راي رئيسي

يا أهل السلطة والأحزاب تعالوا إلى كلمة سواء بينكم..

(1)

حالة غير مسبوقة من التوتر والقلق والحيرة والتشنج وضيق الأفق والتيه تعيشها البلاد منذ فترة تمددت في الزمان وطالت أكثر مما يجب أن تطول. وأزمة تلد أزمة، ووضع صحي حرج وخطير، ووضع اقتصادي يؤذن بالإفلاس، ووضع اجتماعي مرشح للانفجار بعد أن خمدت ناره قليلا باشتعال الحرائق السياسية.

فإلى أين نحن ذاهبون؟ وإلى أين نحن متجهون؟ وما الذي يمكن أن نفعل لإنقاذ ما يجب إنقاذه قبل أن تغرق بنا السفينة جميعا ونقرع سن الندم حين لا ينفع الندم؟

هل نحن في حاجة بأن نذكر أننا ونحن نحيي ” الذكرى” الأولى للإعلان عن اكتشاف أول إصابة بفيروس كورونا (أعلنت تونس عن تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا يوم 2 مارس 2020 في حين تم الإعلان عن أول حالة وفاة بهذا الفيروس يوم 19 مارس من نفس السنة)، قد فقدنا إلى حد اللحظة أكثر من 8000 مواطن تونسي، وأنه ما من عائلة تونسية إلا ونكبت في بعض أحبائها، وأن حوالي ربع مليون تونسي قد أصيبوا بهذا الوباء، ولا نعلم أي تأثيرات جانبية خلفه في من أصيبوا به، وما ستظهر عليهم من مخلفات يؤكدها الباحثون والأطباء، ومدى استعدادات بلادنا المنكوبة صحيا أصلا لمتابعة الأوضاع المترتبة عن ذلك على الصعيدين القريب والمتوسط.

هل نحن في حاجة إلى التذكير بأن الصدقة الدولية التي وعدنا بها في علاقة باللقاحات لم ترد على بلادنا بعد، وأن التونسيين كل التونسيين ما يزالون متوجّسين منها، وأن إقبالهم على التسجيل ضمن قائمات الراغبين في تلقي التطعيم ضعيف جدا لأنهم ببساطة يخشون المجهول، يخشون أن يكونوا فئران تجارب للمختبرات الدولية، خاصة وأنهم لا يثقون بتاتا في السلطة التي يمكن أن تبيع فيهم وتشتري دون أن يرف لها جفن؟

هل نحن في حاجة إلى التذكير بأننا بتنا مهددين بموجة ثالثة لانتشار الكوفيد بعد اكتشاف بؤر صغيرة رصدت بها إصابات جديدة بالسلالة المتحولة للفيروس وأن هناك مخاوف حقيقية من إمكانية انتشارها بصفة كبيرة قد يؤدي لعجز منظومتنا الصحية عن تطويق الوضع؟

هل نحن في حاجة إلى التذكير بأن وكالة موديز للتصنيف الائتماني قد أعلنت عن تخفيض تصنيف الإصدار طويل الأجل للعملة الأجنبية والمحلية لتونس من B2 إلى B3مع المحافظة على توقعاتها السلبية؟

ألسنا واعين بحجم الكارثة التي حلت بجيوب التونسيين ومقدرتهم الشرائية بمفعول الارتفاع الصاروخي للأسعار التي لا رقيب عليها ولا حسيب، والتي باتت تسحبهم سحبا إلى دوائر الفقر والمديونية، والعجز عن تلبية حاجياتهم الأساسية ومجابهة الطلبات المتزايدة لأسرهم وأبنائهم؟

 

(2)

وكأن الأوضاع المأساوية والمخاطر آنفة الذكر التي اجتمعت على البلاد ليست كافية لجعلها تترنح، حتى تنضاف إليها الأزمة السياسية التي بلغت طريقا مسدودة، بعد رفض رئيس الجمهورية قيس سعيد أداء وزراء حكومة هشام المشيشي اليمين الدستورية، وتحفظه على جميع مبادرات الحوار السياسي لحل الأزمة التي تقدمت بها منظمات وطنية وأحزاب وشخصيات.

في ظل كل ذلك، يتصاعد صليل سيوف المناكفة والتخوين والخطاب المتشنج داخل ما يسمّى بالنخبة السياسية بشقّيها الحاكم والمعارض من خلال التصريحات والتصريحات المضادة ومن خلال التظاهر في الشارع وتحشيد الأنصار واستعراض القوة وحبك الرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج، ودعونا هنا نتعامل مع هذه الظاهرة ببعض التوازن والموضوعية بعيدا عن حسابات المتحزبين، وعن وجهات نظر المصابين بالدالتونيزم الإيديولوجي، وعمن لا يردعهم حياؤهم عن تبني مقولة “حلال علينا حرام عليكم” لنقول أن التظاهر بالشارع من أوجه حرية التعبير التي جاءت بها الثورة، وأنه من حق أي مجموعة من التونسيين تروم التعبير عن موقف أو عن رأي أو احتجاج أن تتظاهر بعد تسوية الإجراءات التي نص عليها القانون في هذا المجال ما لم تتسبب في الإضرار بالأملاك العامة أو الخاصة وما لم تعطل سير المرفق العمومي ومصالح بقية المواطنين.

فالجبهة الشعبية التي تقيم يوم 6 فيفري من كل سنة حسينيتها مطالبة بإماطة اللثام عن قتلة الشهيد شكري بلعيد وبإسقاط النظام، كانت هذه السنة وفي نفس الموعد في شارع الثورة، مرفوقة بـ 66 منظمة وطنيّة وجمعيات وأحزابا مثل التيار الديمقراطي وحركة الشعب وحركة الوطنيين الديمقراطيين والمسار، ومنظمات مثل اتحاد الشغل ورابطة حقوق الانسان والنساء الديمقراطيات والائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام والمنظمة الوطنية لمناهضة التعذيب، بالإضافة إلى رهط من الشواذ الذين ابتدعوا صورا جديدة من صور الاحتجاج قوامها القبل الحارة واختزال رفع علامة النصر في الوسطى وتحدي الأمنيين المكلفين بتأمين المسيرة بتدخين سجائر المخدرات.

المسيرة كانت هامة من حيث الحضور ومن حيث التغطية ومن حيث ردود الأفعال، ولكنها تظل علامة مميزة تحافظ من خلالها الجبهة الشعبية عن وجودها المؤثر في الشارع في ظل انحسار تمثيليتها في نائب واحد (منجي الرحوي)، وفي ظل تآكل خطابها الذي لم يتجدد منذ نشأتها وتأسيسها.

رئيس الجمهورية قيس سعيد لم ينس نصيبه من الشارع فتحرك في اتجاه المنيهلة وحي التضامن (على أرضه وأمام جمهوره) وجمع حوله عددا هاما من المواطنين خاطبهم بلسانه الفصيح وتجاوب مع بعضهم، وأشار إلى حراسه بجلب أحدهم باللهجة العامية  “هاتووووه” حين تجرأ وسأله عن هوية المنافقين الذين يتحدث عنهم، كما انه قام بزيارة قيل أنها فجئية إلى شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تجمع حوله فيها المئات من أنصاره، وكأنهم نزلوا في تلك اللحظة من السماء ليهتفوا بشعارات التنسيقيات المركزية الداعية إلى حل البرلمان.

وتحت شعار “ثورة التنوير” نظم الدستوري الحر صباح الأحد 21 فيفري 2021 اجتماعا شعبيا بساحة سيدي يحي سوسة تحت إشراف عبير موسي، ردد خلاله أنصار الحزب شعارات مناهضة لحركة النهضة من قبيل “يا نواب البرلمان خلصونا من الإخوان” و “لا للحوار لا للحوار مع أصحاب الدمار”، وقد اعتبر مراقبون أن الاجتماع يرد في سياق قياس الدستوري الحرّ لجماهيريته بعد أن وضعه سبر آراء لسيغما كونساي في طليعة الأحزاب من حيث نوايا التصويت، كما أنه يرد للتأكيد على موقف الحزب من الأزمة الحكومية والذي وصفتها موسي بأنها معركة غير مبدئية وإنما هي معركة بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي حول الصلاحيات.

ووسط إجراءات أمنية مشددة تجمع عشرات الآلاف من أنصار حركة النهضة مساء السبت الماضي في شارع محمد الخامس بالعاصمة وشاركوا في مسيرة نظموها تحت شعار “الثبات والحفاظ على المؤسسات”.

وفي كلمة له أمام الحضور توجّه رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي برسائل سياسية من أهمها دعوة حركته لحوار وطني يخرج البلاد من أزمتها، مؤكدا بأن: “لنا دولة تونسية واحدة ودستور واحد وحكومة وبرلمان فلا تقسمونا وكل المشاكل تحل بالحوار وليس بالافتراء والكراهية” ومشددا على دعم حكومة المشيشي وأن على كل طرف القيام بالدور والمهام الموكلة إليه وداعيا الأمين العام لحزب العمال حمة الهمامي إلى الالتحاق به على نفس المنصة بدل التظاهر في شارع آخر قريب رفقة أنصاره.

مسيرة حركة النهضة التي وصفها المراقبون بالحاشدة، كانت اختبارا للحزب الذي تآكل رصيده الانتخابي بشكل مطّرد، وتشقّ خلافات حادّة قياداته ممّا دعا بعضهم إلى الاستقالة، كما كانت رسالة ردّ على سبر آراء الزرقوني الذي منحها نسبا تعتبر أنها لا تتلاءم وحجمها الحقيقي فضلا عن كونها رسالة إلى الخارج والداخل مفادها أنها تمثل الرقم الصعب في المعادلة السياسية الوطنية رغم تأكد المراقبين من أنها لن تؤثر في موقف الرئيس قيس سعيد الرافض لحكومة المشيشي برمتها.

 

(3)

الأزمة العسيرة المركبة التي تمرّ بها البلاد تجعلنا نتساءل سؤالا جوهريا، بل نوجه سؤالا مباشرا إلى الحكام والأحزاب السياسية منطوقه: والآن، وبعد أن استفرغتم كل مواهبكم الاستعراضية والخطابية واستعملتم في تهارجكم ما لذ وطاب من معاجم الترذيل والتخوين والسب والشتم، وعطلتم بتعنتكم أوضاع البلاد التي تشكو لربها سوء حالها، أما آن لكم أن تستردوا عقولكم وأن تتحلوا بحد أدنى من الوطنية والتواضع يسمح لكم بالجلوس إلى طاولة المفاوضات لتوقعوا على سلم الشجعان الذي يعلي من شأن الوطن والمواطنين، ولا يفكر إلا في الحلول التي تخرج البلاد من أزماتها العسيرة بتظافر جميع جهود المخلصين من أبنائها؟

يا أهل السلطة والأحزاب، خير لنا ولكم أن نقول لكم: تعالوا إلى كلمة سواء بينكم، من أن نقول لكم:

يا صناع الفتن حلوا عن هالوطن

حلوا عنا بدنا نعيش يكفينا محن

ليش من الوحدة بتخافوا

ليش من الوحدة بترتعبوا

رح تنكشفوا رح تنشافوا

كل العالم منكم تعبوا

مين اللي على بلادي باعتكم

مين اللي عالشعب محرضكم

عم تبيعوا بدم الناس بعدين وآخرها معكم

يا صناع الفتن حلوا عن هالوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق