبل المستقبلي لتغيير اللافتة الحزبية القومية بحزب قومي ثان، وهو أمر توضحه تقريبا عمليات سبر الآراء – على كثرة علاتها – إضافة لتدوينات نخب ومربين محسوبين سابقا على حركة الشعب فكريا واجتماعيا…

لا شك أن تغييب وابعاد قضايا “العروبة” و”التعريب” والمسألتين الثقافية والاجتماعية مضف اليها جميعا بُؤس المواقف السياسية وعدم المبدئية ووضوح خطية الوظيفية والنفعية إضافة الى تأثيرات مواقف بعض قيادات اقرب للحركة على غرار “المكي” و”لبيض” و”كورشيد” لتختتم الأمور ببلاتوات وتصريحات الصافي سعيد والتي كانت عمليا قاصمة بل وهدمت كل بناء سياسي منذ 2018 الى اليوم، وهو ما يعني مآلات منتظرة وشبيهة لأحزاب الجبهة الشعبية أو ربما اكثر أيضا خاصة في ظل تقلص الجسم التنظيمي المتابع والمؤطر للهياكل والفروع والتنسيقيات…

ترتبات تصريحات “الصافي سعيد” وطبيعة تصريحات قياداتها وردود أفعالهم السلبية على غرار “سالم لبيض” والذي بقي باهتا ويردّ على أن حركة الشعب ليست عصابة (وهو خطأ سياسي واتصالي قاتل)، ستكون كارثية لا ظرفيا ولا تكتيكيا فقط بل مستقبليا، بل وفي أي استحقاق انتخابي مقبل، حيث سيتم استحضار أن تلك التصريحات في أي فعل سياسي تكون حركة الشعب طرفا فيه أو جزء منه وقد لا تفيق قيادة الحزب من الرجة خاصة إذا واصلت سياساتها ضمن مربعي الوظيفية والبراغماتية الفردية للقيادات الحالية من مجموعة UDU…

حركة الشعب لم تستطع أن تكون ممثلا أمينا لا للتيّار الناصري ولناخبيها ولا للتيّار القومي في تونس، بل عمّقت أزمة هذا الأخير وزادتها أوتارا مأسوية على أوتاره السابقة، فلا هي قطعت خطوة توحيدية في أي اتجاه كان ولا هي استطاعت ان تُثري ارث الحركة اليوسفية، ولا أن تُبين قدرة القوميين التونسيين على بناء تيّار قومي ديمقراطي ووحدوي باعتباره رافدا من روافد التيار الديمقراطي في تونس، والخلاصة انها استهلكت ارثا ولم تنمه بل ضربته نفس المجموعة التي تقودها اليوم عندما تم القبول منذ 1988 بالدخول في حزب الاتحاد الديمقراطي الوحدوي (أو UDU) وتحديدا بقيادة عضو اللجنة المركزية السابق للتجمع يومها “عبدالرحمان التليلي” وتلك قصة أخرى أكثر تفاصيلا ومأسوية…

 

هوامش:

(1) أنظر الجزء الأول من الدراسة المنشور على صفحات أسبوعية “الراي العام” التونسية بتاريخ 03 سبتمبر 2020 ص 09 والمنشور في موقع “المغاربي للدراسات والتحاليل”

(2)  UDUهي مختصر فرنسي Union Démocratique d’Union، لتسمية حزب سياسي صنعه الرئيس المخلوع بمباركة وتزكية وجوه قومية عربية سنة 1988، وقاد الحزب يومها صديق الجنرال والعضو السابق بالجنة المركزية للحزب الحاكم أي “عبدالرحمان التليلي”، وبعض قياديي الحزب هم قيادات مركزية في حزب حركة الشعب الحالي على غرار الوزير “محمد المسيليني”…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق