رأي

إلى عقــــلاء الــــــوطن..

فائزة الناصر .

بين الحديث عن الأزمة التي يعيشها نداء تونس وشقوقه ورتوقه وبين الحديث عن الأزمة التي يعيشها رئيس الجمهورية والمأزق الدستوري الذي يجد نفسه حبيسه وبين الحديث عن أزمة اتحاد الشغل وتهديده ووعيده وبين الحديث عن أزمة حركة النهضة وعزلتها، تتوه في تحليلات الإعلام ومنابره وحواراته الأزمة الحقيقية والمأزق الخانق. فهل الأزمة الحقيقية هي أزمة حافظ وأبيه أم أزمة الشاهد وحكومته أم أزمة اتحاد الشعل وهياكله أم أزمة حركة النهضة وزعيمها؟

قطعا لا، فالأزمة الحقيقية هي أزمة وطن هي أزمة مسار يوشك على الاكتمال.. هي أزمة تعيشها البلاد وترزح تحت وطأتها الثقيلة منذ أكثر من 4 أشهر ولا تستطيع منها فكاكا..

انشغل إعلامنا للأسف، بالحديث عن أزمات جانبية وصمت عن أزمة بلد تتعمّق ومشهد عام مأزوم أصبح يوحي بالعدمية. العدمية بوصفها خواء على كل المستويات واستحالة للمعنى..

مرّة أخرى يتسبب تفخيم الصغائر وتحقير الكبائر من القضايا في تعميق الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها تونس.. مرّة أخرى تركّز السلطة الرابعة على الهوامش وتعظيمها لها مقابل إهمالها للجوهر في إحكام الخناق على بلد أعيته الأزمات التي لا يكاد يخرج من إحداها حتى يسقط في غيرها..

يسود الغموض والتعقيد والتشنج على المشهد العام التونسي، فبين تراشق التهم بين المنظمة الشغيلة والحكومة وبين ارتفاع نسق الاضرابات في القطاعات الحيوية والحساسة مثل قطاع انتاج الفسفاط والبترول وقطاع التعليم، وبين تركيز على أحزاب منشغلة بمعاركها الدونكيشوتية وبتراشق التهم، أو بمشاكلها الداخلية التي لا تنتهي أو بالتآمر على المسار الانتقالي من الداخل والخارج تلبية لنزعات انتهازية أو لوثات إيديولوجية مقيتة… بين هذا وذاك تتعمّق أزمة البلاد ويتعقد المشهد العام المأزوم بطبيعته..

بدأت الأزمة الاقتصادية الخانقة تأخذ منعرجا خطيرا وكلما تعمّقت الأزمة الاقتصادية نرى الأزمة الاجتماعية تستفحل أكثر فأكثر.. كل المؤشرات الاقتصادية تدلّ على أن قارب تونس في قلب العاصفة، نسبة نموّ قد لا تتجاوز 2.8 على امتداد كامل سنة 2018 مع ما يعنيه ذلك من تراجع للاستثمار وفقدان للأسواق لبعض قطاعاتنا الحساسة وتفاقم المديونية العمومية وارتفاع للبطالة..

الميزان التجاري يشكو عجزا خطيرا ومصاريف الميزانية العمومية في تزايد مستمر في ظل انزلاق خطير ومطّرد للدينار التونسي وارتفاع مخيف في نسبة التضخم واستقرار غلاء الأسعار عند مستويات غير مطمئنة، أي أننا أمام ملف اقتصادي ملغوم أشبه بالقنبلة الموقوتة وإن لم نحسن التعامل معه بحكمة وحذر فإننا سنشهد أياما عصيبة..

وبات من معلوما لدى الجميع أنّ تواصل وضعية المالية العمومية على ما هي عليه الآن فإن وضعنا في السنوات القليلة القادمة لن يكون أفضل من وضع بعض الدول التي شارفت على الإفلاس وسنكون مخيرّين بين الإفلاس أو الانصياع للوصفات القاسية جدّا للمؤسسات المالية الدولية..

ورغم كل ذلك فإعلامنا “المحايد جدّا” ونخبتنا المستنيرة فوق العادة لا يعنيها في كل ما يحدث سوى وضع حركة النهضة وزعيمها راشد الغنوشي، يناقشون في منابرهم هل هي في موقف ضعف أو موقف قوة، هل هي معزولة أم لا. ولا يعنيهم أمر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي بدأت تأخذ منعرجا خطيرا وكلما تعمقت استفحلت معها الأزمة الاجتماعية.. ولا يهمّهم تدني المؤشرات الاقتصادية التي تدل على أن قارب تونس في وضعية حرجة، ولا تستفزّهم نسبة النموّ الضعيفة ولا تراجع الاستثمار وفقدان الأسواق لبعض قطاعاتنا الحساسة ولا تفاقم المديونية العمومية..

لا يهم العجز الخطير للميزان التجاري ولا تزايد مصاريف الميزانية العمومية المستمر، ولا نسبة البطالة المرتفعة ولا الانزلاق الخطير للدينار التونسي والارتفاع المخيف في نسبة التضخم، ولا استقرار غلاء الأسعار عند مستويات غير مطمئنة..

لا يهم أزمة المؤسسات العمومية التي بلغت ديونها 6500 مليار وتأثير ذلك المباشر على المالية العمومية التي أصبحت تستنزف موارد الدولة منذ 7 سنوات..

لا يهم الأزمة الخانقة التي تعانيها الصناديق الاجتماعية، حيث بلغت قيمة العجز المالي الذي تشكو منه 3 آلاف مليون دينار، فيما سجّل الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية لوحده عجزا بما قيمته 1000 مليون دينار في 2017..

لا يهم أنّه إذا تواصلت وضعية المالية العمومية على ما هي عليه الآن فوضعنا في السنوات القليلة القادمة لن يكون أفضل من وضع بعض الدول التي شارفت على الإفلاس ولا أننا سنكون مخيرين بين الإفلاس أو الانصياع للوصفات القاسية جدّا للمؤسسات المالية الدولية..

لا يهم إن تسببنا في قطيعة مع المؤسسات المالية والنقدية الدولية وعدم القدرة على تمويل الميزانية؟

لا يهم إن كنا أمام ملف اقتصادي ملغوم أشبه بالقنبلة الموقوتة وإن لم نحسن التعامل معه بحكمة وحذر فإننا سنشهد أياما عصيبة..

لا يهم ارتهان كلّ الإصلاحات والإجراءات للتحوير الحكومي وما سيترتب عنه.. ولا إن كان إرباك الحكومة وتقويض تركيبتها سيعطي صورة على عدم استقرار الوضع السياسي في تونس اليوم..

وكأن لسان حالهم يقول: لا يهمنا إن كان تقويض الحكومة سيساعد على استعادة نسق نمو مستقر أم لا.. ولا إن كان سيحفّز الاستثمار الوطني والأجنبي لتحسين نسبة النمو أم لا.. ولا إن كان سيساهم في القيام بالإصلاحات الضرورية والعاجلة أم لا.. ولا إن كان حلا حقيقيا للأزمة المالية العمومية أم سيعمّقها..

ولا يهمنا إن كانت سياسة ليّ الذراع وكسر العظام ستعبث بمستقبل بلاد وبمصير شعب وبمستقبل مسار برمته..

لا يهمنا إنّ كان الوضع العام في البلاد لم يعد يتحمل لا مزيد من التجارب ولا تنازع صلاحيات ولا معارك تموقع ولا صراع حول الكوتا في التشكيل الحكومي الذي قد يستمر لأشهر..

لا يهمنا إن كان المجلس النيابي معطل تماما أم لا، لا يهم إن كنا في مأزق دستوري أم لا، لا يهم كل ذلك، المهم فقط بالنسبة لهم هو أن لا تلقنونا دروسا في الوطنية ولا تقول لنا أنّ هذه مرحلة مطلوب فيها الكثير من الحكمة والتبصّر، والكثير من التضحية والسرعة القصوى في الإنجاز، وأنها فترة مطلوب فيها تغليب مصلحة الوطن العليا، والقدرة على التشخيص الدقيق والواقعي للمشاكل وعلى حسم الملفات وعلى تقديم رؤية شاملة وواضحة، تكون فيها الأولويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية هي محرار صياغة المواقف واتخاذها..

كأني بهم يقولون: لا تطلبوا منا الحكمة والرصانة والتعقّل ولا تقولوا لنا إنّ ما نقوم به سيعطي رسائل سلبية جدّا للجهات المانحة ولشركائنا الحيويين وسينفّر الصناديق الدولية ومستثمري الداخل والخارج.. لن نسمع أي شيء مما تقولونه فنحن لا نرى ولا نسمع ولا نعقل شيئا..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق