راي رئيسي

15 ألف وفاة و455 ألف مصاب في أقل من عامين..
ماذا ننتظر بعد؟

15 ألفا و601 حالة وفاة بعد تسجيل 119 حالة وفاة جديدة جراء الإصابة بفيروس كورونا.. 7 آلاف و930 إصابة جديدة بالفيروس، إثر إجراء 21 ألفا و339 تحليلا مخبريا يوم الإثنين 5 جويلية 2021، ليرتفع العدد الجملي للإصابات بالفيروس إلى 455091.. نسبة الضغط على أسرّة الإنعاش في المؤسسات الاستشفائيّة العموميّة بتاريخ 4 جويلية بلغ 2021: 91.8%.. ونسبة الضغط على أسرّة الأكسجين في المؤسسات الاستشفائيّة العموميّة بتاريخ 4 جويلية 2021 بلغ 79.60%.. هذه احصائيات نشرتها وزارة الصحة، تخص يوم الاثنين الماضي الموافق لـ 5 جويلية 2021..

وضع وبائي وإنساني كارثي بأتم معنى الكلمة.. عدد وفيات لا يسجل أحيانا حتى في حالة الحروب.. هذا ما قدّمه التكنوقراط في إدارة الدولة والشأن العام، فلمن سنُحمّل المسؤولية اليوم عن هذا الفشل الذريع في التعاطي الكارثي مع هذه الجائحة؟

من سنحاسب اليوم على هذه السياسات وهذه الاستراتيجية المنتهجة؟ من سيحاسب الشعب على الأرواح التي أزهقت؟ هل سنحاسب موظفين تقنيين لا يعرف من يقف وراء سياساتهم ولا لمن يدينون ببرامجهم؟

أم نحاسب جوقة حكومة التكنقراط الذين لطموا الخدود وشقوا الجيوب حزنا وفرقا وخشية على حال البلاد والعباد التي ستدمّرها أحزاب الصناديق إذا حكمت، ولن يصلح حالها إلا بتكنوقراط “مستقلّون”؟

أم نحاسب منظّري حكومة التكنوقراط الموعودة، الوصفة سحرية، التي يكون التكنوقراطي فيها وطني ونزيه وشريف ومستقل وقادر على إصلاح ما فسد، ومصيرا محتوما أو خيارا لا بديل عنه في المطلق؟

أم نحاسب الذين دفعوا بكل قواهم لتبخيس الساسة والأحزاب وتشويه صورة “الكفاءات الحزبية” الملتزمة والحدّ من فاعليتهم المجتمعية، والإعلاء من “فارقية” التكنوقراط، وانتصروا لخطاب النهايات، وأكدوا على نهاية الأحزاب والحياة الحزبية، ونهاية السياسة، ونهاية الديمقراطية الحزبية؟

أم نحاسب الذين صدّعوا رؤوسنا بالاحتفاء بما يسمى “الكفاءات أو  التكنوقراط”، وقاموا بكل عمليات “الشفط” و”التجميل” للتكنوقراط، مقابل ترذيل وتشويه وتقزيم وتخوين الأحزاب الفائزة بالصندوق، بحجّة أنّها ضخّ لدماء جديدة في المشهد السياسي دفاعا عن الكفاءة والفعالية التي تفتقر لها الأحزاب – كما يمررون -، في محاولة لإقناع الرأي العام بوجود محورين، محور للخير والنماء، يتحدّد في التكنوقراط، ومحور ثاني للشرّ مفتوح على الحزبي..

وهكذا يتم حقن الأغلبية الصامتة والساخطة في بلدنا اليوم، بحقن تحت- جلدية مفادها أنّ الصناديق الزجاجية التي تحوي أصوات الناخبين لا يمكنها بالمرّة أن تغير من الواقع المؤلم، بل على العكس من ذلك إنها تساهم في تأبيد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعانون منها..

أو ربما نحاسب جماعة “حزب القصبة” الذي يتخفون وراء رئيس الحكومة ووزرائه التكنوقراط، ليفرضوا عبرهم قرارتهم وخياراتهم العشوائية والكارثية، والتي كان من بينها إفشال زيارتين مصيريتين كنا نراهن عليهما للتخفيف من عبء الوضع المالي المأزوم للدولة وتخلق بعض الانفراج في الوضع العام، ألا وهما زيارتي قطر وطرابلس..

المهم رفع الغالبية الراية البيضاء، وسلّموا بحكومة التكنوقراط المنقذة للعباد والبلاد، فماذا كانت النتيجة؟

النتيجة حكومة تكنوقراط لم تستطع تجاوز المشكلات بل أعادت إنتاج الأزمات وفاقمتها..

النتيجة كارثة صحية وإنسانية بكل المقاييس.. النتيجة عدد مفزع لحالات الوفيات والإصابات بالكوفيد، خاصة بالسلالة المتحورة والسلالات الجديدة من الفيروس، وأخرها السلالة الهندية التي تعتبر من السلالات شديدة الخطورة التي تنتشر بطريقة سريعة جدا وقد طالت قرابة 40% من المصابين..

النتيجة استراتيجية فاشلة وكارثية.. النتيجة وضع اقتصادي واجتماعي مأزوم.. النتيجة ارتباك واهتزاز وضعف فادح في الأداء..

النتيجة وزراء قيل أنهم ذوي خبرات فنية جيّدة جدا في مجالهم، يفتقرون للحدّ الأدنى من الخبرة السياسية، بمعنى جهل مدقع بماذا يجب أن يفعلوا ومتى وبأي صيغة؟

النتيجة وزراء متابعتهم وضبطهم مهمة شاقّة بل أحيانا مستحيلة، والقدرة على التعامل معهم في القضايا ذات الطابع السياسي المتقلب على الدوام، على غاية من التعقيد، مما يجعل مهمتهم صعبة والرهان عليهم مغامرة في وقت لم تعد فيها البلاد تحتمل مزيدا من المغامرات..

النتيجة وزراء لا يمتلكون أي رؤية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وليس في مقدورهم تجاوز الخطوط الحمر للقوى الطبقية والسياسية التي جاءت بهم إلى الحكم، وهذه مشكلة كبرى..

النتيجة عجز تام في مباشرة المشاريع الوطنية والإصلاحات الكبرى التي تحتاج صداما مع القوى القديمة، وتغييرا جذريا في القوانين وتحتاج إرادة سياسية وعزم لا يقدرون عليهم..

النتيجة، وزراء تقنيين، ضعيفين جدا في السياسة العامة وفي التواصل وفي التلاؤم مع المتغيرات الداخلية والخارجية..

النتيجة، غياب تام للشفافية والوضوح أثناء تدبير الملفات، طالما المهم في آخر الحساب هو النتائج. علما بأن النتائج عادة ما تخضع للمعايير الحسابية والكمية..

النتيجة، استبعاد القيم الإنسانية والأفكار الرئيسية والسلوك المدني عن مجال تدبير الشأن العام، واختزال السياسة في مجرد تدبير تقني حسابي. وغالبا ما ينتهي هذا الأمر إلى سيطرة العقل الأداتي على حساب العقل النقدي أولا، وعلى حساب العقل التواصلي ثانيا، والمحصلة وضع انساني كارثي..

النتيجة، إقصاء الأفكار، وإلغاء النقاش العمومي، وتعطيل مساهمة الأحزاب الكبرى في تدبير المصير المشترك، والتفرد باتخاذ القرارات الإدارية في انفصام تام عن الواقع ومتطلباته..

النتيجة، نفي مفهوم المحاسبة، لأن الديمقراطية تقوم أساسا على التفويض والمحاسبة، فالشعوب تفوض أحزابا وقادة ومن ثم تحاسبهم على سياساتهم فمن سيحاسب الشعب اليوم؟ هل سيحاسب موظفين تقنيين لا يعرف من يقف وراء سياساتهم ولا لمن يدينون ببرامجهم؟

لقد أصبح من الضرورة بمكان اليوم التفكير مليا بالحكومات والأنظمة القادرة فعلا على مواجهة الأزمات. وهنا القوى الثورية والأحزاب الوازنة معنية بتوضيح رؤيتها الدقيقة للمستقبل، ووضع اشتراطات دقيقة وفقا لحجمها في الصراع، وأن تتناول قضايا صحة المواطن والاقتصاد والسياسة والتعليم والبنوك والضرائب بدقةٍ كبيرة..

فمنطق الأشياء يقول، أنه يمكن تفهم الاستعانة بوزراء تكنوقراط غير متحزبين في وزارات معينة أو حتى في فترات معينة، لكن ليس بصورة دائمة ومطلقة، ينبغي أن يكون هناك حدّ أدنى من الإلمام بالسياسة لدى الوزراء حتى لا يكلفوا أنفسهم وحكومتهم المزيد من الأخطاء والأعباء. لأنه عادة المسؤول السياسي هو الذي يعرف كيف يخاطب الرأي العام وكيف يقنعه بسياسات صعبة ومؤلمة، والوزير الفني قد يعجز حتى الدفاع عن سياسات صحيحة ومنطقية.

إن المنطق والعقل يقولان أيضا أنه من غير المنطقي أن تجتهد الأحزاب السياسيّة في صياغة برامج ورؤى وتحشد حولها الأنصار والقواعد الشعبية وتخوض معاركها الانتخابية، وتقدّم البرامج والوعود لنيل ثقة المواطن، حتى ما إن نجحت في نيل ثقته، تتنازل عن حقها في إدارة المرحلة إلى شخوص آخرين يسمّونهم تكنوقراط لم يخوضوا معها معاركها الانتخابية ولا شاركوها في وضع برامجها ورؤاها من أجل تلك السّلطة المهداة ولم يلتزموا معها بأيّ وعود للناخبين، ولا مسؤوليّة لهم تجاه الشعب، بل لم ينتخبهم الشّعب أصلا..

إن المنطق وحاجة الدولة يفرضان سياسيّين لديهم فكر للدولة، ورؤية وبرامج وقدرة على القيادة وليس قدرة على الإدارة أو التنفيذ.. ودور التكنوقراط أو الخبير في مجال معيّن هو تطبيق تلك الرؤى والسياسات والبرامج المحدّدة التي يضعها السياسي.. وبمعنى أدق الدولة تحتاج إلى قادة سياسيّين، يعملون مع مختصّين من أصحاب الخبرة والكفاءة في كامل المجالات، لتزيل سياستهم وبرامجهم ورؤيتهم..

ولعل تجارب الشعوب الصاعدة من حولنا تؤكّد هذا الكلام بشكل قطعي وتنفي مغالطة معجزة الكفاءات وعصاهم السحرية لتحقيق المعجزات الاقتصادية، فبناة الدّولة وصانعي نهضة أمم في العصر الحديث كانوا سياسيّين بامتياز ولم يكونوا مطلقا تكنوقراط، فمن حقق المعجزة الماليزية كان قائدا سياسيا ولم يكن تكنوقراط(مهاتير محمد)، ومن حقق المعجزة السنغافورية كان أيضا رجل سياسة (لي كوان يو)  ومن حقق المعجزة التركية كان سياسيا أيضا (رجب طيّب أردوغان)، وغيرهم كثيرون.. في المقابل لا نجد أن التاريخ سجل معجزة اقتصادية أو اقلاعا لشعوب يعود الفضل فيها لشخصية تكنوقراطية بعيدة عن مجال السياسة..

إنا البرامج والاصلاحات الكبرى والانجازات الحقيقية تحتاج قطعا إلى سياسي مميّز وقوي وذكي وطموح، سياسي يملك قدرات قياديّة تؤهله لتكوين وإدارة وتوجيه فريق عمل من محاسبين وإداريّين ومسيّرين وخبراء ماليّين واقتصاديّين ومديرين ومتصرفين.. ومن كفاءات وتكنوقراط.. لبناء وتنفيذ وإدارة رؤية وبرامج يضعها ويبتكرها ويخطّط لها السياسيّون جيّدا..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق