موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

الأطروحة الجندريةج2:
جدل العلاقة بين الرجل والمرأة أو دحض الثقافي لطبيعية المرأة

0 229

د. محمد التومي

ما فتأت الدولة الوطنية بعد الاستقلال تنوّه بدورها في تحرير المرأة من سلطة النموذج الإسلامي وما رسمه الفقهاء من صورة للمرأة المسلمة المطيعة لزوجها والقائمة بدورها في تربية الأبناء والسهر على راحة العائلة وغيرها من الأمور التي باتت معلومة، وهو المجال الذي حاول بورقيبة اللعب فيه بتوصية غربية وفق تصوّر استعماري يسعى إلى انخرام المجتمعات المسلمة، وعلى أن بورقيبة سلّم بالمهمة التي أنيطت بعهدته مقابل الحكم لكنه لم يستطع أن يبتعد كثيرا في الإجراءات المتخذة نتيجة تصلّب المجتمع والمؤسسات الدينية في مواجهة محاولات التغريب.

وقد أخذ من بعده الجنرال ابن علي المشعل لمواصلة الدور الريادي التحديثي كما كان يروّج له ولعلّ أهم مخرجاته منذ نشأة دولة الاستقلال مجلّة الأحوال الشخصية ومنشور 108 إضافة إلى بعض الإجراءات المعزولة في زمن حكم السابع من نوفمبر تمثلت في جرعات عن طريق اتحاد النساء الديمقراطيات وصل حدّ تمييع القضايا الجوهرية وإغراق البلاد بـ “الأمهات العازبات” بوهم اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات العملية من أجل النهوض بأوضاع المرأة التونسية وتمكينها من حقوقها. وقد تجلت هذه التدابير خاصة على المستوى التشريعي والمؤسساتي وسن السياسات العامة مع الحرص على إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في تحليل التمييز ضد المرأة ومراعاة احتياجات هده الأخيرة  في السياسات العمومية كما أكد على ذلك منهاج عمل بيجين.

ولعله من الواضح تنامي الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية العاملة في مجال التنمية المجتمعية في بلادنا، هذه المنظمات وإن كانت تنأى بنفسها عن أي نشاط سياسي معلن، فهي تمثل عاملاً من عوامل التأثير الثقافي القوي والمبرمج. ويتبدى هذا التأثير عبر مجموعة من المفاهيم “التنموية” التي من أهمها مفهوم “الجندر”. إلا أن عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة التي تم تبنيها وتسويقها دون تمحيص، من قبل اليسار المتستّر بالحكم ودواليب المجتمع المدني واتحاد الشغل ساهم في فشل العديد من السياسات العمومية التي اعتمدتها مجموعة من القطاعات الحكومية، بعد الثورة خصوصا، ولعلّ تقرير الحريات الفردية الذي يربط مباشرة مع مجلة الأحوال الشخصية قد ذهب شوطا كبيرا في عملية التحديث الموهومة نتيجة إحساس اليسار بدنو أجله السياسي في حكم تونس المستقلة وهو إنما يرمي بهذه الصخرة العظيمة في المياه الراكدة من أجل إحراج حزب حركة النهضة ثاني أقوى شريك في الحكم ،

وإنّ عدم استفادة فئات عريضة من المجتمع -خصوصا النساء- من نتائجها. ولعل من أهم أسباب سوء فهم هذه المقاربة وجود نوع من الخلط بين مفهوم النوع أو الجنس الاجتماعي “الجندر ومفهوم النوع أو الجنس البيولوجي “الجنس”. هذا الخلط تسبب بدوره في صعوبة تنزيل هدا المفهوم على أرض الواقع من قبل العديد من الفاعلين الاجتماعيين والحقوقيين والسياسيين أو حتى عند عموم الناس، لاسيما أن مرجعيته غربية وظهوره في بداية الأمر ارتبط ببعض الحركات النسائية الراديكالية التي جاءت بمنطلقات وأهداف منافية للثقافة والخصوصية الدينية للمجتمعات العربية الإسلامية كمفهوم “المساواة المطلقة بين الجنسين”. وإن عدم الفهم الجيد لهذه المقاربة شكل عائقا أمام الاستفادة منها وتنزيلها على أرض الواقع وبالتالي سيعرقل رفع تحديات تونس الثورة المتمثلة، من جهة، في تفعيل مقتضيات الدستور الجديد. ولكن يبدو أن الرئاسة ضحّت بروح الدستور أمام الوفاء بالتزاماتها أمام المجتمع الدولي من خلال مصادقتها على مجموعة من المواثيق الدولية التي تلزمه بالعمل بهده المقاربة وإدراجها في مخططات سياساته العمومية وجعلها رافدا في إقرار وضعية عادلة ومنصفة للمرأة. ولا يخفى على المتابعين أن السؤال الذي ظل مطروحا هوما الهدف من إدماج هذه المقاربة في السياسات العمومية؟ وكيف يمكن تنزيل هذه الأطروحة والعمل بها بما يتماشى مع الخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع التونسي؟

لقد سبق أن أشرنا إلى أن هذه المقاربة تتلخص في مجموع الخصائص والأدوار الاجتماعية لكل من الرجال والنساء والتي تحدد وفق ثقافة مجتمع ما على أنها أدوار وسلوكيات وقيم ووظائف خاصة بكل من الرجل والمرأة. هده الأدوار والسلوكيات تتغير بتغير الزمان والمكان داخل المجتمع نفسه وكذا من مجتمع إلى آخر، وذلك بفعل مجموعة من العوامل التي تشترك في تحديد طبيعة هذه الأدوار الاجتماعية وتتمثل بالأساس في عملية التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها الطفل، ذكرا كان أم أنثى، مند ولادته وتستمر معه طيلة فترة تنشئه والتي تحدد طريقة سلوكه مستقبلا،  بالإضافة إلى عملية التنشئة، هناك عوامل متعددة أخرى تساهم بشكل أو آخر في تحديد طبيعة الأدوار الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة وإمكانية إعادة إنتاجها، مثل المجال الجغرافي والمستوى التعليمي والطابع العرفي والتقاليد المجتمعية وهي كلها عوامل تساهم مجتمعة في تحديد نوع العلاقة بين الرجل والمرأة، التي يمكن أن تكون علاقة تعاون وتواصل ودعم مشترك كما يمكن أن تكون علاقة مبنية على القوى والتمييز والتنافس على السلطة وامتلاك الموارد الاجتماعية والاقتصادية بين الرجال والنساء. وعلى هدا الأساس، فالنوع الاجتماعي يعتبر أحد المحددات الرئيسية التي يمكنها أن تساهم في خلق الفوارق بين الجنسين وإعادة إنتاجها مرة أخرى .

ومما يلفت الانتباه أن المقاربة الجندرية  لا تستند إلى أية مقدمات علمية أو حتى نظريات علمية أو فلسفية، فهي لا تتعدى كونها مقولة أنتجتها الليبرالية المتطرفة والحركة النسوية “الأنثوية، فيمينزم” في موقفها من المرأة، ويعود تاريخ الحركة النسوية  التي برزت للوجود في إطار الثقافة البرجوازية الليبرالية في فرنسا وبريطانيا وأمريكا. وتقوم هذه الحركة النسوية منذ بدايتها على فكرة خاطئة مفادها أن العدالة بين الرجال والنساء تتحقق بالمساواة، وهذه الفكرة، أي فكرة أن العدالة تعني وتحقق المساواة، هي من أكثر الأفكار سطحية وانتشاراً في ثقافة القرن التاسع عشر والعشرين ومما يتجاهله الفاعلون السياسيون من الشق اليساري التونسي أن هذه المقاربة الجندرية  أثبتت تجربة الحكم الشيوعي في روسيا خطأ ها  على المستوى الاجتماعي، ذلك أن المساواة لا تحقق العدالة، كما أن المساواة بحد ذاتها ليست خيراً محضاً وليست الفوارق شراً محضاً. وإن العلاقات بين الرجل والمرأة هي خير دليل على ذلك، إذ إن هذه العلاقة تسعى لتحقيق التكامل ومن ضرورات التكامل وجود التمايز، لأن التكامل لا يتحقق بين المتشابهين. وإن القيمة الإنسانية لكل البشر هي قيمة واحدة لكن تختلف أدوارهم ومكانتهم فلا يمكن أن يكون هناك مجتمع كله أغنياء أوكله فقراء ولا يمكن أن يكون هناك مجتمع يقوم الرجال والنساء فيه بأدوار واحدة. ولعل السؤال البديهي الذي يطرح هنا أما كان الأجدى البحث عن مقاربة تقرّب الشقة الهائلة بين الأغنياء  والفقراء وبين الجهات الداخلية المحرومة والجهات الساحلية؟ والحال أن الثورة التونسية إنما قامت على أساس هذا التمايز العنيف. ألم يدحض المجتمع المقاربة الجندرية عن طريق رفض العلاقة الجديدة التي رسمتها  فادية حمدي بصفعها الشاب محمد البوعزيزي والتي كانت وقود ثورة عارمة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.