رأي

الأطروحة الجندرية ج3
مشاعية للجسد وارتباك في مفهوم المساواة

د. محمد التومي – باحث في سيراس.

إن الأطروحة الجندرية تقوم على مبدأ المساواة دون اعتبار العدل في المتصور القانوني أو الفلسفي ولو كانت المساواة مناقضة للإنصاف والعدل ولذلك تشرع هذه الأطروحة لما بعد نسوية قائمة أساسا على التمايز الجنسي باعتبار المرأة جنسا آخر مقابلا لجنس الرجل.  وقد قامت أطروحة الجندر على محاولة إثبات ما يمكن تسميته بتحيز  الطبيعة للذكر  وهو ما يمكن ملاحته في المعجم اللغوي مثلا ومثلها الكلمات الآتية في اللغة الإنجليزية والتي تدل على تبعية المرأة للرجل وعدم إمكان وجودها مستقبلاً كإنسان إلا من خلال الرجل: إنسان (Hu-man)، امرأة (Wo-man) ويرى الجندريون أنه لو حذفت كلمة رجل (man) لضاعت وسائل المرأة من الوجود في اللغة. المشكلة أنه عندما تطرح الأنثوية كلمات مثل “جندر” بدلاً من رجل وامرأة لوصف العلاقة بين الجنسين وكلمة “فمينيزم” (feminism) للتعبير عن حركة النساء فإن الذي تغير ليس للتعبير عن حركة النساء بل إن المتغير ليس حروفاً وكلمات وإنما مضامين ومعاني وثقافة وفكر. ويعدّ كتاب “الجنس الآخر” الذي صدر في نهاية الأربعينات للكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفورا، فيصلا في هذا المجال وهو الكتاب الذي يُعدُّ الدستورَ المؤسِّسَ للحركة النسوية في العالم؛ وقد ذهبت فيه دي بوفوار إلى أن الرجل يمارس على المرأة سطوة عاطفية، وهو ما جعلها تعاني من اضطهاد عميق؛ لأنها في النهاية قبِلت بتحوّل الرجل من إنسان واقعي إلى رمز شبيه بالآلهة، ودي بوفورا تعتقد أن المرأة لا تولد امرأة لانعدام قدر بيولوجي أو نفسي أو اقتصادي يقضي بتحديد شخصية المرء كأنثى في المجتمع وترى دي بوفورا أن تحرر المرأة رهين بمدى استطاعتها تغيير الصورة التي ينظر بها الرجل لها ولخصائصها الجسدية والنفسية، ومدى تحررها من الموروث الثقافي الذي يشكل سلبًا حيواتها اللاواعية، وهذا الدور منوط بالمرأة الكاتبة التي تملك ناصية اللغة لتبليغ المشاعر والأحاسيس “للآخر” الذي تمثل المرأة في عُرفه الجنس “الآخر”، فالأنثى تتحوّل إلى امرأة ضمن واقع ذكوري متسلّط تشكّلت شخصيته انطلاقًا من مفهوم السلطة التي وضعت ملامحها وحدودها السلطة الاقتصادية عبر العصور وبذلك صرخت سيمون دي بوفوار “إن الشخص لا يولد امرأة، بل يصبح امرأة” فعملت سيمون بنتاجها الفكري والأدبي على التساؤل عن هوية المرأة، والتأكيد أنها هوية مستلبة من صنع الرجل وتحررها يكون بقدرتها على الخروج من أصفاد الصورة النمطية التي صنعها المجتمع، وهي بهذا مهّدت للتنظير في مفهوم “الجندر”. وتتحرّك الأطروحة الجندرية من عقدة الرجل المستحوذ على حقوق المرأة عنوة وقهرا ولذلك أورد المنظرون لهذه الأطروحة تعريفا للمساواة الجندرية: Gender equality  التي هي المساواة بين الأنواع الاجتماعية المختلفة في الحقوق والمعاملات وعدم التمييز وفقًا للنوع الاجتماعي  وعليه لا تعتمد الفرص المتاحة للنساء والرجال على كونهم ولدوا ذكورًا أو إناثًا. وكما تعني أيضًا أن يكون هناك تساو في توزيع المقدرات الاقتصادية والمواريث في إطار التوزيع المتساوي للفرص والقدرة على التأثير والقوة الاجتماعية وهي لا تلقي بالا للمحددات الدينية ولو كان ورودها بشكل قطعيّ الدلالة. وإن تحديداتها تتعارض أحيانا مع ضوابط أقرتها الأمم المتحدة التي تُعرّف المساواة بين النوع على أنها تعني: “المساواة في الحقوق والمسؤوليات والفرص بين الرجال والنساء والفتيات والفتيان ومراعاة المصالح والاحتياجات والأولويات دون اعتبار الجنس”. ولكن المساواة في عرف الجندر تعني ألّا تعتمد الحقوق والمسؤوليات والفرص المتاحة للنساء والرجال على كونهم ولدوا ذكوراً أو إناثا، وهي تعني أيضاً أن التوزيع المتساوي للمقدرات الاقتصادية يجب أن يُفهم في إطار التوزيع المتساوي للفرص والقدرة على التأثير والقوة الاجتماعية.

أما العدالة في الأطروحة الجندريةGender Equit  تعني العدالة في التعامل مع الرجال والنساء واحترام احتياجاتهم بشكل كامل بحيث تكون المرجعية في المعاملات هي مبادئ المساواة في الحقوق والمكتسبات والحريات المدنية والسياسية وكذلك الفرص. ولضمان العدالة يتم اتخاذ عدد من التدابير للتغلب على العوائق، سواء أكانت اجتماعية أو تاريخية، والتي تعوق الرجال أو النساء عن العمل بشكل فاعل في المجتمع مثل الكوتا النسائية.أما متصوّر العدل خلاف الجور والظلم، وهو القصد في الأمور، وما قام في النفوس أنه مستقيم، مِن عَدَلَ يَعْدِلُ فهو عادل من عُدولٍ وعَدْلٍ، يقال: عَدَلَ عليه في القضية فهو عادِلٌ. وبسط الوالي عَدْلَه. والعدل في عرف الاصطلاح هو عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور، وكلك هو استعمال الأمور في مواضعها، وأوقاتها، ووجوهها، ومقاديرها، من غير سرف، ولا تقصير، ولا تقديم، ولا تأخير.إن العدل إذن هو القسط والميزان بإعطاء كل ذي حق حقه، والعدالة ملكة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة المروءة والاعتدال بامتثال المأمورات والابتعاد عن المنهيات.كما أن العدل يختلف عن العدالة، فالأول مبدأ سياسي له تفريعات اجتماعية واقتصادية، في حين أن العدالة مفهوم أخلاقي  له تفريعات قانونية قضائية. ومن هنا يكون ساواه بمعنى ماثله وعادله. بالتالي فإن المساواة هي المماثلة والمعادلة على خلاف التفاوت والاختلال في الدرجات والتوزيع،والسوي أو الاستواء هو أن يكون اللفظ المعبِّر عن المعنى المراد مساويا له لا ينقص ولا يزيد.  وأن يتساوى الناس جميعا في الحقوق والواجبات دون تفرقة أو تمييز بسبب جنس أو طبقه أو مذهب أو عصبية أو حسب أو نسب أو مال… إلخ. والمساواة بين الجنسين والمساواة الاجتماعية هي مساواة جميع الناس أمام القانون. ومما تقدم من التعريف يتبين لنا أن ثمة فرقا بين المساواة والعدل فالمساواة تعني رفع أحد الطرفين حتى يساوي الآخر أما العدل فهو إعطاء كل ذي حق حقه وهو الخرم الذي داخل أطروحة الجندر وجعلها على شفير الجدل العقيم الذي يحشو المصطلحات بمتصورات إيديولوجية قائمة على الدمغجة وتوتير العلاقة مع السائد الثقافي والديني ومن ثمة ضرب الهوية والتاريخ للمجتمع إذا كانت طبقته المثقفة مستلبة مثلما هو الحال عندنا في تونس . ومن أهم هذه المفاهيم الجندرية نذكر متصور الأمومة، والحال أن هذا المصطلح يأخذ حيزًا كبيرًا عند الجندريين، حيث تقول عالمة الاجتماع سيمون: “إنَّ الأمومة خُرافة، ولا يوجد غريزة للأمومة، وإنما ثقافة المجتمع هي التي تصنع هذه الغريزة؛ ولهذا نجد أنَّ الأمومة تعتبر وظيفةً اجتماعية”، ما ولّد مصطلحًا جديدًا وهو “الصحة الإنجابية”، ويهدف إلى معالجة الإشكاليات الناتجة من وظيفة المرأة بوصفها أمَّا على مستوى الإنجاب، والتي قد تقف عائقًا أمام ممارستها لدَوْرها الجندري المساوي لدور الرجل، ومِن هذه الإشكاليات أيضًا الحملُ والرَّضاعة، وغيرها من الوظائف الفيزيولوجية للمرأة، ومن هنا فلها الأحقية المطلقة في الإجهاض ورفض القيام بهذه الوظيفة الاجتماعية . وقد نادت الحركة النسوية وخصوصاً بعد فترة الستينيات إلى شعار مؤداه أن المرأة تملك جسدها، وهذه الدعوة الملغومة تقتضي الدعوة للإباحية الجنسية ومن المشكلات التي خلفتها هذه الظاهرة أمهات غير متزوجات وأغلبهن في أعمار المراهقة، ومنها أيضًا التبرج الشديد والتعري دون مراعاة السمت المجتمعي. ووفقًا لمفهوم الجندر الذي أفرز كتاب “الأسرة وتحديات المستقبل” فإنَّ الأسرة يمكن تصنيفها إلى 12 شكلاً ونمطًا، ومنها أُسر الجنس الواحد أي أُسر الشواذ ، حاشاكم، وتشمل أيضًا النساء والرجال الذين يعيشون معاً بلا زواج، والنساء اللاتي ينجبن الأطفال سفاحاً، وينفقن عليهم، ويطلق على هذا التشكيل اسم الأسرة ذات العائل المنفرد، وتسمى الأم بـ (الأم المعيلة أو الأم العزباء). وهذا التغير في شكل الأسرة يعني فيما يعنيه ضمن النسق الجندري تغيير الأنماط الوظيفية المعهودة للأب والأم في الأسرة. وتسعى المنظمات الدولية بدأب لفرض رؤيتها المتعلق بالمصطلح في أوساط المؤسسات النسوية العربية رغم أن المجتمع العربي حمّال أنساق اجتماعية وثقافية وحضارية مختلفة عمّا هي عليه في البيئة الحاضنة للمصطلح والمتبنية لرؤاه، واستشراء المفهوم في نسيج المجتمع العربي وداخل المنظمات العربية النسوية وغيرها دون وعي يشكل تهديدًا حقيقيًّا لنسيج المجتمع العربي الذي يعتمد الأسرة بشكلها الأوحد ووظائف أفرادها الفطرية نواةً متماسكة حاملة له مما ينذر إلى جانب مخاطر تفكيك الأسرة التي تعدّ من آخر الحصون التي يتفاخر بها المسلمون على الغربيّين بإحداث هوَّةٍ خطيرةٍ بين الجنسين لتقوم العلاقات بينهما على التناقض والتّصادم بدلًا من التّكامل من خلال فهم كلّ جنسٍ خصائصه وقدراته ومهامه.

إن الأطروحة الجندرية لن تؤدي إلى مجتمع مثالي غير موجود سوى في أحلام العابثين بالأسرة وتوابعها بل سيترتب على مفهوم “الجندر” إشعال العداء بين الجنسين وكأنهما متناقضان ومتنافران كما جاء في أوراق المؤتمر الدولي لتحديات الدراسات النسوية في القرن 21 الذي نظمه مركز البحوث التطبيقية والدراسات النسوية في جامعة صنعاء في اليمن، وعليه يُزج بالجنسين في صراع إثبات الذات بشكل فرداني متمحور حولها.

الأطروحة الجندرية ج1

الأطروحة الجندرية ج2

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق