موقع جريدة الرأي العام يقدم لكم أخبار تونس و العالم كما هي و يتحرى الصحة و الصدق في المعلومة و الخبر

بداية خريف قد يتحوّل إلى صيف حارق

0 152

أحمد المشرقي – نائب رئيس البرلمان العربي وعضو مجلس نواب الشعب..

يمثل شهر سبتمبر الموعد الأهم في مدار السنة بالرغم من أنّه يأتي حسابيا في الربع الأخير من نهاية السنة الإدارية. وأهميته تتأتّى من كونه يمثل افتتاح لسنة جديدة وعودة إلى نسق كان قد انقطع.

هو عودة للزمن المدرسي أين يشرّع الأولياء في ترتيب عودة أبنائهم إلى أقسام الدراسة وكذلك تكون النكهة مختلفة للأطفال والتلاميذ والطلبة فتتسارع  وتيرة الزمن ليكون اللقاء مع الملابس المدرسية والكراسات الجديدة وكذلك الكتب المبرمج منها والداعم لجداولها.

العودة إلى الزمن الإداري هي الأخرى تدلّ على توديع فصل والدخول في فصل وزمن آخر ما يجعل الإدارة في حراك وحيويّة بعد أن شملتها التغييرات والتي سبقتها تغييرات أخرى في صفوف المربّين وطواقم العمل المدرسي والطلابي.

وغير بعيد عن هذا الحراك يمثل الفاتح من سبتمبر السنة السياسية الجديدة  والتي وفي العديد من المناسبات وضمن تقاليد راسخة لشعوب متعدّدة تفتتح بخطابات لأهل السياسة والحكم وببرامج مزمع تنفيذها وأجندة عمل إمّا لاستكمال ما لم يستكمل أو لاجتراح خطط لما لم ينجز ووضع مواعيد زمنية لتحقيقه. بصورة عامة وواضحة يبدو شهر سبتمبر في مفتتحه شهر البدايات وكل بداية تكون مسكونة بالعزم والعزيمة متأصّلة في تحقيق التغير والنجاح تحت فاعلية الإرادة العالية والحلم والأمل.

لكن هذه المرة وعلى الأرض التونسية وبدل أن يكون الوطن متوجها نحو أحلامه الكبيرة ومسكون بفعالية الإنجاز والتحقق، تبدو الصورة الواقعية معاكسة تماما لهذا التمشي فالسنة الدراسية وقبل بدايتها محاطة بالمشكلات. فأن يبقى مصير أكثر من أربعة آلاف تلميذ يعدّون من النخبة معلقة فهي المأساة الحقيقيّة. وقد حاول الأولياء ولا يزالون طرق كل الأبواب والوقوف على كل الأعتاب ولكن ما من مجيب ومتى أضفنا إلى ذلك واقع ومشكلات القطاع التربوي في بنيته التحيّة وكوادره البشرية وكذلك في مضامينه أدركنا هول المصيبة والتي ستتحوّل إلى كارثة إذا مضى اتحاد الشغل في تحقيق تهديداته بالإضرابات المتتالية في القطاع التربوي والتي ستقودنا حتما إلى سنة أسوأ من سابقاتها.

الإدارة التونسية والتي من المفروض أن تعود بقوّة وبحيوية إلى النشاط بعد أن قضى أعوانها عطلهم وخلدوا  إلى الراحة لا نرى فيها أي حراك ولا أي حيويّة فالأمور تسير على الوتيرة ذاتها وكأنّنا لا نزال في منتصف الصيف ولا أظن أن هناك أي جهد لبذل ولو أدنى درجات العطاء لهذا الوطن. فالتشكيات لا تزال تتوافد على المسؤول الإداري وأغلب الموظفين تجذبهم نعومة الصيف ولا يزال ذهنهم مشتت بين نسائم  البحر وزغاريد الأعراس.

أما الحكومة فحدث ولا حرج فقد افتتحت سنتها بمعركة سياسيّة تحت دعاوي قضائية وضمن ملفات محاكمة وغيرها فأضافت إلى تلبّد سماء الوطن مزيدا من السحب الداكنة والداهمة فهل بقي من معني لبداية سنة جديدة سواء أكانت سياسية، إدارية أو تربويّة؟

كان من الممكن لو كنّا نحمل معاني المسؤولية المضاعفة أن نتولّى حلّ كل المشكلات العالقة في فصل الصيف. فالوقت كان يسعنا لتعميق النقاش وإيجاد الحلول لكل المشكلات التي من الممكن أن تعترضنا في مفتتح السنة وبذلك تكون البداية واعدة وجادة بعد أن تخلصنا من بعض المشكلات وذللنا البعض الآخر، ولكن وللأسف يبدو أن الأطراف كلها غارقة في المآلات ذاتها وأن نسيم الصيف أدخل الجميع في السبات العميق. فحتى البرلمان والذي من المفترض أن لا يدخل في عطلة سنوية لتزاحم أعماله لن يعود للعمل إلّا مع مفتتح أكتوبر.

ستواجه تونس سنة من أصعب السنوات التي مرّت على هذا الوطن وأرجو أن يأتي الواقع على عكس هذا التصوّر ولكن وللأسف كل الدلالات والمعطيات تؤيد شتاء داهم لا نعلم آثار رياحه وأعاصيره. فحالة الارتخاء هذه وحالة التوتر على كل الاصعدة إذا ما أضيف إليها واقع اقتصادي ذاهب نحو مزيد من التدهور ووضع اجتماعي سيشهد اضطرابات حقيقية. كل ذلك يجعلنا ننبه الى المخاطر التي تستوجب صفارات إنذار عالية.

المطلوب من الفاعلين الحقيقيين ان يتداعوا إلى محاصرة هذه المشكلات والعمل الجدّي على تذليل الصعوبات. أوّلها لا بدّ من حسم أمر الحكومة في خلال هذا الأسبوع ويكون التوافق حول بقائها أو رحيلها. فأن تبقى حكومة ولمدّة ثمانية أشهر تشتغل وهي تحت طائلة التشكيك والهرسلة لا يمكن ذلك من التقدم بالوطن. فالوصول في هذا الشأن إلى حسم سيسهل الوضوح في المجالات الأخرى وأوّلها موضوع الإصلاحات الكبرى والتي بقيت حبرا على ورق وهي ضرورة وأولويّة نحتاجها فعليّا والمؤلم والمربك فعلا أن هذا الوضع الضبابي سينعكس على المستقبل وقد يحوّله إلى قتامة حقيقية فنحن نتقدّم يوميّا نحو الانتخابات ونحتاج في كل ذلك إلى الوضوح وقد نجد أنفسنا أمام ضرورة التأجيل إذا لم نتحوّط  ومن الآن  لذلك.

المطلوب وبوضوح أن يتصدّى السيد رئيس البرلمان إلى قيادة هذا الحوار باعتباره يمثل أعلى سلطة شرعيّة في هذا الوطن ومن الممكن أن تعينه الأحزاب والقيادات الوطنية والمنظمات والهيئات لإنجاز ذلك وهو قادر متى عزم وتوكّل. وانا على يقين بأن العقل والوعي التونسي له من القدرات ما يجعله مقدم على اجتراح الحلول الحقيقية.

فالدعوة ملحة والأمر جلل.. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.