رأيغير مصنف

عندما يتلبس حداثيونا .. الحالة الداعشية؟

محمد الحمروني

ردود الأفعال على البيان الختامي لمجلس شورى حركة النهضة المنعقدة نهاية الأسبوع الماضي، والذي شدد على  “التمسك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة، وعبرت عنه مجلة الأحوال الشخصي”، تلك الردود تتجاوز المستوى الأخلاقي الذي اعتبر متدنيا للغاية، لتكشف خطورة ما يعتمل في “العقل” السياسي التونسي من داعشية سواء كانت يمينيا أو يسارا..

كثيرا ما كنا نستمع إلى أحاديث عن (دواعش اليمين ودواعش اليسار) وأن هؤلاء لا يختلفون في شيء فيما بينهما، وأن كلا منهما يستفيد من الاخر ويتغذى ويجد شرعيته في التطرّف الذي يقابله..

ولكننا اليوم نقف على أدلة واضحة على تلك المقولات التي كانت تطلق في أغلب الأحيان جدلا لا أكثر، أو في إطار الحروب الفايسبوكية التي لا تهدأ بين يمين ويسار أو علمانيين وإسلاميين الخ..

وهذه الفرضية هي ما سنحاول أثباتها في هذه العجالة.. وهي أن بعض اليساريين والعلمانيين يفكرون بنفس الأدوات والميكانيزمات التي تحكم العقل الداعشي.

لنذكر فقط أن مصيبة “الحالة” الداعشية، إضافة إلى اصرارها على فكر جامد لا يقبل التطور ولا التجديد ولا الاجتهاد، هو اعتقاد المنتمين الى هذا التيار، أن قراءتهم وفهمهم للإسلام هو الفهم الصحيح، وأن ما سواه باطل، وبناء على ذلك هم يُحلّون تكفير غيرهم من المسلمين، واستباحة أموالهم وأعراضهم، ويسمحون لأنفسهم بفرض قراءتهم وفهمهم بالقوة وبقطع الرؤوس وحرق الناس أحياء..

جوهر “فكر” الدواعش، ان كان لهم فكر طبعا، يقوم على رفضهم لأي فهم للإسلام ونصوصه خارج فهمهم هم وخارج قراءتهم لتلك النصوص..

نفس هذه الأعطاب نجدها تنعكس لدى بعض من ينسبون أنفسهم إلى ما يسمى بالفكر الحداثي التقدمي في تونس، وهؤلاء لا يختلفون من حيث الجوهر عن الفكر الذي يحمله الدواعش.. نفس النظرة للآخر المختلف ونفس التعامل مع النص ونفس الطريقة لفرض آرائهم..

فالتدوينات التي نشرها أصحابها مؤخرا وانتقدوا فيها موقف النهضة من قضية المواريث، تعكس نفس تلك الأعطاب.. وإذا كانت داعش تتمترس بفكر محنط يغلب عليه الجمود والتحجّر، ومن هذا المنطلق لا تقبل أي اختلاف أو تنوع، فإن الفكر الذي يعبر عنه بعض ممن ينسبون أنفسهم إلى الحداثة، ويتجملون بمقولات الانفتاح والتنوير وتحطيم الطابوهات، يقع للأسف في نفس الخندق الذي وقع فيه فكر داعش عندما أصرّ على حرمان الآخرين من أن تكون لهم قراءتهم الخاصة لبعض القضايا أو الآيات الواردة في القرآن الكريم.. أو قراءتهم الخاصة للإسلام ككل ومعانى الانتساب إليه اليوم.

والنتيجة نفسها، ومثلما انتهى الدواعش إلى تكفير خصومهم ينتهي الحداثيون إلى نوع من التكفير عندما يسِمون خصومهم بالتدعوش، أو يصرّون على حرمانهم من صفة المدنية التي يتصورون أنهم يملكون مفاتيح خزائنها.. ومثلما يتحصن الجهاديون بدعاوى الجهاد لفرض أرائهم بالقوة والعنف وصولا إلى التوحش، ينتهي الأمر بأصحاب مقولات الانفتاح والتطوّر إلى استعمال القوة القاهرة للدولة وسلطة القانون لفرض قراءتهم الخاصة للنصّ الديني (إن كانت فعلا لديهم قراءة لهذا النص).. بحجة “قصور” العقل الجمعي للتونسيين عن استيعاب منتجات العصر.. والكل يريد فرض وصايته على الناس وكانهم “سفهاء”.

إنّ التكفير ورفض حق الاختلاف وفرض الآراء بالقوة، هي قواسم مشتركة، بين عدد كبير من المتطرفين والدواعش يمينا ويسارا، وهو ما يعني أن الداعشية عقلية، ترعرت ونمت في أجواء الخوف والرعب التي عاشتها بلادنا سنوات الجمر، حتى باتت ثقافة عامة تشترك فيها العديد من القوى والأحزاب والتيارات حتى وإن تدثرت بلبوس الحداثة والتقدمية..

ولطالما اتهمت ما تسمى بحركات الإسلام السياسي، بمحاولتها أسلمة المجتمع وفرض نمطها المجتمعي بالقوة، أي فرض رؤيتها وفهمها الخاص للإسلام وللنصوص المؤسسة، وظلت تلك الحركات لسنوات تجهد كي تدفع عنها هذه التهمة، وتؤكد عبر تصريحات شيوخها المتكررة أنها لا تمثل الإسلام وأنها ليست ناطقة باسمه وإنما هي تملك قراءة من جملة قراءات كثيرة وفهما وتمثلا لهذا الدين.. من جملة أفهام وتمثلات عديدة أخرى.

واليوم يبدو أنّ الموازين قد انقلبت، فالذين لطالما اتهموا حركة النهضة بمثل هذه الاتهامات  يقع في ما نفس المحاذير، من خلال محاولتهم فرض نمطهم المجتمعي فرضا على المجتمع التونسي الذي لا تستسيغه شرائح واسعة منه..

هذه الحالة الداعشية التي تخترق أغلب مكونات الساحة السياسية، تتجلي من خلال العنف الذي يسري في مجمل الخطاب السائد في بلادنا، ويستلهم تعبيراته وأوصافه من قاموس المراحيض،  والأمثلة عليه كثيرة ممن دعوا ويدعون يوميا إلى قتل خصومهم أو إعادتهم إلى السجون والمهاجر، ومن يطالبون علنا وفي صفحاتهم الفياسبويكية بإعدام راشد الغنوشي، وصولا إلى من اعتبر أن أكبر خطأ ارتكبه المخلوع هو عدم قيامه بحملة اعدامات واسعة كان يمكن حسب هؤلاء أن تخلّصهم من هذا الخصم العنيد الذي ينازعهم الحكم وصناديق الاقتراع..

ويكون هذا العنف الرمزي والتطرف أشد وأنكى عندما يصدر عن هياكل أو مسؤولين عن هياكل يفترض فيها أنها حامية لحمى حرية التعبير وللحق في الاختلاف واحترام الرأي الآخر.. أو هكذا يفترض على الأقل..

ولكن وللأسف ولمجرد طرح قضية خلافية كقضية المساواة في الميراث، كان يمكن أن تكون محل نقاش وطني واسع وجامع وأن تقام من أجلها المنتديات والمنابر الحوارية الجادة والمسؤولة، بدل ذلك يتسلّح البعض بما تتقيؤه بطونهم من قذارات ليواجه مخالفيه في الرأي.. وإذا كان التكفير إخراج من الملّة فإن الوسم بالتخلّف والرجعية إخراج من الحداثة ونفس الشيء يقال عن المدنية والوطنية وغيرها..

إن أخطر ما نواجهه اليوم وتواجهه ثورتنا وانتقالنا الديمقراطي هو هذا الإرهاب الفكري زالعنف والتطرف الذي يحكم البعض منا، حتى باتت ساحاتنا الإعلامية وفضاءات التواصل الاجتماعي مجالا للتنافي والاقصاء وبث الأكاذيب والإشاعات والشتائم المختلفة..

فدواعش اليمين لا يرضون بغير اجتثاث خصومهم وتطهير أرضهم من الكفرة والمرتدين، ودواعش اليسار لا يرون حلا لمشكلات البلاد إلا باستئصال خصومهم من الظلاميين والرجعيين.. ولكن والحمد الله أن قيّظ الله لهذه البلاد من العقلاء من بسطوا لتونس ساحة من الوسطية والاعتدال تتسع كل يوم لتحاصر دعاة الاجتثاث والاستئصال والتطهير الفكري.. وتفتح لبلادنا آمالا أوسع للتعايش في المستقبل.

ولا نستثني من هذا العنف وهذه الرغبة في (إفناء الخصم) ولو رمزيا، أي طرف، فغالبية الفاعلين السياسيين مصابون بهذا المرض الذي يمكن أن يطلق عليه (متلازمة الاستبداد)، ويبدو أن كل الذين قارعوا الديكتاتورية أصيبوا ببعض أمراضها.. وما حالة التشظي والانهيار الذي تعيشه بعض الأحزاب التي كانت رائدة في النضال ضد الاستبداد إلا جزء من تداعيات تلك الحالة..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق