راي رئيسيغير مصنف

وباء الكورونا.. والحاجة إلى القيادة السياسية الناجحة

يواجه الكثير من قادة الدول في مختلف أنحاء العالم فترة صعبة وعصيبة، في ظل تفشي وباء كورونا المستجد “كوفيد – 19″، الذي يهدد أرواح الملايين من البشر في شتى أنحاء العالم، مما يتطلب اتخاذ إجراءات سريعة وناجعة لمواجهته أو الحد من خطورة انتشاره وآثاره في الحد الأدنى.

والظاهر أنه لا يوجد سبيل يكفل الخروج من هذه الأزمة بيسر، ما يعقد المشكلات التي يواجهها قادة دول العالم في هذا الشأن، إذ يتوجب عليهم اختيار الاستراتيجية الأنجع للتعامل مع هذا الوباء، وهو أمر ليس باليسير من جهة، كما يستوجب عليهم في الوقت ذاته بث الطمأنينة في نفوس مواطنيهم وإقناعهم بإتّباع أوامر وتعليمات السلطات.

لذا فأي خطوة خاطئة أو غير مدروسة في هذا الوضع قد تقود إلى تقويض الثقة في هؤلاء القادة، وهذا لا تكون نتيجته إلا الفوضى والارتباك ومزيد تعقيد الوضع..  فهل ارتقى أداء قادة بلدنا في هذه المرحلة العصيبة إلى مستوى الحدث؟ وهل تعاملوا بطريقة سليمة وملائمة مع الأزمة التي نواجهها في الوقت الحاضر؟

إن الظروف الاستثنائية الطارئة، كحال الأزمات على اختلاف أنواعها، تعد المجال الحقيقي، الذي يبرز من خلاله دور القيادة السياسية ومقدرتها على احتواء الأزمات وإدارتها ومواجهتها والتعامل معها..

ويبرز هذا الدور في أوضح صوره حين تتعلق الأزمات بأمن الإنسان وحياته، كما في حالات الحروب والكوارث، الطبيعية والبيئية، الخارجة عن فعل الإنسان وإرادته، مما يستدعي تدخل إرادةٍ بشرية، على مستوى الفرد والجماعة، تمتلك من الخصائص والسمات، ما يؤهلها لحسن التعامل والتحرك في الوقت المناسب، واتخاذ مجموعة من القرارات الاستثنائية السريعة، التي تحول دون بقاء الأزمة واستمرارها أو تكرارها. وهذا التدخل القيادي يستوجب حدا كبيرا من الانسجام والتضامن والتنسيق في أعلى مستوياته بعيدا عن كل حسابات خاصة وعن كل فردانية..

وفي الحقيقة منذ بداية اجتياح أزمة الكورونا لم يبدو لنا القدر الكافي من الانسجام والتناغم واللحمة في تعاطي القيادات السياسية المختلفة فيما بينها، وإن بدا بعض من التنسيق بين رئاسة الحكومة ووزير الصحة في بادئ الأمر إلا أنّ سلسلة متواصلة من القرارات والمواقف المتعاقبة في الفترة الأخيرة والتي انجرت عنها جملة من الأخطاء القاتلة نخشى أن تنسف كل ما حققه التنسيق والانسجام الذي عايناه في حده الأدنى في التعاطي مع جائحة الكورونا..

ففي اللحظات الأولى لاستفحال فايروس الكورونا في تونس، خرج علينا رئيس الجمهورية بخطابات في انفصام شبه تام عن الأزمة الخطيرة التي تعيشها البلاد وحالة الهلع والرعب التي سادت المجتمع، فتحدث عن كل ما هو جانبي وثانوي كجدل الصلاحيات العقيم، وألقى الدروس على الفريق الحكومي والاستشاري الذي يجلس أمامه، بلغة مشفرة بالنسبة للمواطن التونسي العادي الذي كان ينتظر خطابا سلسا وواضحا وقريبا من طرف رئيسه الذي يمثل رمز الدولة ووحدتها وأمنها، ثم خرج يزايد على حكومته ودعا الناس إلى تحصيل حقوقهم دون رؤية ولا تنسيق مع باقي السلط ولا نظام مضبوط مسبقا..  ولئن حاول تدارك خيبة أمل الكثيرين بعد ظهوره الأخير وهو بصدد حمل “كراذين” المساعدات للمحتاجين، إلا أن خطابه ظلّ يكشف الفجوة أو مسافة بينه وبين الرأس الثاني للسلطة التنفيذية، وبينه وبين رأس السلطة التشريعية السلطة الأصلية في البلاد، الذي يبدو أنه استكثر عليه بعض المواقف والدعوات والمبادرات التي قام بها الرجل من موقعه كقائد مؤسسة تشريعية هي بالدستور أصل السلطات وضمانة الاستقرار السياسي والانتقال الديمقراطي، وهو معني قطعا كقائد بخوض الحرب ضد الجائحة التي تجتاح بلدنا، والاجتهاد بما يرى فيه مصلحة البلاد اليوم..

المهم الفجوة بدت أيضا مؤخرا في علاقة وزير الصحة وقراراته بقرارات رئيس الحكومة وبعض وزرائه، وبدت مواقف هؤلاء القادة دون مستوى الحرب التي نخوضها ودون مستوى ما تتطلبه شروط القيادة التي سبق وذكرناها أعلاه.

ومع الإعلان عن انطلاق الحرب على هذا الوباء القاتل، كانت خطة وزارة الصحة المبنية على حسن التوقع وقراءة تقدم الوباء ومسالك انتشاره، واضحة للجميع. فقد تم إغلاق الحدود تدريجيا، فتضاءل تبعا لذلك خطر الحالات الوافدة، ثم تم وضع آلية الحجر التدريجي ثم الحجر الشامل، وكل ذلك تم في تناغم كامل بين الوزير وفريقه العلمي الذي حشد فيه أكبر كفاءات البلد الطبية، وبينه وبين رئيس الحكومة في مرحلة أولى. وبدا كما لو أن كل شيء يسير على ما يرام، وبدأت نتائج التحليل على قلتها تؤشر إلى التحكم في انتشار العدوى..

ولكن سرعان ما تدخل رئيس الحكومة ليضبط مسألة المساعدات الاجتماعية، وقدم حزمة إجراءاته لوزيره المكلف بالشؤون الاجتماعية لينفّذها دون خطة تنفيذية واضحة ودقيقة وناجعة تتماشى مع الوضع الاستثنائي والحساس الذي نعيشه ودون التنسيق مع وزير الصحة وفريقه بل بوغتوا بما حدث حدّ الصدمة المزلزلة.. وكأن قائد الحكومة تناسى أن وزارة الصحة هي قلب الرحى في مثل هذه الجوائح، وكل خطوة تتخذ في أي مجال يجب أن تكون بالتنسيق والتشاور التام مع وزارة الصحة وقائد عملياتها..

خطأ قيادي كانت نتيجته ثقيلة وصادمة لدرجة زعزعت جيش الصحة وخيبت آماله، فهي اليوم تهدد بنسف ما قاموا به من عمليّات استباقية ومن استعدادات ومن جهد مضني كان فيه الكثير من التحدّي للوضع الصعب الذي تعيشه تونس بإمكانيّاتها المتواضعة..

وزير الداخلية أيضا لم تكن لدي خطة تحرّكه في مستوى دقة وخطورة المعركة التي تخوضها وزارة الصحة، فكان في تعاطي وزارته الكثير من التراخي واللين الذي لا يتماشى مع خطورة المرحلة، ونرجو أنه بدأ اليوم يتدارك الأمر بعد كارثة استخلاص المساعدات الاجتماعية وتهاون البعض بالحجر الصحي..

واليوم نشهد خطأ قياديا آخر مخيبا للآمال، فيبدو أن قادة الحكومة لم يقوموا بالتنسيق مرّة أخرى مع خلية الصحة وقائد عملياتها، كما تتطلبه الأزمة التي نعيشها، فبوغت الجميع البارحة بقرار حكومي تمّ فيما يبدو التنسيق فيه فقط بين رئيس الحكومة ووزيرة الشؤون الثقافية، انتهى بقرار بدا فيه الكثير من الارتجال والارتباك والمباغتة..  أعلنت على إثره وزيرة الشؤون الثقافية شيراز العتيري بالترخيص والسماح بمواصلة تصوير الأعمال الفنية الرمضانية في تعد وتحدّ صارخ لقانون الحظر الصحي الشامل وكسر حظر الجولان، مما يعرض كل من له علاقة بإنتاج هذه الأعمال الفنية لخطر العدوى بفيروس كورونا وبالتالي إمكانية تفشي الوباء لينتقل إلى عائلاتهم وإلى المجتمع عامة وتصبح الثقافة بؤرة وباء تنقل الفيروس.. قرار يعتبر خطأ قياديا آخر قاتل ينضاف إلى كارثة “ال 200 دينار”، خطأ قد يكون مدمرا لخطة ومساعي جيش القطاع الصحي وخطة قائد أركانه.. هو قرار قيادي لم يضع مصلحة المجتمع في الصدارة، واهتم بالمصلحة الفردية الضيقة على حساب مصلحة المجموعة.. خطأ قيادي آخر غير مسموح به من طرف القادة في فترة الحروب..

إنّ مثل هذه الأزمات تتطلب تبني سياسات عامة (مؤقتة) للمواجهة، ضمن رؤى استراتيجية محددة وواضحة، باعتبارها حالة استثنائية مؤقتة وطارئة، وتستوجب قرارات وسياسات استثنائية وطارئة لمواجهتها. وكل ذلك يستلزم وجود القيادة الفاعلة القادرة على الخروج من هذه الجائحة، سواء كانت فردا أو مؤسسة، ومدى قدرتها على صنع القرار وحسن إدارة الأزمة، بما ينعكس على حياة المواطن ومستقبل المجتمع.

إنّ إدارة الأزمات تعتبر خليطا بين المعرفة والفن والحكمة والرصانة والتفكير الإبداعي، والتنسيق والتعاون بين فريق عمل موحّد ومنسجم، يعمل بمبدأ التشاركية والتكاملية، وهو فرق يعمل ولا ينتظر حدوث الأزمة بل يتعامل مع احتمالية حدوثها أو استتباعاتها قبل أن تقع، وإنْ وقعت تكون جميع إجراءات التخفيف قد اتخذت لامتصاص الأزمة..

كما أنّ مضمون الرسائل الاتصالية التي يوجهها القادة لمواطنيهم، قد يكون في أغلب الأحيان أكثر أهمية من عمليّة صنع القرار نفسه، على الأقل على صعيد إسهام ذلك في نيل تأييد الجماهير والحصول على ثقتهم.

فالمواطنون يريدون من قادتهم إبداء التعاطف معهم، وإظهار تفهمهم لما يعانونه، فضلا عن بعث الأمل بداخلهم واشعارهم بأن قادتهم قادرون على إدارة الأزمة والتعامل معها بحزم، فنجاح هؤلاء القادة، في الوصول إلى هذا الهدف، سيجعل مواطنيهم يشعرون بأن السلطات التي تمثلهم مسؤولة وحاسمة وهذا أهم انجاز نحتاجه في الوقت الحاضر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق