رأي

انتخابات 2019.. رفض قطعي لدعوات التأجيل والتمديد والتوريث

لطفي  هرماسي

hermassilotfi64@gmail.com

 

(1)

مع حلول شهر سبتمبر من كل عام، ينطلق الموسم السياسي الجديد مليئا بالانتظارات والتحديات والاستحقاقات التي تستعيد ألقها وجدلها وبهاراتها على وقع تصريحات الفاعلين السياسيين وتحركاتهم وتفاعلات المتابعين والمحللين والرأي العام.

الصائفة السياسية ببلادنا كانت على غرار ما تعودنا عليه منذ سنة 2011 حبلى بالأحداث والتجاذبات وتواصل حالة (البلوكاج) التي تعيشها البلاد منذ 4 جوان بسبب أزمة الحكم والخلاف حول مصير حكومة الوحدة الوطنية، والتي يعود أصل الخلاف حولها وفق جل المحللين والفاعلين السياسيين إلى صراع خفي مداره الانتخابات الرئاسية لسنة 2019 وكرسي قرطاج.

وتزامنا مع حلول الموسم السياسي الجديد استعرت حمى التصريحات والبيانات والبلاغات حول إمكانية إنجاز هذه الاستحقاقات الانتخابية  في مواعيدها المقررة دستوريا من عدمه خاصة في ظل في غياب المحكمة الدستورية وعدم انتخاب رئيس جديد للهيئة العليا المستقلة للانتخابات.

 

(2)

رسائل التحذير من صعوبة إجراء انتخابات 2019 في موعدها صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن شخصيتين سياسيتين هامتين بالبلاد، هما الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي والمستشار السياسي لرئيس حركة النهضة لطفي زيتون الذي صرح بأن تونس تعيش وضعا سياسيا صعبا يزيده عدم انتخاب رئيس جديد لهيئة الانتخابات وعدم التوافق حول تركيبة  المحكمة دستورية وعدم الشروع في وضع قانون انتخابي جديد تعقيدا يحول دون إجراء الانتخابات في موعدها، في حين أشار الطبوبي إلى أن كل السيناريوهات السياسية ذات العلاقة بالانتخابات باتت واردة، وأن إجراءها في موعدها رهين تنقية الأجواء السياسية وفق تعبيره معلنا عن تمسّك المنظّمة الشغّيلة بتوفير كل ضمانات نجاح الاستحقاق الانتخابي

هذه التحذيرات التي أطلقها الرجلان انطلاقا من مخاوف حقيقية متعلقة بحالة الاحتقان السياسي وعجز مجلس نواب الشعب على التوافق حول أعضاء المحكمة الدستورية وتعويض رئيس هيئة الانتخابات المستقيل، بالإضافة إلى دعوات صريحة وضمنية (سنعود لها لاحقا) لتأجيل الانتخابات ووجهت برفض شديد من قبل عدد من الأحزاب والشخصيات التي أجمعت على ضرورة إجرائها في موعدها فقد ذكرت حركة النهضة في بيان لها أنّ شرط التحرر من الدكتاتورية وعلامة إنفاذ الإرادة الشعبية هو استمرار انجاز المحطات الانتخابية في آجالها الدستورية المحددة من أجل استكمال البناء الديمقراطي في البلاد، وأنه دون انتخابات تنتفي الشرعية، وأيّ تشكيك في العملية الانتخابية يمثل ضربًا لمسار الانتقال الديمقراطي الراسخ في تونس والذي يثبّت شعار الحرية كما رفعته الثورة وذلك في كنف الالتزام التام من النخبة السياسية بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة كما جدّدت الحركة  التأكيد على التزامها بالتوافق قبل الانتخابات وبعدها مهما كانت النتائج انطلاقا من معطيات الصندوق ومن حاجة تجربتنا الديمقراطية الناشئة للشراكة الواسعة لإدارة الشأن العام واستمرار نجاح النموذج التونسي وفق بيانها

كما نبّه الحزب الجمهوري في بيانه حول الموضوع ذاته من خطورة الدعوات لتأجيل انتخابات 2019 على المسار الانتقالي وترسيخ النظام الديمقراطي، وأكّد بيان الجمهوري أن تصاعد وتيرة التصريحات والمواقف التي تشير الى إمكانية تأجيل الانتخابات بدعوى صعوبة الظرف وعدم جاهزية البلاد لمواجهة هذا الاستحقاق الهام من شأنه المساس بالشرعية الانتخابية القائمة على احترام الدستور ودورية الانتخابات ونزاهتها.

بدوره حذر الاتحاد الوطني الحر من نشر أفكار غير مسؤولة تتعلق بإطلاق دعوات لتأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة معتبرا أن ذلك من شأنه المسّ من صورة تونس في الخارج معبّرا عن  رفضه لدعوات تأجيل الانتخابات معتبرا أنها محاولات لتكدير الوضع السياسي والاجتماعي في تونس وفق تعبيره.

كما أصدرت حركة الشعب بيانا عبرت فيه عن رفضها المساس بالنّظام الانتخابي وبالمواعيد الدّستورية للانتخابات التّشريعية والرّئاسية لسنة 2019 معتبرة أنّ المساس بالمواعيد الانتخابية محاولات فاشلة للعودة بالبلاد إلى مربع النّظام التسلطي ودعت للإسراع بتركيز المحكمة الدّستورية وانتخاب رئيس لهيئة الانتخابات.

أمّا حزب حراك تونس الإرادة فقد عبر عن رفضه فكرة تأجيل انتخابات 2019، متمسكا بتطبيق الدستور بإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في آجالها معربا عن إدانته الشديدة  لمناورات رئيس الجمهورية  بخصوص فرضية تأجيل الانتخابات وفق بيانه  مشيرا إلى أن السلطة الحالية تفقد كل شرعيتها حين يدقّ جرس الخمس سنوات القانونية.

يذكر أيضا أنّ وفد لجنة الشراكة بالكونغرس الأمريكي الذي زار بلادنا مؤخرا قد شدّد على ضرورة تنظيم الانتخابات سنة 2019 في موعدها ودعا إلى دعم هيئة الانتخابات باستكمال انتخاب أعضائها وضمان جاهزيتها للمحطات الانتخابية القادمة مؤكّدا دعم بلاده لتونس في انتقالها الديمقراطي وحربها على الإرهاب.

 

(3)

يبدو من خلال السجال الدّائر حول موعد الاستحقاق الانتخابي، والرّفض القطعي لمجرّد التفكير فيه من قبل الأغلبية المطلقة من الأحزاب والشخصيات السياسية أنّها ترد في سياق ردّة فعل قويّة إزاء الرغبة الجامحة لحركة نداء تونس ودوائر القرار فيها التي تهدف إلى التمديد من أجل التوريث، وهي رغبة ما فتئت التصريحات تتواتر حولها خاصة منذ هزيمة 14 ماي 2018 النكراء التي أكّدت ان شعبية حزب الرئيس وابنه في تراجع ملحوظ ( من 37 % سنة 2014 إلى 21 % سنة 2018 )  وقد تصل وفق هذا الانهيار إلى 15 % نهاية سنة 2019 وهي نسبة لا تسمح  للنداء بالمحافظة على كرسي الرئاسة كما ان الفترة الزمنية التي تفصلنا عن موعد إجرائها لا تكفي لإعادة ترتيب البيت ولا لاستعادة الشقوق ولا لتجميع الأحزاب التي شكلها زعماء الحزب السابقين الذين غادروه غاضبين ولا لاسترجاع الجماهيرية التي بنيت على خطاب الاستقطاب الثنائي والتصويت المجدي ( vote util) وفضلا عن ذلك كلّه عدم تحمّس الشركاء الأساسيين لتونس لفكرة إعادة ترشيح الرئيس الباجي لمنصب الرئاسة بالنظر إلى تقدمه في السن وخطورة ذلك على استقرار البلاد.

كما أن فكرة ترشيح ابن الرئيس لخلافة والده في قرطاج  والتي تروج لها قيادة النداء واللوبيات المالية والعائلية المرتبطة بها لم تلاق إلى حد الآن إلا الصد والرفض القطعي بسبب عدم نضجه السياسي، وبعض تصرفاته ومواقفه وتصريحاته التي تنم عن ضعف فادح في القدرة على الإدارة والتواصل والتعامل مع الازمات فضلا عن الرفض القطعي لمنطق التوريث لدى الأغلبية المطلقة للشعب التونسي الذي تعلّم من تجربته الخاصة ومن تجارب مقارنة في المناطق المجاورة أن التوريث القسري بليّ عنق القوانين الجاري العمل بها،  والاستقواء بدوائر المال والأعمال ونفوذ السلطة لا يؤدّي إلا إلى عودة الدكتاتورية والسعي المحموم للحفاظ على السلطة والعبث بالاستحقاقات الانتخابية والقوانين المنظمة لها ومواعيدها وصناديقها ونتائجها.

 

(4)

إن تنظيم الانتخابات واحترام دوريتها وتوفير كل الظروف الضرورية لإنجاحها في مواعيدها الدستورية ضرورة حيوية يقتضيها واجب الحفاظ على وحدة الشعب التونسي وتماسكه، وصورة من صور نجاح انتقاله الديمقراطي، وقد بات من الضروري تنبيه الأحزاب السياسية الكبرى ومجلس نواب الشعب إلى ما يمكن أن يتهدد البلاد من مخاطر انفجار اجتماعي في صورة التفكير في تمديد الفترة الرئاسية الحالية أو العمل على ابتداع مسالك للتوريث القسري الذي يجد رفضا قطعيا وصدودا تاما من قبل الأغلبية المطلقة من الشعب التونسي ونخبه.

وفي هذا السياق تتحتم العودة حثيثا إلى منطق التوافق وحسم الملفات الخلافية لاسيما منها موضوع التحوير الحكومي والانطلاق حثيثا إلى حسم ملف المحكمة الدستورية وانتخاب رئيس جديد لهيئة الانتخابات وإدخال التعديلات الضرورية على القانون الانتخابي بالإضافة إلى الانكباب على إيجاد حلول عاجلة لتحسين الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الصعبة التي تعيشها البلاد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق