راي رئيسي

يُسَيِّسون الماء بالترويج للعطش القادم..
هل هناك “حرب مياه” لفرض السياسة على العرب؟؟

قد نمرّ بجدول ولا نسمع صوتا لخرير مياهه..

قد تكون حجرتنا ملآى بالحشرات الليلية دون أن نحس بوجودها..

قد يمر بمحاذاتنا ونحن نيام جرذ كبير يبحث عن قوته، ونبقى مع ذلك ننعم بمتعة الاستغراق في النوم..

ولكن ماذا يحدث لو وضعنا مكبرا للصوت فوق ماء الجدول، أو في الغرفة الملآى بالحشرات، أو في عنق الجرذ وهو يقترب منا؟!

ستنقلب الصورة رأسا على عقب، وسوف نرى كل شيء بصورة عكسية..

سيتحول الجدول الوادع في أذاننا التي كانت غافلة عنه، إلى سيل هادر يروعنا في كل لحظة بصوت كأنه الفيضان يدفع بالماء نحونا لإغراقنا..

وسنعيش بين الحشرات في حجرة نومنا معركة لها أول وليس لها آخر، أخفض صوت فيها لا يقل عن هدير طائرة مقاتلة في حالة إغارة مخترقة حاجز الصوت..

أما الجرذ فحدث عنه ولا حرج، فمع كل شبر يقترب فيه منا، سيتبادر إلى أذهاننا ونحن نستيقظ فزعين أن جيشا أصبح قاب قوسين أو أدنى من عُقْرِ حرماتنا الليلية..

إن الصورة المضللة التي نقلها لنا مكبر الصوت في المثال أعلاه، شبيهة تماما بواقع مشكلة المياه في منطقتنا..

ولن نبالغ إن قلنا إن حلَّ مشكلة المياه أسهل من التخلص من الحشرات في الحجرة التي ضربناها مثلا.. والأهم من ذلك كلِّه أن حلَّ مشكلة المياه حيثما وجدت مشكلة من هذا النوع هو في الغالب في يد الساسة وليس في يد الخبراء والتقنيين. وهذا يعني أن ارتواءنا من العطش رهن بقرارات هؤلاء الساسة. أما الماء من حيث هو عنصر الحياة، فهو متوفر في منطقتنا العربية التي توصف بأنها من المناطق الشحيحة بالمياه، بالقدر يكفينا ويزيد.

 

طبيعة المشكلة المائيّة

إن طبيعة المشكلة المائية على صعيد الوطن العربي المتخم بالثروات والموارد والخيرات تشبه إلى حد بعيد مشكلات الموارد والثروات على الصعيد القطري في الدول الغنية بالموارد. ففي الدول التي تمتلك فائضا كبيرا عن حاجتها في مورد معين نجد تمركزا لمناطق تواجد هذا المورد في الغالب. بحيث يغدو من متطلبات التنمية المتوازنة في هذا البلد توزيع منافع هذا المورد المتمركز في منطقة معينة على كافة مناطقه وأقاليمه وتجمعاته.

إن مشكلة المياه على صعيد الوطن العربي، والمشرقي منه خاصة، هي تماما كما ذكرنا، فالمياه متوفرة في المنطقة بكميات فلكية، والتقنيات الإنسانية المتنامية باستمرار كفيلة باستخدامها الاستخدام الأمثل للوفاء بحاجات الإنسان في المنطقة في كل الحالات. ولكن هذه المياه متمركزة، إذ أن ما يمكننا الاستفادة منه بهيئته التي يتواجد بها مباشرة على شكل مياه عذبة، متمركز في مناطق إقليم الشرق الأوسط بصور متفاوتة تتطلب التعامل مع واقع هذا المورد الحيوي من منطلق نقل الفوائض من مناطق التمركز إلى مناطق العجز، لذلك فإن المشكلة تتحول من بعد تقني محض يمكنه أن يتمحور فقط حول تقنيات النقل لتغذية مناطق العجز، إلى بعد سياسي يحاول فيه الطرف صاحب الفائض التحكم بميزته التي منحته إياها الطبيعة لتحقيق مكاسب سياسية متنوعة تضطر الأطراف الأخرى إلى دفعها ثمنا قد يكون مكلفا ومضرا مقابل الحصول على حاجتها أو على أقل من حاجتها أحيانا.

وتأكيدا لما نقوله نجد مثلا أن 85% من المياه العذبة المتوافرة في الأرض موجودة في نصف الكرة الشمالي في حين لا ينعم نصفها الجنوبي سوى بـ 15% منها، علما بأن المعادلة السكانية تكاد تكون مقلوبة، إذ أن النسبة الأعلى تقطن الجنوب والنسبة الأقل تسكن الشمال. كما أننا نجد مثلا أن كميات المياه في شمال القارة الأوربية الواقعة كلها ضمن دائرة شمال كوكب الأرض، تفوق بمرات عديدة كميات المياه الموجودة في المنطقة الجنوبية منها.

وعلى صعيد المنطقة الواقعة جنوب أوروبا نجد مثلا أن دولة مثل تركيا تمتلك فائضا هائلا من المياه في حين تفتقر سوريا والعراق إلى عُشْر ما يتاح في تلك الدولة من المياه سنويا.. والأمثلة على ذلك كثيرة.. وكلها تؤكد أن معضلة المياه في حقيقتها على الصعيد العالمي وبالتالي على الصعيد العربي هي معضلة تمركز، تحول السياسات والمصالح دون تخفيف حدَّته لينساب الماء من مناطق الفائض إلى مناطق العجز، الأمر الذي يجعل الحديث عن صراعات تدور حول المياه حديثا مفهوما في ضوء هذه الحقيقة، وذلك لتمرير السياسة عبر التهديد بالتعطيش.

من هنا فقد ظهر عنصر الماء كأحد الأسلحة الفتاكة والفعالة التي قد تستخدم في المستقبل القريب لإدارة الصراعات في الشرق الأوسط، وخاصة من قبل دول التمركز التي تتمتع بنوعية متميزة من هذا التمركز، كأن تكون علاوة على تمتعها بفوائضها الخاصة الهائلة من المياه العذبة، تمتلك زمام التدفق المائي لدول مجاورة لها، تحكمها بها علاقات ذات نمط صراعي يحتِّم استخدام هذا العنصر في الضغط عليها لتمرير مصالح معينة إقليمية أو دولية..

 

التحكّم في الموارد المائيّة

ومن الأمثلة على ذلك في الوطن العربي تحكُّم تركيا في منابع نهري دجلة والفرات اللذين يمثلان مصادر التدفق المائي الرئيسية لكل من سوريا والعراق. وتحكم أثيوبيا في المنابع الأساسية للنيل الذي يمثل مصدر التدفق الرئيسي للسودان والوحيد لمصر. دون أن ننسى نهري سيروان والزاب الذين ينبعان من إيران ويصبان في العراق ويشكلان مصدر تغذية مائية كبير لمناطق واسعة من العراق.

ولعل ما شهدته منطقة “المشرق العربي” من إرهاصات حرب مائية لتمرير أهداف وغايات سياسية في الآونة الأخيرة يؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أن هناك رسائل خطيرة يتم إرسالها إلى دول عربية مركزية في الإقليم، بأن الماء سيكون هو عنصر الضغط القادم إذا تم انتهاج سياسات تتعارض مع استراتيجيات ورؤى دول إقليمية صاعدة وطامحة مثل تركيا وإيران وأثيوبيا، تجد في طموحاتها الإقليمية في هذه المنطقة العربية أو في تلك، تماهيا كبيرا مع ما يراد لهذه المنطقة من خضوع كامل للصهيونية وللإمبريالية، من جهة، ومن عدم عرقلة المشارع الطامحة لتلك الدول الإقليمية من جهة أخرى.

فها هي إيران تُخَفِّض نسبة تدفق المياه في نهري “سيروان” و”الزاب” إلى ما دون المتر المكعب الواحد في الثانية، فجأة وبدون سابق إنذار، في ظروف تتضح فيها سياسة العراق الساعية إلى التحرر من النفوذ الإيراني، وهي نسبة تقل عن التدفق المعهود المتفق عليه بأكثر من خمسين ضعفا، لضمان وصول قدر كافي من المياه إلى العراق عبرهما.

وها هي تركيا، تقطع المياه بشكل كلي ولمدة ليست بالقليلة عن منطقة واسعة في شمال شرق سوريا عبر التحكم في تدفق نهر الفرات إلى الأراضي السورية، فيما مثل ويمثل قرصة أذن مائية لأغراض سياسية في منطقة تعتبرها تركيا حساسة سياسيا بالنسبة لها.

أما عن أثيوبيا فحدث ولا حرج، فها هي قد وصلت إلى مستويات متقدمة جدا من مشروعها الاستراتيجي “سد النهضة” الذي تعتبره مصر في المقام الأول خطرا محدقا بمستقبلها المائي.

ولكن ولكي تؤكد لنا الطبيعة على أن السياسة وحدها هي التي تقف وراء هذه الضغوطات المائية، وليست الندرة والتقنية المحدودة، جاء موسم فيضان نهر النيل لهذا العام في السودان كاسحا على غير المعتاد على مدى المائة سنة الماضية، مغرقا مئات الآلاف من الأفدنة، وعشرات القرى، ليقول للجميع أن الماء متوفر بما يكفي، فكفوا عن “تسييس الماء”، ولا تخدعوا العالم وأنفسكم بأن الماء قليل وشحيح.

وإذن فالماء متوفر بما يكفي الأتراك والإيرانيين والأثيوبيين كدول منبع للأنهار التي تتدفق إلى الأرض العربية، وهو من ثم يكفي تلك الدول الثلاث – دول المنبع – بدون أي ضغط على الدول العربية الثلاث – دول المسار والمصب – فلماذا تقطع تركيا الماء عن سوريا، ولماذا تخفض إيران مستويات تدفق أنهارها المتجهة مياهُها إلى العراق، ولماذا تتحكم أثيوبيا بتدفق نهر النيل لملء السد، إذا كانت الطبيعة قد صفعت الأثيوبيين بموسم ماطر فوق الهضبة الأثيوبية – المنبع الأساس لنهر النيل – جعلتهم يملؤون سدهم وفق ما هو مخطط له، مع تدفق مئات المليارات من الأمتار المكعبة إلى السودان على شكل طوفان كاسح؟!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق