راي رئيسي

وداعا الغنوشي يعني وداعا النهضة

قامت الدنيا ولم تقعد إثر تسريب عريضة وقعها مائة من “إخوة” الغنوشي يطالبونه فيها بالتنحي عن رئاسة الحركة التزاما بالقانون الداخلي.

كما تسربت للرأي العام رسالة غير موقعة نسبت للغنوشي انتصر فيها كاتب الرسالة لفكرتين سبق أن أكدت عليهما بتفصيل في مقال بعنوان “الغنوشي: الشيخ الزعيم أم الأستاذ الرئيس” بمناسبة الذكرى 39 لتأسيس الحركة صدر في جريدة الرأي العام، وهما فكرة التميّيز بين الزعامة والرئاسة، وفكرة التداول بين الحزب والدولة.

متابعة النقاش المستتبع عن العريضة والرسالة لا يفيد كثيرا في تفكيك أبعاد الحالة النهضوية فالنقاش والآراء المنتصرة لبقاء الغنوشي، أو المطالبة برحيله يتنازعها الانتصار لفكرة الاستمرارية من جهة، وفكرة التداول من جهة أخرى والمستندات معروفة ومتداولة منذ المؤتمر الثامن في المهجر.

أما من خارج النهضة فجلّ التحاليل أكّدت على معنى الأزمة، وبشّرت “بسرور مكتوم” بنهاية هذا الغول الذي بقي مهيمنا على المشهد العام منذ الثورة إلى اليوم.

وعلى هامش هذا السجال داخل وخارج النهضة أسجل التالي:

  1. عريضة المائة فارغة من المعنى، وهي تقاطع بين أصوات قلقة من قيادة الغنوشي، وليست أرضية مشروع أو برنامج بديل، وهذا يعني أنّها مناسبتية وعارضة وبدون دلالة، إذا وافقنا أن مسألة التداول قديمة وطرحت في المؤتمرات الثلاثة الأخيرة للحزب.
  2. العريضة من حيث المضمون، كان يمكن أن تدرج في وثائق الإعداد للمؤتمر الذي تشكّلت لجان إعداده المضموني واللوجستي، ولا تفهم المبادرة بها الآن إلّا بدلالة المناورة للضغط النفسي على الغنوشي “ليمضمض” من إمكانية تحوير القانون والتمديد لعهدة جديدة، فالمبادرة استباقية لقطع الطريق عن وارد فوز الغنوشي بعهدة جديدة ضمن تسوية قانونية ممكنة من حيث المبدأ، فالمؤتمر سيّد نفسه.
  3. العريضة عمّقت الاصطفاف والتجاذب داخل النهضة، وأشّرت على حجم أزمة الثقة التي برزت خاصة في المؤتمر العاشر، وتعمّقت بعده وقد كانت استقالة الجلاصي من تعبيراتها المباشرة.
  4. النهضة مع العريضة والردّ المنسوب للغنوشي تبدو أنّها تسير نحو نهاية قريبة من حزب الرفاه التركي، فالعقل الباطن الذي حبّر العريضة، يستحضر طقوس اغتيال الأب، كما حدث مع أربكان. ولكن من دون أردوغان نهضوي.
  5. النهضة بعد تحوّلها من زمن الحركة والتبشيرية الحالمة، إلى زمن الحزب السياسي المعني بالسلطة وموضوع الحكم، تسير بخطى ثابتة نحو تكرار مشهد التفكك الذاتي الذي صاحب كل التجارب الحزبية بعد الثورة.
  6. النهضة لم تتمايز ببرامجها، ولا بنوعيّة كادرها الحاكم، ولا بقدرة خارقة على المناورة، وإنّما بقوّتها التنظيميّة وقدرتها على المحافظة علي وحدتها، رغم زلزال النقلة من المعارضة إلى الحكم، والعريضة والردّ عليها تدك بقوة آخر مقوّمات قوّة النهضة، وتعلن نهاية حزينة لآخر الحصون الحزبية التي استعصت لحدّ اليوم عن الدخول في دوامة التحلّل الذاتي.
  7. نهضة ما بعد الغنوشي ستكون حزبا متوسطا بدون هوية إيديولوجية، وبدون برنامج متميز عن السائد، وسترهقها المراوحة بين الليبرالي والاجتماعي، ولا شيء يوحي إنها ستتجاوز قانون التقلص الذاتي الذي جرى على من قبلها.

نهضة ما بعد العريضة مزقت بقسوة غطاء الأخلاق الذي كان يستر مكامن ضعفها، وبرزت كحزب سياسي عادي لا يهمّه من عنوان الأخلاق إلّا ما يحقق مصلحته في الاقتراب من غاية الحكم، وبفقدان البعد الأخلاقي تفقد النهضة مصدر شرعيّتها ومقوّم قوّتها وتجفف إراديّا آخر منابع استمرارها.

  1. يظن البعض من أبناء النهضة أن قولنا “لا نهضة بعد الغنوشي” هو اصطفاف في معركتهم البسيطة حول خلافته، هذا في حين أن ذلك التقرير القطعي يحيل على مقاربة شاملة لواقع نهضة ما بعد المؤتمر العاشر، فحزمة المعنى التي واكبت مسيرة النهضة انتهت عند صورة عناق الغنوشي للجلاصي وهو يبكي، وفي تلك اللحظة رأينا نهاية الغنوشي ونهاية النهضة.

فموضوع الخلاف البسيط في المؤتمر العاشر والذي كاد أن ينتهي بفضيحة “الانقسام في تمرة”، هو نفسه موضوع التهارج اليوم، وعنوانه تسييري وليس برامجيا، فلا أحد من قيادات النهضة برز كصاحب رؤية جديدة وبرنامج بديل، ممّا جعل المعركة في النهاية وبالنتيجة والمحصول “معركة تموقع” بدون سند أخلاقي، ولا برامجي. وفي هذا نقرأ السطر الأخير في قصة النهضة.

  1. الرموز السياسية لا تصنع من فراغ والزعامات التاريخية لا تتكرّر، إلّا إذا أعاد التاريخ نفسه والغنوشي “ظاهرة قيادية” لن تتكرّر في مستقبل النهضة والقائلون بضرورة تعويضه لتبرز زعامات جديدة يقفزون بوعي أو بدونه على حقيقة أن زمن الحريّة والديمقراطية لا يصنع الزعامة ولا ينتج أبطالا، وإنّما يفرز متنافسين على السلطة، سينجح منهم ناجح، ويفشل فاشل، لتسجل أسماءهم في قوائم متاحة لكل طامح في كرسي الحكم الوثير.
  2. ربما يتخلّى الغنوشي عن كرسي الرئاسة وربما يغيّر المؤتمر الفصل 31 ويمدّد للغنوشي، في الحالتين لن تبقى النهضة بحجمها وموقعها الحالي، بل ستتقلّص إلى حزب متوسط الحجم كل طموحه أن يشارك في السلطة، وستنتهي قصة النهضة “أم الولد” والعمود الفقري للتجربة، والغول الذي تنفق المليارات في الداخل والخارج للإطاحة به.

وداعا الغنوشي..  وداعا النهضة.

انتهت الرواية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق