موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

النهضة..
موسم العودة إلى مساحات التأثير المتلائم مع حجمها السياسي

0 236

لطفي هرماسي

تزامنا مع إطلاق صافرة بداية السنة السياسية الجديدة، انعقد مجلس شورى حركة النهضة في دورته الحادية والعشرين يومي 25 و26 أوت الجاري وأصدر في ختامها بيانا هاما، من أهم ما ورد به:

– تمسّك النّهضة بخيار التوافق لتجاوز الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ تعليق العمل باتفاقية قرطاج 2.

– انشغالها بتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها المباشرة على المقدرة الشرائية للمواطن ودعوتها للحكومة إلى انفاذ الإصلاحات وتشريك أوسع للخبراء والأحزاب والمنظمات في صياغة مقترحات عملية تهدف إلى تجاوز الصعوبات الاقتصادية والضغوطات على المالية العمومية ومقاومة الفساد مع ضرورة دعم الاستثمار واستحثاث نسق التصدير والعمل على التحكم في الأسعار.

– التأكيد على حاجة البلاد إلى حكومة مستقرة ومنصرفة كليا إلى تجسيم الإصلاحات وتهيئة البلاد لانتخابات 2019 دون أن يكون أعضاؤها معنيين بالترشح وذلك ضمانا لنجاحها في مهامها.

– تسجيل أهمية نجاح البلاد في تنظيم الانتخابات البلدية التي أفرزت مجالس متنوعة انطلقت منذ تركيزها في العمل بروح عالية من المسؤولية والمطالبة بتوفير كل الظروف المناسبة للبلديات وتذليل كل الصعوبات أمامها لأداء مهامها على أكمل وجه.

– مطالبة هيئة الحقيقة والكرامة بضرورة التسريع في انهاء البتّ في ملفات ضحايا الاستبداد

– التمسك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة، وعبرت عنه مجلة الأحوال الشخصية ودعم كل مسعى لتطويرها بما يسهم في ضمان حقوق المرأة، وبما لا يتعارض مع النصوص القطعية في الدين ونصوص الدستور.

وقد يكون بيان الدورة 21 لمجلس شورى حركة النهضة من أكثر البيانات التي أسالت حبرا كثيرا من قبل أنصارها و”خصومها”.

فقد أثلج البيان صدور أحباء النهضة لوضوح صياغته التي لا تقبل التأويل في علاقة بأهم القضايا التي تشغل الرأي العام خلال هذه المرحلة، وجرأة ما ورد به من مواقف لاسيما ما يتعلق منها بقضيتي التحوير الحكومي وتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، والأهم من ذلك كله روح البيان التي تؤشر بوضوح تام إلى عودة النهضة إلى دوائر الفعل السياسي المؤثّر الذي يتلاءم مع وزنها، وحجم كتلتها النيابية وحجم انتشارها في الساحة السياسية خاصة بعد انتخابات ماي 2014 التي أعادتها إلى مركز القوة السياسية الأولى بالبلاد.

ولقد ظلت النهضة منذ انتخابات 2014 التشريعية تمارس المشاركة في الحياة السياسية بمنطق الحزب الثاني الذي يحترم نتائج الانتخابات، ويشارك في إدارة الحكم في ما سمي بتجربة التوافق. وحتّى حين بلغت أزمة النداء ذروتها، وانقسمت كتلته، لم تعمل النهضة على قلب التوازنات لصالحها مستغلة حالة ضعف شريكها الذي فقد صفة الحزب السياسي الديمقراطي الذي تديره مؤسسات منتخبة وطنيا وجهويا ومحلّيا رغم تأثير ذلك على العمل الحكومي واستقراره، ورغم ما تعرضت له من نقد من منافسيها الذين لا يتركون فرصة لا يذكّرون فيها بأنها الحزب المتحكم في مفاصل الدولة، والّذي يتحمّل مسؤولية ما تعيشه البلاد من أوضاع اقتصادية ومالية واجتماعية صعبة متناسين بأن حجم مشاركتها في الحكومة لم يتجاوز في أحسن حالاته ربع حجم مشاركة النداء.

لقد مرت الممارسة السياسية لحركة النهضة، وحجم فعلها فيه من التعبير عن الرغبة في المشاركة، إلى القبول بالمشاركة الضعيفة فيه، إلى العمل على بناء التوافق والتأكيد عليه سبيلا وحيدا لإدارة الحكم  في مرحلة الانتقال الديمقراطي، إلى تقوية أواصره والعمل على توسيعه في سياق حكومة الوحدة الوطنية، إلى تعميمه كمقاربة لإدارة المشهد السياسي من بوابات إدارته الثلاث (مع رئيس الجمهورية، وفي الحكومة، وفي مجلس نواب الشعب) بما يقتضي ذلك كله من نكران للذات، وتقديم تنازلات، وحسن إدارة الضواغط الداخلية (من أبنائها، والفاعلين فيها الذين يدفعون في أحيان كثيرة في اتجاه إكساب حركتهم مواقف متمايزة عن مواقف النداء) والخارجية (من الأحزاب المنافسة التي ما انفكت تدفع بكل ما أوتيت من قوة إلى ضرب التوافق وتصويره على أنه بدعة سياسية، وعلى الدفع المحموم لإخراج النهضة من دوائر المشاركة في الحكم)، وأخيرا ومنذ مطلع هذه الصائفة وتزامنا مع تفصي النّداء من كل التزام تشاركي وتوافقي مع النهضة، وتزامنا أيضا مع انتصارها في الانتخابات البلدية، والانطلاق المبكّر للحملة الانتخابية لانتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية، شهدت الممارسة السياسية لنهضة انعطافة ملحوظة أعادتها إلى دائرة التأثير المباشر في المشهد السياسي في استقلالية تامة عن بقية من كانت ولازالت تعتبرهم شركاء تجلت بوضوح تام منذ يوم 4 جوان، يوم أعلن الأستاذ راشد الغنوشي عن رفضه المطلق لتفوير الحكومة لمجرّد رغبة ابن الرئيس في تصفية حساباته الشخصية مع يوسف الشاهد دون مراعاة للظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية  للبلاد.

وفي هذا السياق وتأكيدا على الموقف ذاته في علاقة بموضوع التحوير الحكومي يندرج تأكيد مجلس شورى النهضة على خيار التوافق، وعلى حاجة البلاد إلى حكومة سياسية “منصرفة كليا” للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاجها البلاد، و”منخرطة كلّيّا” في مسار الإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية دون أن يكون أعضاؤها معنيين بالترشح خلالها، وهو ما يعني بوضوح تامّ وضع حدّ للطموحات الجامحة لرئيسها يوسف الشاهد الذي باتت كل المؤشرات تؤكّد أنّه يعبّد لنفسه الطريق نحو قرطاج من خلال موقعه كرئيس لحكومة الوحدة الوطنيّة، وقد بات يوسف الشاهد الذي ظل يستند خلال هذه الصائفة إلى ما يعتقد انه دعم من حركة النهضة، مخيّرا بين مواصلة الاضطلاع بمسؤولياته كرئيس للحكومة وإدخال التحويرات الضرورية عليها مع التعهد بوضوح ودونما مواربة أمام الشعب التونسي بالتزامه بعدم الترشح خلال انتخابات 2019 أو الاستقالة من موقعه والتفرغ لتأسيس حزبه وإدارة حملته الانتخابية بعيدا عن الخلط المتعمّد بين ما هو عمل حكومي يستوجب الانخراط التام والتفرغ التام للإصلاحات العاجلة والمتأكّدة والابتعاد التام عن دوائر التجاذب مع الأطراف السياسية الفاعلة التي كلفته برئاسة الحكومة.

أما فيما يتعلق بالموقف ممّا أصطلح على تسميته بتقرير لجنة الحقوق والحريات الفردية والتي دفع الحراك المجتمعي عبر الندوات ووسائل التواصل الاجتماعي وخاصة من خلال المسيرة الوطنية الحاشدة التي قادها أئمة المساجد والجمعيات يوم 11 أوت رئيس الدولة إلى وضعه في الثلاجة واختزاله خلال خطابه يوم 13 أوت في موضوع الدعوة إلى المساواة التامة بين الجنسين في المواريث فقد كان بيان مجلس شورى حركة النهضة واضحا بشكل لا يقبل التأويل، واضعا حدا لحملة التشكيك التي قادها بعض الثورجيين وبعض المنتسبين إلى التيارات المحافظة بمن فيهم بعض النهضويين من موقف النهضة والقدح في مصداقيتها وتوهّم انحيازها لخيارات السبسي في مسائل تتعارض مع ثوابت الدين، فقد أكد بيان الدورة 21 لمجلس الشورى على التمسك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة من ناحية ودعم كل مسعى لتطوير مجلة الأحوال الشخصية  بما يسهم في تعزيز حقوق المرأة وبما لا يتعارض (مرة أخرى) مع النصوص القطعية في الدين ونصوص الدستور.

ولقد تفطّن رئيس الجمهورية بحكم خبرته وحنكته السياسية لما أطلقنا عليه بالانعطافة السياسية في مواقف النهضة وتحدث عنها بإسهاب في خطاب 13 أوت مشيرا إلى أن التعامل معها حقق لتونس أقدارا  لا يستهان بها من الاستقرار السياسي مضيفا بأنها أمدّته عبر رئيسها  بوثيقة تضمنت تقييما  لعمل لجنة الحريات الفردية والمساواة يتضمن احترازات أقلقته (…) ومضيفا أن من حق النهضة أن تعبر عن  احترازاتها مذكّرا بمرجعيتها الدينية وسعيها لأن “تتطور إلى حركة مدنية” وفق تعبيره، ومعبرا عن أمله في  تصويت نوابها لفائدة اقتراح تعديل مجلة الأحوال الشخصية واقرار مساواة اختيارية في الإرث مذكرا بدورها وحجمها الذي تأكد مرة أخرى خلال التصويت على سدّ الشغور الحكومي يوم 28 جويلية 2018.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.