راي رئيسي

هل نحن بصدد تفريغ الديمقراطية من محتواها؟..
محاولات “دفع” النهضة إلى موقع المعارضة

حركة النهضة لا تتهيب موقع المعارضة وقد مارستها حين كان للمعارضة أثمان وحين كانت تحتاج شجاعة وتتطلب حتى تقديم الأرواح،وهي بتجربتها على مقارعة الاستبداد لا يمكن أن تخشى وجودها في ممارسة معارضة هي في متناول الجميع ولا تتجاوز ممارسة النقد أو ـ في أقصى الحالات ـ ممارسة التظاهر في الشارع بأساليب متحضرة وهو ما يكفله القانون ويضمنه الدستور.

لم تعد المعارضة طريقا نحو السجون والمنافي ودفع الأثمان الباهظة.

أما أن “تُدفع” الحركة إلى موقع المعارضة دفعا وبأساليب غير ديمقراطية وبنية عزلها وحرمانها من حقّ اكتسبته عن طريق انتخابات مشهود بشفافيتها، فذاك عمل غير مقبول سياسيا وأخلاقيا وديمقراطيا، وهو ما يمكن “تأويله” على أنه عمل “انقلابي” بطرائق ناعمة.

الانقلاب ليس له من معنى سوى قلب المعادلة وفرض تغيير المواقع بأساليب غير ديمقراطية سواء بالقوة الباطشة أو بالتحايل والتآمر والتحريض.

رئيس الجمهورية الذي تعهد مراتٍ عدة بكونه هو الضامن لوحدة التونسيين ولاحترام الدستور يُخشى أن ينخرط في “لعبة” غير مشرفة ضد طرف سياسي هو الأبرز والأقوى والأكثر نضالية وعطاء من أجل إنجاح المسار الديمقراطي والتجربة التونسية الفريدة في بيئة عربية مأزومة.

كلمة رئيس الجمهورية بدت لعدد من المتابعين منسجمة مع القانون ومع روح الدستور، كما بدَت لآخرين عملية انحياز واضح لرئيس حكومة هو محل “شبهة فساد” ضد طرف سياسي يريد إعادة تشكيل المشهد بتشريك رئيس الدولة والمنظمات الوطنية والأحزاب البرلمانية

بعد بيان مجلس الشورى المنعقد يوم الأحد 12 جويلية الجاري والذي انتهى بقرار تفويض الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان بإجراء مفاوضات مع رئيس الجمهورية ومع الأحزاب والمنظمات بهدف الوصول إلى مشهد سياسي بديل، تفاجأ الرأي العام بكلمة رئيس الجمهورية وهو يجتمع برئيس الحكومة محل “شبهة الفساد” إلياس الفخفاخ وبالأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي ويُعلن رفض الحوار مع أي جهة مؤكدا على أن رئيس الحكومة الحالي هو كامل الصلاحيات، ثم وفي نفس اليوم يُصدر إلياس الفخفاخ بيانا يتهم فيه النهضة بمحاولة التنصل من تعهداتها تجاه الائتلاف الحكومي ويعد بإجراء تحوير وزاري ، وقد فهم متابعون للمشهد السياسي أن الفخفاخ ذاهب إلى الاستغناء عن وزراء حركة النهضة.

السيد محمد عبو رئيس حزب التيار الديمقراطي أعلن عن نية تشكيل ائتلاف حكومي من غير حركة النهضة وهو موقف غير مستغرب بالنظر إلى كون التيار كان قد وافق على عرض عريضة عبير موسي على التصويت في البرلمان وهي عريضة تصم الإخوان بالإرهاب ولا يخفى أن عبير تصنف حركة النهضة ضمن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

هل ينجح خصوم النهضة في “عزلها” سياسيا؟ هل يمكن تشكيل ائتلاف حكومي من غير حركة النهضة؟ هل تنجح حكومة خالية من وزراء النهضة في مواجهة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية؟

من حيث “النوايا” لا يخفى أن خصوم النهضة لن يترددوا في العمل على “عزلها” سواء بإخراجها من الحكم أو بمحاصرتها في المشهد السياسي والإعلامي وفي كامل مؤسسات الدولة ومنظماتها وجمعياتها وسيستعملون كل الوسائل الإعلامية والقانونية، وهم يسعون الآن لسحب الثقة من رئيس البرلمان باعتباره رئيسا لحركة النهضة وليس لمجرد الاحتجاج على ما يقولون “فشل” في إدارة المجلس.

سيحتاج الفخفاخ الحصول على تزكية البرلمان لحكومته القادمة أو على الأقل لوزرائه الجدد وهنا قد لا يحصل على العدد المطلوب من النواب خاصة إذا التحقت الكتلة الوطنية بكتلة النهضة وحليفيها التقليديين، أو ربما تلجأ حركة النهضة لعرض لائحة سحب ثقة من حكومة الفخفاخ وقد تحصل على النصاب القانوني إذا أحسنت إدارة “التجميع”.

وجود حركة النهضة ـ وهي الحزب الفائز في الانتخابات ـ في المعارضة ليس في صالح الديمقراطية ولا يليق بالتجربة التونسية وستتحمل الأطراف المتآمرة عليها وصمة عار تاريخي لا يُنسى.

كما أن حكومة بغير حركة النهضة ستجد متاعب شتى وهو تتصدى لوضع اقتصادي واجتماعي صعب ولتفاقم لأزمة البطالة ولموجات احتجاجية قد تتفجر في المدة القريبة القادمة، وفي هذه الحال لا نظن أن حركة النهضة ستطلب من حلفائها الإقليميين والدوليين دعم حكومة وقع استبعادها منها.

ورغم أن حركة النهضة تردد دائما أن المصلحة الوطنية قبل المصلحة الحزبية إلا أنها ستجد نفسها تستفيد كثيرا حين تكون في موقع المعارضة، ستتخفف من أعباء الحكم وستتفرغ لترميم نفسها وستلتحم بأبناء الشعب في تبني قضاياه المعيشية والصحية والتشغيلية وستكون معهم في ممارسة النقد لأداء الحكومة ولن تتأخر في النزول إلى الشارع حين يكون لابد من التظاهر دفاعا عن الحريات وعن العدالة الاجتماعية وعن الحق في التنمية وفي الشغل وفي الكرامة الوطنية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق